مختصر خطبتي الحرمين 16 شعبان 1438هـ                 يونيسيف: ارتفاع وفيات تفشي الكوليرا في اليمن إلى 209                 سوريا.. قلق أممي إزاء ‘سلامة‘ 400 ألف شخص الرقة إثر                 العراق:‘العبادي‘ يعترف بتنفيذ مليشيات طائفية لعمليات خطف                 فلسطين ترحب بالموقف الأمريكي من حائط البراق في القدس                 واشنطن تعلن معارضتها لمشاركة البشير في قمة الرياض                 تحذير أممي من تزايد الهجمات ضد المسلمين بأفريقيا الوسطى                 الأحوازيون يرفضون الحل الأمريكي لقضيتهم                 تصاعد التوتر بين تركيا وألمانيا                 الكشف عن “رقم صادم” لعدد قطع السلاح في ليبيا                 أخبار منوعة:                 وقفات مع قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}                 متى نصر الله؟                 مفهوم التجديد لدى أهل السنة                 زوجتي                 البحارة                 الحكمة من النهي عن البيع في المسجد                 «الناس معادن»                 فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي والمسألة الأخلاقية                 ناصح بالنهار .. خصيم بالليل !                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(الصحبة السيئة ومضارها) خطب مختارة
(الصحبة الصالحة ومنافعها) خطب مختارة
المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة (1-2)
13/6/1438هـ - الساعة 03:02 ص

 

 

 

وها هي أمريكا اليوم تصول وتجول في سماء العراق، يساعدها التحالف الدولي، تضرب مناطق أهل السنة وأهلها، وتمهد الغطاء الجوي للحشود الشعبية الرافضة؛ لتستولي على أماكن وبلدان أهل السنة، كل ذلك بحجة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، فها هي الرمادي، والفلوجة، وتكريت، والقرمة، والموصل، وغيرها من أماكن تواجد أهل السنة، دمرت وأبيدت، فبم يفسر هذا من حملة الصليب وحلفائهم؟ إنه لا تفسير لذلك إلا أنها حرب صليبية باطنية، يقصد منها القضاء على أهل السنة، والتمكين للرافضة الجبناء الخونة، الذين أثبتوا عمالتهم لليهود والنصارى وخيانتهم لأمتهم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فلا يخفى على أدنى متأمل ما تشهده هذه السنوات الأخيرة من حرب سافرة حاقدة ماكرة، يشنها الغرب الكافر، وعلى رأسه أم الكفر أمريكا؛ التي تتولى كبر ذلك على الإسلام وأهله، ولاسيما أهل السنة منهم. ولسنا في حاجة لإثبات ذلك بالوثائق والمواقف والأدلة، فهي من الوضوح بحيث يدركها اليوم الصغير، والكبير، والشيخ، والعجوز، والمثقف، والأمي، ولئن عُذر أحدٌ في خفاء هذا العداء والحرب في ما مضى من عقود ؛ فإنه لا يعذر اليوم، وقد تساقطت الأقنعة، وتعرت النوايا، وظهرت فيه المعايير المزدوجة، والمكاييل التي تكيل بمكاييل مختلفة،  وإن المسلم المتدبر لكتاب ربه عز وجل وما فيه من السنن الإلهية، التي لا تتبدل، والتوجيهات الربانية التي تبين لنا حقيقة أعدائنا الكفرة ، وتحذرنا منهم ، ومما تخفي صدورهم من الكيد والمكر للمسلمين . إن المسلم المتدبر لذلك كله يصير بذلك أسعد الناس بمعرفة عدوه، وأخذ الحذر منه، والبراءة منه، وإظهار العداوة له، والتحذير من مكره وكيده.

 

يقول الله -عز وجل-: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ? قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ*إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ? وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ? إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران : 118.119.120].        

 
ويقول سبحانه: (وَلَن ترضى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة :120]. ويقول سبحانه: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء: 89]. ويقول الله -تعالى-: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة :217]، ويقول تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أهل الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: 109]، ويقول سبحانه: (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة: 8].

 

والآيات من كتاب الله -عز وجل- في التحذير من الكفار، وبيان عداوتهم للمسلمين كثيرة، والمسلم المتدبر لكتاب ربه تكفيه هذه الآيات وأمثالها، في توجيه العداوة للكفار، والبراءة منهم، والحذر من مكرهم، وجهادهم، ولا يحتاج المسلم في إثبات هذه العداوة والبراءة إلى مزيد من الأدلة الواقعية حتى يوقن بذلك، لأنه موقن بكلام ربه –سبحانه-، ولكن ما يظهره الله -عز وجل- من وقائع وفضائح، وسقوط للأقنعة تزيد المؤمن إيماناً ويقيناً.

 

إن المدافعة والصراع بين الحق والباطل سنة إلهية، اقتضتها حكمة الله -عز وجل-، وعلمه ورحمته، منذ أن هبط آدم -عليه الصلاة والسلام- إلى الأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال الله -عز وجل-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ  فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام :112]، وقال سبحانه: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد :4]، وقال سبحانه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ([البقرة :251]، وقال سبحانه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج :40].

