مختصر خطبتي الحرمين 20 رمضان 1435هـ                 لاحتلال يعتقل 1000 من فلسطيني القدس والـ48 بالأحداث الأخيرة .. واستنفار وحالة تأهب قصوى في عسقلان                 هيئة علماء العراق تطالب المنظمات الحقوقية بموقف واضح تجاه جرائم المالكي                 سورية : 25 قتيلًا من ميليشيا بشار و‘حزب الله‘ في جبهة مورك                 ليبيا : 18 قتيلا في اشتباكات ببنغازي وتجدد المعارك بطرابلس                 الإمارات تفتتح أول مركز في العالم لطباعة المصحف بجميع القراءات والخطوط                 تحالف سيليكا المسلم يوافق على وقف إطلاق بأفريقيا الوسطى                 السلطات الإيرانية تمنع إمام أهل السنة بها من السفر                 اليمن ترفض تصريحات إيرانية                 صحيفة: حكومة ‘أردوغان‘ تلغي تأشيرة دخول تركيا للإسرائيليين وتفرضها على الفلسطينيين                 تداعي الأمم على المسلمين تقرير إخباري                 فطوبى للغرباء العاملين                 الاعتراف بالذنب؟                 تابع سلسلة : الحركة الشعوبية من ماضيها إلى حاضرها                 خبراء الكذب والخداع!                 خشوع المغردين                 الحرب الخفية على المظاهر الإسلامية                 احتساب في السحاب                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(ماذا استفدنا من رمضان؟) خطب مختارة
يا باغي الخير .. أقبل (عبد المحسن بن محمد القاسم)
28/8/1430هـ - الساعة 07:26 م

 

 

 



 

عبد المحسن بن محمد القاسم
26/8/1423


الخطبة الأولى

 

أما بعد:

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى، فالتقوى زادٌ لدار القرار، وعون على شكر نعم الباري الغزار.

أيها المسلمون:

اختار الله من الأزمان مواسمَ للطاعات، واصطفى فيها أياماً ولياليَ وساعات، فضلاً منه وإحساناً، وكلَّما لاح هلالُ رمضان أعاد إلى المسلمين أيامَ دهرهم المباركات، وما يكون فيها من النفحات، شهرٌ ينطلق فيه الصائمون إلى آفاقِ النقاء، ويمسحون فيه عن جبينهم وعثاءَ الحياة، يستقبله المسلمون وله في نفوس الصالحين منهم بهجة، وفي قلوب المتقين فرحة، فرُبَّ ساعة قبولٍ فيه أدركت عبداً فبلغ بها درجاتِ الرضا والرضوان.

الصيام سرّ بين الخالق والمخلوق، يُفعَل خالصاً، ويتلذَّذ العبد جائعاً، ويتضوّر خالياً، "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به"[1]. يحقِّق العبد فيه درس الإخلاص لينطلق به إلى سائر العبادات بعيداً عن الرياء.

الصيام يُصلح النفوسَ، ويدفع إلى اكتساب المحامد والبعد عن المفاسد، به تُغفر الذنوب وتكفَّر السيئات وتزداد الحسنات، يقول المصطفى : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه[2].

شهر الطاعة والقربى والبر والإحسان، والمغفرة والرحمة والرضوان، يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسُلسِلت الشياطين" متفق عليه[3].

لياليه مباركة، فيه ليلةٌ مضاعفة، هي أمُّ الليالي، ليلة القدر والشرف، خيرٌمن ألف شهر، من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.

فيه صبرٌ على حمأة الظمأ ومرارة الجوع، ومجاهدة النفس في زجر الهوى، جزاؤهم بابٌ من أبواب الجنة لا يدخلهم غيرهم، فيه تذكيرٌ بحال الأكباد الجائعة من المساكين والمقتِرين، يستوي فيه المعدم والموسر، كلهم صائم لربه، مستغفر لذنبه، يمسكون عن الطعام في زمن واحد، ويفطرون في آن واحد، يتساوَون طيلةَ نهارهم بالجوع والظمأ، ليتحقَّق قولُ الله في الجميع: إِنَّ هَـاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَعْبُدُونِ [الأنبياء:92].