 

يقول الأستاذ عبدالعزيز كامل عن هاتين الآيتين : "والمعنى من الآيتين : لولا دفع الله بأس المشركين بممانعة وجهاد الموحدين، وحكمهم بالوحي المنزل؛ لزاد الفساد، واستحكم الظلم، وحرم العباد من عبادتهم لرب العباد، فالتدافع هو الأصل بين سبيل الأبرار والفجار، ليس في ميادين المعارك العسكرية فقط، بل قبل ذلك في ساحات المواجهة الفكرية، وحقيقته صراع بين من يحملون المنهج السوي من أتباع الرسل، وبين من يحتمون بسواهم من ملل الجهالات والمقالات والأهواء  . قال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ  وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ? ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) [إبراهيم : 13 – 14 ]

 والصراعات تكون أيضاً بين باطل وباطل، وقد يكون ذلك خير لأهل الإيمان، كما كان الصراع بين الفرس والروم، حيث أنهك كل منهم الآخر لتسهل المهمة بعد ذلك على عباد الله الموحدين في الانتصار عليهما.

إن صراعات عصرنا ليست استثناء في كون أصلها صراعاً بين عقيدة وعقيدة.

والصراع الدولي اليوم - الناشب في ميادين متعددة على أرض العالم الإسلامي -يتضح فيه يوماً بعد يوم أنه صراع بين الحق والباطل، بين حق الاسلام وباطل الأعداء، الذي تأتي فيه الصهيونية الأمريكية بشقيها اليهودي والنصراني في مقدمتهم، حيث أطلقت أمريكا على حربها هذه: (الحرب العالمية على الإرهاب) بعد ان لعبت بمصطلح (الإرهاب) لكي يكون مرادفاً للإسلام وأهله، الذين وقفوا في وجهها، لكي يكون هذا المصطلح صالحاً، لأنه يطلق على أشخاص دون أشخاص، ودول دون دول، وجماعات دون جماعات، وممارسات دون ممارسات". ([1])


وقد كتب الله -عز وجل- هذا الصراع، وقدره لحكم ومصالح عظيمة، أظهر الله -عز وجل- لنا بعضها، وأخفى عنا بعضها، ومن هذه الحكم التي تضمنتها الآيات السابقة:

1-في سنة المدافعة درء لمفاسد عظيمة عن العباد، في أديانهم وأنفسهم، وعقولهم وأموالهم وأعراضهم، إذ لو أن الله -عز وجل- لم يقيض للباطل من يرده ويدفعه من أهل الحق، لفسدت الأرض ومن عليها، كما ذكر الله -عز وجل- ذلك.

 

2-في سنة المدافعة يستخرج الله عبودية أوليائه وحزبه، في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون.

 

3-في سنة الصراع بين الحق والباطل تمحيص وابتلاء، يتميز فيها المؤمن الصادق،  الذي يستحق مرضاة الله -عز وجل- وجنته، من المنافق الذي كان يخفي نفاقه في الأمن، فتأتي شدة الصراع لتظهر نفاقه، وفي هذا مصلحة للمؤمنين، قال سبحانه: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [ آل عمران: 179 ]، وقال سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [ آل عمران : 142].

 

4-في سنة الصراع والمواجهة بين الحق والباطل مصلحة عظيمة، في كون هذا الصراع الشديد يبرز الحق ويظهره للناس، ويتعرف عليه الناس الجاهلون به، ويصلب عوده، ويظهر للناس صدق أهله، وبطلان أعدائه، وهذا لا يأتي بتعايش الحق مع الباطل، ومسالمة كل طرف للطرف الآخر. يقول الشيخ السعدي -رحمه الله -تعالى-: "من بعض فوائد ذلك أن يعلوا الحق على الباطل، وأن يتبين الحق ويتضح اتضاحاً عظيماً؛ لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحاً وبياناً،  وكمال استدلال، وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة،  وبأهل الباطل من العقوبة".([2])

 

وبعد هذه المقدمة التي لابد منها أدخل في صلب هذه المقالة وموضوعها، ألا وهو (المشروع الأمريكي في حرب الإسلام السني) ولكي يسهل تناول الموضوع وفهمه، أصوغه في الوقفات الآتية:

الوقفة الأولى:

إن ما يدور الآن من أحداث مؤلمة في بلاد الشام، والعراق، واليمن، وفلسطين، وأفغانستان، ومصر، وليبيا، وما يخطط لغيرها من البلدان الأخرى، إن هو إلا نتيجة لمخطط إجرامي قذر، يشنه الغرب الكافر بزعامة رأس الفساد والإفساد، والصد عن سبيل الله (أمريكا الطاغية)، وذلك في مشروعها الإفسادي وحربها العالمية للإسلام السني وأهله، وهذا ما يصرحون به، ولا يخفونه كما سيأتي تفصيله لاحقاً -إن شاء الله تعالى-.

وأود التنبيه في هذه الوقفة إلى أمر مهم ألا وهو:

ضرورة أن نعلم بأن رأس الأفعى في هذه الحرب المشوبة على المسلمين هي أمريكا الطاغية، دون التهوين من شركائها في هذه الحرب. ان المشروع الأمريكي هو الأخطر في المنطقة، فينبغي على الدعاة والمجاهدين أن يعوا هذا الخطر. أقول هذا القول لما لمسته من غفلة عن هذا المشروع، مقابل المشروع الإيراني والروسي في المنطقة، الذي أخذ حقه من البيان والفضح،  لقد نجحت أمريكا إلى حد كبير في صرف أنظار كثير من المسلمين -ومنهم بعض الدعاة والمجاهدين- عن خطرها، وحاولت توجيه الكره والعداوة إلى إيران ومشروعها الرافضي، فكثرت البيانات والتحذيرات من الخطر الصفوي، وهذا حق وواجب، ولكن هذا يجب ألا يصرفنا عن خطر وجرائم المشروع الأمريكي الأمريكي ومن سار في فلكه الأمريكي فإنهم أخطر ما يكون على المسلمين، بل يمكن القول بأن المشروع الصفوي الرافضي والروسي؛ إن هو إلا أداة من أدوات تنفيذ المشروع الأمريكي، وتمريره في المنطقة، فينبغي أن يأخذ حقه من الفضح، وبيان خطره، وان لا ينسينا الحديث عن خطر المشروع الروسي والصفوي؛ بيان الخطر الأمريكي، وضرورة التصدي له، ولألاعيبه وأهدافه. وعندما نقول (المشروع الأمريكي) فإننا نعني بذلك وجود أموال، وعلماء، وعملاء وأجهزة استخبارات، ومراكز أبحاث، ووسائل إعلام، وأسلحة، وكلها مجندة لخدمة المشروع.

 

الوقفة الثانية: لماذا تركز أمريكا في حربها على الاسلام السني؟

كان العداء في القرن الماضي والمدافعة بين قطبين كافرين من القوى الكبرى: المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا، ومن معها في حلف الأطلسي، وبين المعسكر الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي ومن حالفه في حلف وارسو، واستمرت الحرب الباردة بين المعسكرين عقودًا من الزمن، وقد استخدمت أمريكا بعض الدول الإسلامية في حرب المعسكر الشرقي بحجة إلحاده، وعقيدته الشيوعية، ودعمت المجاهدين الأفغان في حرب الاتحاد السوفيتي، إبان غزوه لأفغانستان،  لا حباً للمجاهدين، وإنما لإسقاط الروس وإضعافهم، وحصل بفضل الله -عز وجل-،  ثم جهاد المجاهدين، أن انسحبت روسيا منهزمة من أفغانستان، ثم تلى ذلك السقوط الذريع للاتحاد السوفيتي وتشرذمه. بعد ذلك انفردت أمريكا كقوة عظمى في العالم ولكن الله -عز وجل- بعلمه وحكمته ورحمته وعزته وسنته التي لا تتبدل - قيض لهذه القوة المتغطرسة، دين الإسلام وأهله من المجاهدين، وبدأت المدافعة بين المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا، وبين المعسكر الاسلامي، وأيقنت أمريكا أن عدوها الأول هو الإسلام وأهله، ولاسيما بعد الصحوة الإسلامية العارمة، واشتعال جذوة الجهاد في أمكنة كثيرة من بلدان المسلمين، حتى وصل الخطر إلى عقر ديارهم، فأجلبت بخيلها ورجلها، وكشفت عن ساق الحرب، وشنتها على أكبر خطر يهددها، ألا وهو دين الله الخالد، الإسلام، وحملته من الدعاة والمجاهدين.

 

ومن خلال هذه الحرب اكتشفت أمريكا وبما تملكه من مراكز بحوث وأحداث متتالية،  ان المنتسبين للإسلام ليسوا سواء، وليسوا كلهم أعداء لها، فصنفت المسلمين إلى معتدلين، وأصوليين متطرفين، فأخرجت من حربها من تراه في نظرها من الموالين لها، ممن تسميهم بالمعتدلين من اللبراليين، والعصرانيين، والمتصوفة الخرافيين، والباطنة المنافقين من الرافضة والشيعة، ورأت أنهم لا يشكلون خطراً عليها،  بل لقد رأت فيهم صيداً ثميناً، وذراعاً قوية، استخدمته ووظفته في حرب التيار السلفي، الذي استعصى عليها، وأعلن عداوتها والبراءة منها، وحرص على مفاصلتها وجهادها، بالبيان والسنان، فحصرت حربها فيهم (كمرحلة أولى، يتلوها حرب المسلمين كافة، وسوريا والعراق خير شاهد)، فاستعرت نار الحرب، وحمي وطيسها بين معسكر الإيمان ومعسكر النفاق والكفران .


ولم تكن هذه الحرب على الصعيد العسكري فحسب، بل على صعيد آخر أكبر منه، وأخطر، ألا وهي حرب الأفكار، وتشويه العقيدة السلفية النقية، وأصعدة أخرى.

 

وهذا تقرير (راند) الشهير،  وهو من مراكز الأبحاث الأمريكية الخطيرة المؤثرة في صنع القرار الأمريكي، يقول في تقريره الشهير: (بناء شبكات إسلامية معتدلة): "بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقود حربًا علي الصعيدين الحربي والفكري، فهي تقود معركة بالأسلحة، ومعركة  بالأفكار، حيث لن تكون الغلبة على الجانب الآخر إلا بتشويه الأيدلوجيات المتطرفة في أعين معتنقيها  ومؤيديها([3]) ويوصي التقرير في مواطن أخرى: (بأن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني، واللبرالي ، والعصراني، في العالم الإسلامي،  لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيار الإسلامي، التي يصفها التقرير بالجملة أنها تيارات متطرفة(1) كما يوصى التقرير أن يستخدم التيار التقليدي والصوفي في مواجهة الإسلام السلفي، وقد تم تعريف التيار التقليدي والصوفي في هذا التقرير: أنه التيار الذي يصلي في الأضرحة، خلاف ما تدعوا إليه الوهابية، ويميل إلى التصوف والتعصب للمذاهب"(1) والحاصل أن طاغية العصر أمريكا، وحلفائها من الغرب، ومن دار في فلكها من الطواغيت والمنافقين،  قد حددوا عدوهم الاستراتيجي، الذي ينبغي أن توجه إليه الحرب بكل أشكالها، وأنه جميع التيارات السلفية التي تنطلق من عقيدة التوحيد، والولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله -تعالى-، والله -عز وجل- غالب على أمره، وله الأمر من قبل ومن بعد، والعاقبة للمتقين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .


يقول د: عبد العزيز كامل: "الصراع بين الصحيح والمحرف من العقائد وهو جوهر (حرب الأفكار) الراهنة، والإسلام (غير المحرف) يمثله في أنصع صورة، منهج أهل السنة والجماعة، ولهذا فإن حملة هذا المنهج هو المستهدفون الأوائل في حرب الأفكار، مرة باسم الأصوليين، ومرة باسم السلفيين، ومرة ثالثة باسم الوهابيين، ولهذا نجد تقارير (معهد راند) وغيرها، تصب في اتجاه تجييش العالم بكفاره، ومنافقيه، ومرتديه، ومبتدعيه، ضد أنصار هذا المنهج الذي يمثل الدين الصحيح". ([4])

 

الوقفة الثالثة: أنواع الحرب المشبوبة على أهل السنة الموحدين:

ينطلق المشروع الأمريكي -ومن سار في ركابه -في حربه العالمية على أهل التوحيد والسنة، من خمسة محاور، أسوقها مجملة، ثم أفصلها بعد ذلك إن شاء الله -تعالى-:

المحور الأول: الحرب العسكرية.

 

المحور الثاني: الحرب الفكرية العقدية.

 

المحور الثالث: الحرب الاقتصادية.

 

المحور الرابع: الحرب الاجتماعية والسلوكية.

 

المحور الخامس الحرب السياسية ذات الوجهين.


وقد سخرت الإعلام بقنواته كلها، المسموع والمرئي والمقروء، في إذكاء هذه الحرب وتسويقها.

هذه محاور الحرب الإجرامية القذرة على الحق وأهله، والتي اجتمع فيها العالم كله، بجميع أطيافه، وتناسوا خلافهم ووحدوا حربهم، على الموحدين من أهل الإسلام، هذه الحرب التي لو وجهت لأي عدو غير الإسلام لانتهى، وانمحى وجوده منذ زمن بعيد، ولكنه دين الله -عز وجل-، الذى اختاره لعباده، والذي تكفل بحفظه،  ونصره، وظهوره على الدين كله، ولو كره المشركون قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة :32-33 ]، وعن هذه الأنواع من الحرب الموجهة للإسلام السني، يقول المخذول زعيم المهزومين – بوش - في خطاب له بعد احداث 11 سبتمبر: "نحن نحارب في جهات مختلفة؛ عسكرية، واقتصادية، وسياسية، وفكرية،  ونحن واثقون بأننا سننتصر في كل جهة" ومثل

هذا التصريح قال به وزير الحرب الأمريكي آنذاك في حديث أدلى به إلى صحيفة الواشنطن بوست في 27/3/2006 قال فيه:

"نخوض حرب أفكار، مثلما نخوض حرباً عسكرية، ونؤمن إيماناً قوياً بأن أفكارنا لا مثيل لها" وأردف قائلاً:

"إن تلك الحرب تستهدف تغيير المدارك، وإن من المحتم الفوز فيها، وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها"

 

أولاً الحرب العسكرية:

وهي تلك الحرب التي شنتها أمريكا وحلفاؤها، وتشنها على بلدان المسلمين بذريعة محاربة الإرهاب، فاحتلت بعض بلدان المسلمين، ثم سلمتها لعملائها المنافقين من علمانيين ورافضة، كما حصل ذلك في حربها علي أفغانستان، وإسقاطها لحكومة طالبان، وما حصل في العراق وإسقاطها لحكومة صدام، بذريعة الأسلحة  ذات الدمار الشامل، وسلمتها لأعداء السنة من الرافضة الشيعة، ومكنت لهم في البلاد، وما يحصل اليوم في بلاد الشام وفلسطين واليمن وليبيا - التي يراد منها قطع الطريق على أهل الجهاد والسنة، ومنعهم من إقامة دولة إسلامية - ومساندة العلمانيين والشيعة والباطنين وتمكينهم من اقامة دولة الرفض والنفاق، التي توالي الغرب الكافر، وتعادى أهل الإسلام الحق، ولقد عانى المسلمون السنة من تلك الحروب المجرمة  - في تلك الديار كلها - من الإبادة بمختلف الأسلحة الفتاكة، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وسجن الكثير منهم،  وشرد الملاين من ديارهم، وكل ذلك يجري تحت سمع العالم وبصره، ويتحجج هؤلاء الغزاة  - بلا خوف ولا حياء -بأنهم قد أتوا لنشر الحرية والكرامة والديموقراطية، في تلك البلاد وتطهيرها من الفساد والإرهاب! ولهذا ابتهج المنافقون من رافضة وليبراليين بهذا الغزو، وبهذه الحروب على السنة وأهلها، وتعاونوا مع الغزاة في حربهم، ومكنوا لهم من دخول الديار المسلمة، وهذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان، قال الله -عز وجل-: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الحشر:11]، وقال سبحانه: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ * أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: 138-139].