أيها المسلمون، ذِكر الناس داء، وذكرُ الله شفاء، والقرآن العظيم أساسُ الدين وآيةُ الرسالة وروحُ الحياة، نزل في سيّد الشهور، إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، ونزوله فيه إيماءٌ لهذه الأمة بالإكثار من تلاوته وتدبره، وكان جبريل عليه السلام ينزل من السماء، ويدارسُُ فيه نبيَّنا محمداً كاملَ القرآن، وفي العام الذي توفِّي فيه عرض عليه مرتين[4]، وكان بعض السلف يختم في رمضان في كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في سبعٍ، وبعضهم في عشر، وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان أقبل على تلاوة القرآن وترك الحديث وأهله.

وإذا أحسنتَ القول فأحسن الفعل، ليجتمع معك مزية اللسان وثمرة الإحسان، ودائرة الجود تتَّسع لما تهفو القلوب المؤمنة من التطوع في الخير والتوسع في إسداء المعروف، والمال لا يذهب بالجود والصدقة، بل هو قرضٌ حسن مضمون عند الكريم، وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39]، يضاعفه في الدنيا بركةً وسعادة، ويجازيه في الآخرة نعيماً مقيماً، يقول النبي : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً" متفق عليه[5].

فتحسَّس دورَ الفقراء والمساكين، ومساكن الأرامل والأيتام، ففي ذلك تفريج كربة لك، ودفع بلاء عنك، وإشباع جائعٍ، وفرحةٌ لصغير، وإعفافٌ لأسرة، وإغناءٌ عن السؤال، ولقد كان رسول الله أكرمَ الناس وأجودَهم، إن أنفق أجزل، وإن منح أغدق، وإن أعطى أعطى عطاءَ من لا يخشى الفاقة، وكان يستقبل رمضان بفيض من الجود، ويكون أجودَ بالخير من الريح المرسلة[6]. فأكثِر من البذل والإنفاق في لياليه المعدودة، والمال لا يبقيه حِرصٌ وشحّ، ولا يذهبه بذلك وإنفاق.

وليالي رمضان تاج ليالي العام، ودجاها ثمينة بظلمائها، فيها تصفو الأوقات وتحلو المناجاة، يقول النبي : "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"[7]، و"من صلـى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"[8]، ومن لم يصبِّر نفسَه على طاعة ربه ويوطِّنها على محبَّته ابتُلي بتصبيرها على المعاصي وذلها، وإن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل، وفي كل ليلة يُفتح باب الإجابة من السماء، وخزائن الوهَّاب ملأى، فسل من جود الكريم، واطلب رحمةَ الرحيم، فهذا شهر العطايا والنفحات والمنن والهبات، وأعجزُ الناس من عجز عن الدعاء.

أيها المسلمون، الأيامُ صحائف الأعمار، والسعيد من يخلِّدها بأحسن الأعمال، ومن نقله الله من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ الطاعة أغناه بلا مال، وآنسه بلا أنيس، وراحة النفس في قلة الآثام، ومن عرف ربَّه اشتغل به عن هوى نفسه، وفي هذا الشهر المبارك المنزَّلِ فيه القرآن العظيم المتعددةِ فيه طلب أنواع المغفرة من التوسّع في المعروف والبذل والدعاء وتفريج الكربات والإكثار من العبادات، إلا أنه لكلّ موسم خاصب، وبعض الناس أرخص لياليَه الغرر، أرهق فيها بصرَه مع الفضائيات، يعيش معها في أوهام، ويسرح فكره حولها في خيال، ويتطلَّع لها لعلّ له فيها سعادةَ السراب، فإذا انقضى شهر الصيام لا لما فيه جمع، ولا للآخرة ارتفع، ربِح الناسُ وهو الخاسر.

والنساء حبائلُ الشيطان، وهنَّ أكثر حطب جهنم، ولنجاة نفسِها من الحميم واجبٌ عليها مضاعفة الأعمال الصالحة، مما ينجِّيها من النيران، فليتقين الله في حرمة هذا الشهر المبارك، ولا تخرج من بيتها إلا لضرورة، وصلاةُ التراويح في بيتها أفضل من أدائها في الحرمين، يقول عليه الصلاة والسلام: "وصلاتها في دارها خير من صلاتها في مسجدها"[9]، وإذا خرجت لحاجة فحرامٌ عليها الخروج متبرِّجة أو متنقِّبة، وعليها بالستر والحياء، ومراقبة ربها في غيبة وليها وشهوده، والصالحة منهن موعودة برضا ربِّ العالمين عنها، وتمسكُها بدينها واعتزازها بحجابها وسترِها يعلي شأنها، ويعزِّز مكانها، وهي فخر المجتمع، وتاج العفاف، وجوهرة الحياة، وقدوة النساء.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:182].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 


الخطبة الثانية

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً.