 

وأسوق فيما يلي بعض صور المعاناة والآلام التي عاناها ويعانيها المسلمون السنة من الغزاة الكفرة، وأوليائهم المنافقين، وذلك فيما يقومون به في تلك البلدان من عدوان صارخ على كرامة الإنسان وحقوقه، في نفسه وماله وعقله وعرضه، فأين الكرامة والحرية التي يتذرع بها هؤلاء الكفرة الغزاة، في أنهم جاءوا لإحيائها ونشرها في بلدان المسلمين ؟!!

 
نشر موقع ( Thawra on lin) تقريراً بعنوان (عشرة أعوام على الغزو الأمريكي للعراق ... عقد مملوء بالفوضى والموت والنزوح والفقر دفنت شعارات أمريكا الكاذبة ) قال التقرير:

(أعطى القرار الأمريكي المشؤوم بغزو العراق متخطياً - بصلف - كل الشرائع السماوية والإنسانية، الضوء الأخضر،  لمرحلة عارمة بالفوضى، والموت،  والتشتت،  والتمزيق في هذا البلد، الذي شكل على الدوام نقطة ثقل لحضارة المنطقة واستقرارها، في المراحل الأولى لعقد مضى على هذا الغزو). كما كشفت الوثائق التي حصل عليها الموقع، والتي تجاوز عددها 400 ألف وثيقة، معلومات جديدة عن ضحايا لشركة (بلاك ووتر) من المدنيين، وعن تستر الجيش الأمريكي على التعذيب داخل السجون العراقية، بأمر من الإدارة الأمريكية، وأكدت الوثائق السرية أن القوات الأمريكية كانت تحتفظ بتوثيق للقتلى والجرحى العراقيين، برغم إنكارها علنياً لكل ذلك، حيث تم الكشف عن توثيق لـ 285 ألف ضحية عراقية، بينهم 109 آلاف قتيل على الأقل، وتعني هذه الأرقام بوضوح أن نسبة القتلى بسبب الحرب الأمريكية على العراق، يصل إلى أربعة أضعاف تلك التي سجلتها الحرب الأمريكية في أفغانستان،  وأن بقية الخسائر تصل إلى ستة أضعاف، في سياق المقارنة نفسها.

 

وأظهرت الوثائق أن قرابة 63% من القتلى هو من المدنيين، أي أنهم يشكلون ثلثي مجموع القتلى، وكشفت تحليلات الوثائق ارتفاع معدلات القتلى في العراق شهراً بعد شهر منذ اليوم الأول للغزو الأمريكي، وبحسب موقع إحصاء الضحايا  العراقيين، فإن عدد القتلى من المدنيين وصل إلى 110 آلاف قتيل، منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق، ولكن مع نشر وثائق (ويكيليكس) بات يتعين على المواقع رفع أرقامها بنسبة 50% إذ أن العدد الحقيقي وصل إلى 150 ألف مدني، دفعوا حياتهم جراء الغزو الأمريكي، حيث شكل المدنيون العراقيون فريسة سهلة على الدوام لكل مصادر النيران الأمريكية، علماً بأن الإدارة الأمريكية لم تكلف نفسها عناء الإحصاء الممنهج  للقتلى الذين سقطوا بنيران قواتها.


وفضحت الوثائق كذب الرواية الأمريكية المعلنة على صعيد الحواجز، ونقاط التفتيش، حيث تظهر عدداً كبيراً من العراقيين قضوا عند هذه النقاط،  أو بهجمات جوية أمريكية مباشرة، حيث اعتادت الطائرات الأمريكية استهداف ما تسميهم (مشتبهاً فيهم) على أنهم مقاتلون مناوئون لها، وكثيراً ما كانت النتائج مدمرة، ففي الفلوجة في التاسع من أيلول عام 2005م أكدت تقارير عدة، أن الولايات المتحدة أسقطت كميات ضخمة من الفسفور الأبيض على مدينة الفلوجة، خلال العدوان على المدينة في تشرين الثاني عام 2004م، الأمر الذي أسفر عن مقتل عدد كبير من أهالي الفلوجة، مع إصابتهم بحروق هائلة، كاشفةً أن هذه الهجمات تسببت بتدمير نحو ستين إلى سبعين بالمئة من المنازل والمباني بشكل كامل، وأسفرت عن سقوط الكثير من الضحايا، بينما أكدت إحصاءات طبية ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية لدى الأطفال المولودين حديثاً بنسبة 60% منذ عام 2003م مع توقعات بتزايد  هذه الظاهرة وتفاقمها.


وبلغ عدد النازحين أكثر من 2,8 مليون عراقي مازالوا مهجرين من ديارهم، ويعيشون في ظروف بائسة، هائمين على وجوههم في مشارق الأرض ومغاربها، متأبطين البؤس والمذلة والعوز على أعتاب سفارات أمم الدنيا، بينما عُلقت قصص المئات والآلاف من العراقيات اللواتي دفعهن الفقر والعوز للإنزلاق في المحظور على مناشير الإعلام الأصفر، وصرن عامل جذب لآلاف المتابعين والمتطفلين العابثين.


وفي 11/3/1424هـ الموافق 2/5/2004 م عرضت القنوات الإخبارية صوراً منقولة عن قناة CBC الأمريكية يظهر فيها تعذيب الأسرى العراقيين في (سجن أبو غريب) قرب بغداد، بلغت الغاية في الوحشية، والهمجية، والظلم، وامتهان الكرامة الإنسانية، والتعذيب الذي يؤدي إلى القتل، فظهر في الصورة جندي أمريكي يضع قدمه على المواطن العراقي السجين، وفي صورة اخرى يتبول الجندي الأمريكي على السجين، وسط استهزاء الجنود، وإظهار الاحتقار، وفي صورة ثالثة ظهر المعتقلون عراة، والمجندات يتحسسن بعض المواضع من أجسادهم، ويتندرون بهم، مما دعا الهيئات العالمية إلى استنكارها وشجبها وإظهار الاشمئزاز)([5])

 
هذه هي الكرامة والحرية ومحاربة الإرهاب، التي تدعيها أمريكا وحلفاؤها وأولياؤها من الحكومات العلمانية، والليبراليين المنافقين من بني جلدتنا، كهدف لها في غزوها للعراق وبلدان المسلمين !!

 
وها هي أمريكا اليوم تصول وتجول في سماء العراق، يساعدها التحالف الدولي، تضرب مناطق أهل السنة وأهلها، وتمهد الغطاء الجوي للحشود الشعبية الرافضة؛ لتستولي على أماكن وبلدان أهل السنة، كل ذلك بحجة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، فها هي الرمادي، والفلوجة، وتكريت، والقرمة، والموصل، وغيرها من أماكن تواجد أهل السنة، دمرت وأبيدت، فبم يفسر هذا من حملة الصليب وحلفائهم؟ إنه لا تفسير لذلك إلا أنها حرب صليبية باطنية، يقصد منها القضاء على أهل السنة، والتمكين للرافضة الجبناء الخونة، الذين أثبتوا عمالتهم لليهود والنصارى وخيانتهم لأمتهم.


وأما ما فعلته أمريكا - وتفعله الآن - بمعاونة حلفائها الكفرة في بلاد الأفغان، فلا يقل عما حصل في العراق من قتل وتدمير، وزادت عليه ما تقوم به منذ عدة سنوات من قتل  للمسلمين،  بطائراتها المقاتلة دون طيار، ويرى الصحفي البريطاني (روبرت فيك) تحت عنوان (إرهاب الحرب ضد الارهاب) أن الغرب بحضارته أصبح مجرم حرب، منذ قرار حرب أفغانستان، وتجييش الجيوش والتحالفات لها، قبل إعلان الأدلة والوثائق المدنية لهؤلاء أو هؤلاء)([6]) وهذا ما عبر عن معناه وزير العدل الأمريكي السابق (رمزي كلارك) في مقالة مع قناة الجزيرة القطرية، حيث وصف عمليات القصف الأمريكي على أفغانستان بأنها جرائم حرب بالتأكيد، وجرائم ضد الإنسانية وضد السلام(1)
 

ولا يخفى ما مارسته وتمارسه في سجون (جوانتنامو) من تعذيب، وإهدار لكرامة الإنسان وحقوقه. فسبحان الله العليم الحكيم العزيز الرحيم الحليم. وأخيراً هاهم الروس والباطنيون الرافضة في إيران والعراق ولبنان، بمشاركة ومباركة من أمريكا وأوليائها، يتحالفون الآن في حرب شرسة على أهل السنة المسلمين في سوريا، وبلاد الشام، لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، ويقاتلون رموز الجهاد والسنة، والغرب والشرق يؤيدهم علناً أو سراً، فسبحان الله –العظيم-، ما أحلمه وأحكمه وأرحمه. وهل بعد ذلك من شك في أنها حرب عالمية على أهل السنة؟ ونقلة إلى عدوان اليهود الفجرة على إخواننا السنة في فلسطين، بمساعدة ومباركة أمريكا الطاغية، ولاسيما ما يحصل في غزة، من حصار ظالم، وتدمير للبيوت على أهلها، وقتل للنساء والأطفال، ترينا حقد الكفرة على أهل السنة، وحرصهم على إبادتهم، وإفساد أديانهم وأموالهم وأعراضهم.

 
أما إذا جئنا إلى ما يدور في اليمن وليبيا، فسنجد نفس المخطط والأهداف الأمريكية، في حرب السنة وأهلها بارزة في أحداث هذين البلدين،  حيث تستميت أمريكا الطاغية في أن لا ينتصر أهل السنة، وأن لا يهزم الحوثيون الرافضة، ولا العلمانيين الموالين لها في ليبيا؛ لأنه بهزيمتهم يتمكن أهل السنة - أعداؤها - من حكم البلاد بشريعة الإسلام،  ولذلك فهي تسعى بطائراتها المسيرة في اغتيال رموز أهل السنة، وبتكليف بعض حكومات الخليج - كالإمارات - بتتبع رموز أهل السنة ودعاتها في اليمن، وتصفيتهم جسدياً بالاغتيالات، أو سجنهم وتغييبهم عن الساحة اليمنية وقيادتها. وقل مثل ذلك في دعم أمريكا للسيسي المجرم في مصر، وتأييدها لانقلابه على الإخوان المنتخبين، وتناست تبجحها ا بالديموقراطية، واحترام حرية الشعوب في اختيار من يحكمها، ودعمت وباركت أفعاله الإجرامية في قتله للمسالمين في رابعة العدوية والنهضة، وامتلاء السجون بخيرة رجالات مصر من الشباب والعلماء والقادة المخلصين، وأحكام الإعدامات الفظيعة.