أما بعد: أيها المسلمون، دواءُ القلب في خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلوُّ البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.

وليكن لك ـ أيها المسلم ـ في شهر الصوم عملٌ وتهجُّد وقرآن، واغتنم عمرةً في رمضان فإنها تعدل حجة، ولقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام الاعتكاف في رمضان، وهو لزوم مسجدٍ طاعةً لله عز وجل، وابتعِد عن خوارق الصوم ومفسداته، وإياك أن تقع في أعراض المسلمين، واحفظ لسانك وسمعك وبصرك عمَّا حرم الله، يقول الإمام أحمد رحمه الله: "ينبغي للصائم أن يتعاهد صومَه من لسانه، ولا يماري في كلامه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً"[10]. ومن بُلي بجاهل فلا يقابله بمثل سوأته، يقول عليه الصلاة والسلام: "الصيام جُنةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب، فإن سابَّه أحدٌ أو شاتمه فيلقل: إني صائم" رواه البخاري[11]. واجعل شهرَ صومك جهاداً متواصلاً ضدَّ شهوات النفس، وانقطاعاً إلى الله بالعبادة والطاعة، ومدارسةً لآيات التنزيل، وقياماً مخلصاً بالليل، فهو موسم التوبة والإنابة، فباب التوبة مفتوح، وعطاء ربك ممنوح، فمتى يتوب من أسرف في الخطايا وأكثرَ من المعاصي إن لم يتب في شهر رمضان؟! ومتى يعود إن لم يعد في شهر الرحمة والغفران؟! فبادر بالعودة إلى الله، واطرق بابَه، وأكثر من استغفاره، واغتنموا زمنَ الأرباح، فأيام المواسم معدودة، وأوقات الفضائل مشهودة، وفي رمضان كنوز غالية، فلا تضيِّعوها باللهو واللعب وما لا فائدة فيه، فإنكم لا تدرون متى ترجعون إلى الله، وهل تدركون رمضان الآخر أو لا تدركونه؟ وإن اللبيب العاقل من نظر في حاله، وفكَّر في عيوبه، وأصلح نفسه قبل أن يفجأه الموت، فينقطع عمله، وينتقل إلى دار البرزخ ثم إلى دار الحساب.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

 


[1] أخرجه البخاري في اللباس (5927)، ومسلم في الصيام (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الإيمان (38)، ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3277)، ومسلم في الصيام (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (4998) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الزكاة (1442)، ومسلم في الزكاة (1010) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] انظر ما أخرجه البخاري في الصوم (1902)، ومسلم في الفضائل (2308) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[7] أخرجه مسلم في الصيام (1163) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[8] أخرجه أحمد (5/159)، وأبو داود في الصلاة (1375)، والترمذي في الصوم (806)، والنسائي في السهو (1364)، وابن ماجه في الصلاة (1327) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن الجارود (403)، وابن خزيمة (2206)، وابن حبان (2547)، وهو في صحيح أبي داود (1227).
[9] أخرج أحمد (2/76)، وأبو داود في الصلاة (567)، والبيهقي (3/131) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن"، صححه ابن خزيمة (1684)، والحاكم (755)، وابن عبد البر في التمهيد (23/395)، ونقل الشوكاني في النيل (3/95) تصحيح العراقي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (530). وأصل الحديث في الصحيحين وليس فيه: "وبيوتهن خير لهن". وأخرج أحمد (6/371) عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، قال: "قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي"، وصححه ابن خزيمة (1689)، وابن حبان (2217)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (2/350). وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه أبو داود في الصلاة (570) والبزار (2060، 2063)، وابن خزيمة (1690)، والبيهقي في الكبرى (5144)، وابن عبد البر في التمهيد (23/298) بلفظ: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"، وتردد ابن خزيمة في سماع قتادة هذا الحديث من مورق، وصححه الحاكم (757)، وجود إسناده ابن كثير في تفسيره (3/483)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (533).
[10] انظر: المغني (3/59).
[11] أخرجه البخاري في الصوم (1904) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند مسلم أيضا في الصيام (1151).


المصدر: المنبر