 

 ألا ما أقذرهم من أمة، وما أحطها من دولة، وما أعظم نفاقها وإجرامها.

 

 إنها والله حرب عالمية لم يشهد مثلها في تاريخ المسلمين، اجتمعت فيها ملل الكفر، بقيادة دولة الكفر والطغيان أمريكا، وذلك سعياً منها لتنفيذ مشروعها الإجرامي القذر، في حربها للإسلام السني، وصدها عن سبيل الله -عز وجل-، ولكن: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) ويبقى في الحديث عن المحور العسكري في حرب أهل السنة، أن نتعرف على أهم الأهداف الخبيثة لهذه الحملة البائسة:

الهدف الأول: احتلال بلدان المسلمين، والتمكن من أدوات التوجيه في البلدان المحتلة، واستخدامها في إفساد عقائد وأخلاق المسلمين وأعراضهم، ونشر الرذيلة بينهم وبث الشقاق بينهم.

 

الهدف الثاني: مساومة أهل السنة من الدعاة والمجاهدين، ومحاولة احتوائهم تحت ضغوط حرب الإبادة، التي يشنونها ليحصلوا على تنازلات منهم في أمر دينهم.

 

الهدف الثالث: اضطهاد المسلمين السنة في البلدان التي احتلوها، بقتلهم وسجنهم وتشريدهم، واغتيال رموزهم ومرجعياتهم، من الدعاة والعلماء، وإضعاف التيار السني، وذلك لينفردوا بتغريب مجتمعات المسلمين، والقضاء على روح الجهاد لديهم، وإسقاط جدار الولاء والبراء، الذي يرفعه أهل السنة في وجوه الكفار، والذي طالما أزعجهم.

 

الهدف الرابع: الاستيلاء على خيرات المسلمين والتحكم في مقدراتهم واقتصادهم وثرواتهم.

 

الهدف الخامس: استخدام البلدان التي احتلوها في أن تكون مقراً لقواعدهم العسكرية والاستخباراتية لتوسيع نفوذهم.

الهدف السادس: التمكين لأوليائهم في تلك البلدان من المنافقين والعملاء من ليبراليين ورافضة وصوفية -من بني جلدتنا -وتسليمهم مقاليد الأمور في بلدانهم، ليتولوا حرب أهل السنة بأنفسهم، والسعي إلى تشويه عقيدتهم وتغيرها.

                                            

ثانياً الحرب الفكرية:

وهذا النوع من الحرب أشد خطراً من الحرب العسكرية بل إن الحرب العسكرية إنما هي أداة لتمكين الفكر الكفري والغربي في أمة الإسلام وتشويه للعقيدة الربانية التي يتبناها أهل السنة المسلمين. والحرب العسكرية تكون في العادة مؤقتة بتحقيق أهدافها أما الحرب الفكرية فهي مستمرة بين الحق والباطل إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. ويمكن بيان هذا النوع من الحرب في الفقرات التالية:

الفقرة الأولى: سبق ذكر بعض المقولات عن صناع القرار في الحكومة الأمريكية التي يؤكدون فيها على أهمية الحرب الفكرية على أهل السنة من المسلمين لتشويه عقائدهم وإقناعهم بالفكر الغربي أو ما يسمونه بالفكر الإسلامي المعتدل، وأن الحرب العسكرية لا تحقق لهم أهدافهم، مالم يصاحبها حرباً فكرية، وأعيد هنا قول أحد طواغيتهم، وزير الدفاع الأمريكي في حكومة بوش المهزوم، حيث يقول: "إن الحرب تستهدف تغيير المدارك وإن المحتم الفوز فيها وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها"([7])

 
وقد نص تقرير لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م على ذلك التوجيه، حيث جاء فيه: (إن العدو الرئيسي لأمريكا هو تيار إسلامي راديكالي متطرف، تعود مرجعيته إلى أفكار ابن تيمية وسيد قطب، ولا يوجد مجال للتصالح مع هذا التيار، ولابد من عزله وتصفيته تماماً، لكن لابد أولاً من منازلته في ميدان حرب الأفكار، من أجل كسب الغالبية المحايدة التي يمكن أن تتحول إلى متعاطفة معه).


وجاء في تقرير راند الشهير: (بناء شبكات اسلامية معتدلة) أن الولايات المتحدة اليوم تقود حربًا على الصعيدين الحربي والفكري، فهي تقود معركة بالأفكار، حيث لن تكون الغلبة على الجانب الآخر إلا بتشويه الأيديولوجيات المتطرفة في أعين معتنقيها ومؤيديها.

 

الفقرة الثانية: يوضح الأستاذ حسن الرشيدي في دراسة له بعنوان: (حملة للترويج لإسلام جديد) من إصدارات مجلة البيان في إصدارها الثاني من إصدارات (موسوعة التقريرالارتيادي) الفرق بين آلية الغزو الفكري الذي بدأ بعد الاستعمار في القرن الماضي، وبين آلية الحرب الفكرية الجديدة، فيقول: (فحروب الأفكار التي شنتها الغرب، عندما استتب له احتلاله لمناطق العالم الإسلامي، منذ أواخر القرن التاسع عشر، كانت حملة لفرض أفكاره وتوجيهاته، ولذلك أطلق عليها المفكرون المسلمون في هذه العصور (الغزو الفكري) وشرعوا في تسطير الادبيات في مواجهة الفكر الغربي، وبيان جذوره، وإظهار عواره وضرره على الأمة والانسانية .


كان ما اصطُلِح على تسميته الغزو الفكري موجهاً للأمة بعمومها، وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده، والوقوف في وجهه، حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه.

 
ولكن بمرور الوقت وتعاقب الأزمات ظهرت الصحوة الإسلامية، وتصدت لهذه المحاولات حتى أصبحت هذه الفئة العلمانية معزولة عن الجماهير، لا تستطيع التوغل في الأمة بأفكارها ومعتقداتها، وخاب ظن الغرب في شأن هذه الطائفة، بتراجع الاهتمام بمنطقة الشرق الاوسط عموماً، ولكن مع تجدد الاستراتيجيات التغريبية بذراعها الأمريكي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واصطدام الجيوش الغربية بالمقاومة الإسلامية في مناطق عديدة، بدأ التفكير من جديد في مرحلة أخرى من الغزو الفكري، أصبح يطلق عليها (حرب الأفكار). عبر عنها الكاتب الأمريكي (توماس فريدمان) الذي نشر مجموعة مقالات، حاول فيها شرح وتحليل مفهوم أو مقولة حرب الأفكار، حيث يرى أنها بصورة أساسية ينبغي أن تكون في داخل المجتمعات الإسلامية نفسها، وبإشراك المعتدلين في هذه المعركة، فهو يعتقد أن الأكثر أهمية هو إيجاد سبل لجعل المجتمعات التي يأتي منها هؤلاء الأصوليون، هي التي تردعهم أولاً، فهي - أي هذه المجتمعات - الوحيدة التي تعرف أناسها، وهي الوحيدة ايضاً - حسب تقدير فريدمان - القادرة على كبح متطرفيها،  ودعا الغرب لتبني أساليب وتكتيكات تساهم في تعزيز مكانة ونشاط هؤلاء المعتدلين)([8]) فالجديد في هذه الحملة أن الهدف الرئيسي لحرب الافكار الجديدة، هو تشويه معتقدات المسلمين في أعين معتنقيها، وتفريغ الإسلام من مضمونه وأصوله.

 
كما أن الجديد فيها أيضاً من خلال تقرير (راند) وكلام (فريدمان ) السابق؛ أن التركيز والاعتماد في تنفيذ هذه الحرب على ما يسميهم التقرير بالمعتدلين من المنتسبين إلى الإسلام، كدعاة الإسلام الديموقراطي والليبرالي والعصرانين، وعلى الصوفية والشيعة الرافضة، الذين يجتمعون على الخرافة والبدعة والشرك بالله -عز وجل- ، ويوصي تقرير (راند) بأن تدعم الإدارة الأمريكية هذه التيارات المعتدلة المناوئة للتيار السني السلفي، لكي تتصدى لهذه التيارات السنية الجهادية، وأطروحاتها، والتي يجب محاربتها، وإسقاطها، وتشويهها، والقضاء عليها، وفي هذا الاطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية والشيعية، ولولا التشيع ما كان التصوف، ويجب  دعم ونشر الفتاوى الشاذة، لتقف في مقابل النصوص الصحيحة التي ترتكز عليها الوهابية السلفية وتعظمها.

 

الفقرة الثالثة: المعتدلون في نظر أمريكا: ذكر التقرير الصادر من مؤسسة راند في ربيع الأول 1428 ماذا يقصد الأمريكيون بالمعتدلين الذين تحرص على دعمهم، وتوظيفهم في تشويه العقيدة الصافية عند المسلمين.

 

 وذكر هذا التقرير بعض الملامح الرئيسية التي يمكن من خلالها تحديد الاتجاهات الإسلامية المعتدلة ومن أهمها:
1-القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قيم الديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً على التعرف على المعتدلين، فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن بعضهم الآخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الإسلامية، خصوصا ً مبدأ (الشورى) ويرونه مرادفاً للديمقراطية. كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية.


2-القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة إلى أن أحد الفروق الرئيسية بين الإسلامين المتطرفين والمعتدلين، هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة، وتؤكد الدراسة أن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان.


3-احترام حقوق النساء والأقليات الدينية (حسب النظرية الأمريكية): وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء، والأقليات المختلفة دينياً، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها، نظراً لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبان عصر النبي محمد-صلى الله عليه وسلم-.

4-نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع (حسب النظرية الأمريكية): وتؤكد الدراسة هنا على أن الإسلامين المعتدلين يؤمنون - كما هو الحال في معظم الأديان - بفكرة (الحرب العادلة) ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف، ومتى يكون مشروعاً أو غير مشروع، إن من يقرأ هذه الملامح والصفات يدرك على الفور أن تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي لا يعبر إلا عن المصالح الأمريكية الهادفة إلى تحويل المسلمين بعي

 

(النصيحة وآدابها) خطب مختارة
غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم-(غزوة بني قريظة) خطب مختارة

أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :