مختصر خطبتي الحرمين 16 شعبان 1438هـ                 يونيسيف: ارتفاع وفيات تفشي الكوليرا في اليمن إلى 209                 سوريا.. قلق أممي إزاء ‘سلامة‘ 400 ألف شخص الرقة إثر                 العراق:‘العبادي‘ يعترف بتنفيذ مليشيات طائفية لعمليات خطف                 فلسطين ترحب بالموقف الأمريكي من حائط البراق في القدس                 واشنطن تعلن معارضتها لمشاركة البشير في قمة الرياض                 تحذير أممي من تزايد الهجمات ضد المسلمين بأفريقيا الوسطى                 الأحوازيون يرفضون الحل الأمريكي لقضيتهم                 تصاعد التوتر بين تركيا وألمانيا                 الكشف عن “رقم صادم” لعدد قطع السلاح في ليبيا                 أخبار منوعة:                 وقفات مع قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}                 متى نصر الله؟                 مفهوم التجديد لدى أهل السنة                 زوجتي                 البحارة                 الحكمة من النهي عن البيع في المسجد                 «الناس معادن»                 فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي والمسألة الأخلاقية                 ناصح بالنهار .. خصيم بالليل !                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(الصحبة السيئة ومضارها) خطب مختارة
(الصحبة الصالحة ومنافعها) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة الضاحكون على مشاعر المساكين اسم المدينة الرياض, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13577 اسم الجامع جامع الشيخ صالح الخالد
التصنيف الرئيسي الأخلاق المذمومة, الفئات الخاصة التصنيف الفرعي قضايا اجتماعية
تاريخ الخطبة 13/5/1438 هـ تاريخ النشر 15/5/1438 هـ
اسم الخطيب صالح بن مقبل العصيمي
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الضعفاء 2/ سوء معاملة ضعاف العقول في العصر الحديث 3/ تحريم السخرية من المسلم 4/ قبائح التعامل مع ضعاف العقول والسخرية بهم وتصويرهم 5/ الحث على حسن معاملة المسلمين.
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
هُنَاكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْنُونَ سَعَادَتَهُمْ عَلَى حسابِ السّخرِيَةِ بِغَيْرِهِمْ؛ فَيَدْعُونَ خَاصَّتَهُمْ لِلْحُضورِ إِلَى مَجْلِسٍ يَكُونُ فِيه رَجِلٌ قَدْ عُرِفَ بِنَوْعٍ مِنَ الضِّعْفِ الْعقلِيِّ، وَالْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَامَّةِ (بالصح)، وَإِنَّ شِئْتَ فَقُلِ الْبَراءَةَ؛ فَيَلْتَفُّ حَوْلَهُ ضُيُوفُهُمْ وأولادُهُمْ، صغارُهُمْ وَكبارُهُمْ، لِيَضْحَكُوا مِنْهُ، وَيُعْلِّقُوا عَلَيهِ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُ أَقْوَالًا، وَأفْعَالًا، وَتَصَرُّفَاتٍ تُضْحِكُهُمْ، لَكِنَّهَا تُسْخِطُ رَبَّهُمْ، قَالَ الْعَالِمُ بأفْعَالِهِمُ سُبْحَانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ)...

 

 

 

الْخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

 

أمَّا بَعْدُ.. فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ».

 

فَانظُرْ إِلَى مَنْهَجِ الْقُدْوَةِ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَيْفَ تَعَامَلَ مَعَهَا بِرحْمَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ، فَلَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا بِسَبَبِ نَقْصِ عَقْلِهَا، وَلَمْ يَغْضَبْ مِنْهَا، وَلَا مِنْ وَلِيِّهَا، الَّذِي لَمْ يَمْنَعْهَا مِنَ الْخُرُوجِ لِمُقَابَلَةِ الرَّسُولِ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَلْ وَخَاطَبَهَا بِطَيِّبِ الْقَوْلِ، بِقَوْلِهِ لَهَا: "يَا أُمَّ فُلَانٍ".

 

وَاسْتَجَابَ –بِأبِي هُوَ وَأُمِّي- لِطَلَبِهَا، بَلْ وَجَعَلَ لَهَا حُرِّيَّةِ اِخْتِيَارِ الزَّمَانِ والْمَكَانِ لِلْقَائِهِ، وَوَقَفَ مَعَهَا بِجَانِبِ الطَّرِيقِ، وَتَلَطَّفَ مَعَهَا بِالْكَلَامِ، وَاسْتَمَعَ لِشَكْوَاهَا؛ ثُمَّ حَقَّقَ لَهَا طَلَبَهَا.

 

وَحِينَمَا أُقَارِنُ تَعَامُلَ النَّبِيِّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَعَ مَنْ بِعَقْلِهِ نَقْصٌ، بِتَعَامُلِ السَّاخِرِينَ مَعَهُمْ؛ أَجِدُّ الْبَوْنَ شَاسِعًا، وَالْمَسَافَةَ بَعيدَةً. فَهُنَاكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْنُونَ سَعَادَتَهُمْ عَلَى حسابِ السّخرِيَةِ بِغَيْرِهِمْ؛ فَيَدْعُونَ خَاصَّتَهُمْ لِلْحُضورِ إِلَى مَجْلِسٍ يَكُونُ فِيه رَجِلٌ قَدْ عُرِفَ بِنَوْعٍ مِنَ الضِّعْفِ الْعقلِيِّ، وَالْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَامَّةِ (بالصح)، وَإِنَّ شِئْتَ فَقُلِ الْبَراءَةَ؛ فَيَلْتَفُّ حَوْلَهُ ضُيُوفُهُمْ وأولادُهُمْ، صغارُهُمْ وَكبارُهُمْ، لِيَضْحَكُوا مِنْهُ، وَيُعْلِّقُوا عَلَيهِ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُ أَقْوَالًا، وَأفْعَالًا، وَتَصَرُّفَاتٍ تُضْحِكُهُمْ، لَكِنَّهَا تُسْخِطُ رَبَّهُمْ، قَالَ الْعَالِمُ بأفْعَالِهِمُ سُبْحَانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) [الحجرات: 11].

 

وقَدْ يُعْطُونَهُ فِي نِهَايَةِ سَخَفِهِمُ الْمَذْمُومِ، غيْرِ الْمحمُودِ-بَعْضًا مِنَ الْمَالِ ثَمَنًا لِسُخْرِيَتِهِمْ بِهِ، بَلْ وَالأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً، يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ، (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104]؛ أَنَسُوا أَمْ تَنَاسُوا قَوْلَ الْحَقِّ جَلَّ فِي عُلَاهُ: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) [البقرة: 263]؟

 

بَلْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَحْتَسِبُ مَا يَدْفَعُهُ لَهُمْ ثَمَنًا لِسُخْرِيَتِهِ مِنْهُمْ مِنْ زَكَاتِهِ؛ فَجَعَلَهَا مُقَابِلَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ، فَيَدْفَعُ زَكَاتَهُ لِمَصْلَحِةٍ دُنْيَوِيَّةٍ تَحَقَّقَتْ لَهُ؛ فَرَجَا بِدِفْعِ زَكَاتِهِ الدُّنْيَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِنْ ذَلِكَ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 15- 16].

 

عِبَادَ اللَّهِ: هَلْ قَدَّمُ هَؤُلَاءِ السَّاخِرُونَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ أَوِ الزَّكاةَ إِلَى مَنْ يُسْخَرُونَ بِهِ قُرْبَةَ اللهِ، أَمْ مُقَابِلَ اللَّعِبِ بِمَشَاعِرِهِ، وَاِسْتِغْلاَلِ فَاقَتِهِ وَحاجَتِهِ، وَضِعْفِ عَقْلِهِ، وَفَهْمِهِ؛ لإِذْلَالِهِ وَسُخْرِيَتِهِمْ بِهِ؟! وَالَّتِي قَدْ تَكُونُ أَحْزَنَتْ قَلْبَهُ، وَإِنْ تَصَنَّعَ الْفَرَحَ عَلَى مُحَيَّاهُ، وَكَتَمَ فِي فُؤَادِهِ الْمَكْلُومِ حُزْنَهُ وَغَمَّهُ بِسَبَبِ إيذائِهِمْ لَهُ، وَلَعَلَّهُ إِذَا خَلَا بِرَبِّهِ دَعَا عَلَيْهِمْ؛ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَلِذَا تجِدُ فِئَةً لَيْسَتْ بِالْقَلِيلَةِ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ، يَشْعُرُونَ بِهُمُومٍ وَغُمُومٍ لَا يَعَرِّفُونَ لَهَا سَبَبًا؛ فَلَعَلَّ هَذِهِ مِنْ أَسَبَابهَا إِنْ كَانُوا مِنْ أَرْبَابهَا، وَمَا يَفْعَلُونَهُ يُعَدُّ ظُلْمًا بَيِّنًا؛ فَاسْتَعِيذُوا –عِبَادَ اللَّهِ  مِنَ الظُّلْمِ؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ، أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نَظْلِمَ، أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيَّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

 

واستعيذوا بِاللهِ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ؛ حَتَّى لَا تَكُونُوا ضَحَايَا لِهَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْعِيلَةَ وَالذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ" (رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ).

 

وَالْمُسْلِمُ الَّذِي يَخْشَى اللهَ حَقًّا؛ لَا يَجْعَلُ سَعَادَتَهُ عَلَى حِسَابِ مَشَاعِرِ غَيْرِهِ، لَا عَلَى الَّذِينَ فِي عُقُولِهِمْ شَيْءٌ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ، وَخَيْرُ الْهَدِيِ؛ هَدْيُ مَحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ السُّخْرِيَةَ بِالْمُسْلِمِ حَرَامٌ بِالإِجْمَاعِ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا، فَكَيْفَ بِالسُّخْرِيَةِ بِسَبَبِ نَقْصِ الْعَقْلِ، الَّذِي لَيْسَ لِصَاحِبِهِ دَوْرٌ فِيهِ؟ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً؛ وَيَلْحَقُ الإِثْمُ كُلَّ مَنْ حَضَرَ وَرَضِيَ، وَلَمْ يُنْكِرْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الإِنْكَارِ، أَمَا عَلِمَ هؤُلَاءِ أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ سُخْرِيَةٍ مَعْصِيَةٌ لَا يَرْضَاهَا خَالِقُ الأَنَامِ؟ وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَلَعَلَّ هَذَا الْمِسْكِينَ، الَّذِي يُرَفِّهُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِهِ، هُوَ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنْهُمْ.

 

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءَ يَجِبُ أَنْ يُعَامَلُوا بِالُّلطْفِ والإِحْسَانِ؛ فَلَعَلَّ النَّصْرَ يَأْتِي للأُمَّةِ وَالأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِهِمِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَتَذَكَّرْ- يَا مَنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ- أَنَّكَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدِيِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَيَسْأَلُكَ: لِمَاذَا أَهَنْتَ عَبْدِي هَذَا، وَأَذْلَلْتَهُ، وَاستَغَلَّيْتَ حَاجَتَهُ وَمَرَضَهُ؛ فَسَخِرْتَ بِهِ؟ قَالَ تَعَالَى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات: 24]، وَتَذَكَّرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) [المطففين: 4].

 

وَتَذَكَّرْ أَيُّهَا السَّاخِرُ بِغَيْرِكَ أَنَّكَ قَدْ تَكُونُ الْيَوْمَ السَّاخِرَ بِالضَّعِيفِ، وَغَدًا أَنْتَ، أَوِ اِبْنُكَ، أَوْ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ؛ مَوْضِعُ السُّخْرِيَةِ، مِنْهُ وَذُرِّيَّتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140]. فَمَنْ تُذِلُّهُ الْيَوْمَ قَدْ يُذِلُّكَ غَدًا، وَنِعْمَةُ اللهِ الَّتِي أَسْبَغَهَا عَلَيْكَ الْيَوْمَ؛ قَدْ يُحَوِّلُهَا عَنْكَ غَدًا؛ فَنَعُوذُ باللهِ مِنْ تَحَوِّلِ عَافِيَتِهِ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِهِ، وَجِمِيعِ سَخَطِهِ.

 

وَاسأَلْ نَفْسَكَ أَيَّهَا السَّاخِرُ سُؤَالًا: هَلْ تَرْضَى أَنْ يُصْنَعَ بِكَ، أَوْ بِوَلَدِكَ مَا تَصْنَعُهُ أَنْتَ بِهِ؟! بِالطَّبْعِ سَتَقُولَ: لَا؛ فَحِبَّ لَهُمْ إِذًا مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

فَطَالَمَا أَنَّكَ لَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَلَا لِوَلَدِكَ أَنْ يُسْخَرَ بِكُمَا؛ فَلِمَاذَا تَرْضَاهَا لِغَيْرِكَ؟! وَهَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ: هَلْ مَجْلِسُ السُّخْرِيَةِ هَذَا سَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدًا لَكَ أَمْ عَلَيْكَ؟ فَاخْتَرْ مَا تُرِيدُهُ لِنَفْسِكَ، قَالَ تَعَالَى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 8- 10].

 

عبادَ اللهِ، إنَّ المؤمنَ مَهْمَا كَانَ مُستوَاهُ العلْمِيُّ، والفِكْرِيُّ، والاجتِمَاعِيُّ؛ عَزِيزٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَظَلَّ عَزِيزًا؛ سوَاءَ أَكَانَ: غَنِيًّا أَمْ فَقِيرًا، شَرِيفًا أَمْ وَضِيعًا، عَرَبِيًّا أَمْ أَعْجَمِيًّا، فِي عَقْلِهِ نَقْصٌ أَمْ عَقْلُهُ سَلِيمٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8]؛ فَعَجَبًا واللهِ، مِمَّنْ أَذَلُّوا وَأَهَانُوا مَنْ كَرَّمَهُمُ اللهُ، وَفَضَّلَهُمْ، وَأَعَزَّهُمْ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا إِذَا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا، وَلَا تَأْخُذُنَا الْعِزَّةُ بالإِثْم، وَنَصْطَنِعُ الْحُجُجَ والْمُبَرِّرَاتِ لإِجَازَةِ هَذَا الصَّنِيعِ الْمُحَرَّمِ اِفْتِرَاءً عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116].

 

عِبَادَ اللَّهِ، هُنَاكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ، مَهْمَا نَصَحْتَهُمْ، وَبَيَّنَتْ لَهُمْ أَدِلَّةَ التَّحْرِيمِ؛ لَا يَنْتَصِحُونَ؛ لأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ؛ فَلَا خَوْفٌ مِنَ اللهِ يَزْجُرُهُمْ، وَلَا مِنْ سُوءِ عَاقِبَةٍ تَكُونُ مَصِيرَهُمْ، وَلَا خَوْفٌ مِنْ تَبَدُّلِ الأَدْوَارِ يَكُونُ مَآلَهَمْ.

 

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ إِذَا ذُكِّرَ بِاللِه ذَكَرَ، وَإِذَا زُجِرَ اِنْزَجَرَ، وَلَا أَشُكُّ لَحْظَةً بِأَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَشْيَةٌ للهِ سَيُقْلِعُ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، إِذَا كَانَ يَصْنَعُهَا، مَتّى مَا عَرَفَ الْحُكْمَ، وَبَانَ لَهُ الْحَقُّ، وَقَدْ أَثْنَى اللهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الرَّجَّاعِينَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].

 

فَاسْتَعِيذُوا –عِبَادَ اللهِ- مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَالْقَسْوَةِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالْعِيلَةَ وَالذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ" (رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ).

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَاِسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.   

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً.

 

عِبَادَ اللهِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِمَّا تَبُثُّهُ بَعْضُ الْقَنَوَاتِ، مِنْ خِلَالِ إِجْرَاءِ أَحَدِ مُذِيعِيهَا لِقَاءَاتٍ، مَعَ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ غَالِبَيَّتُهُمْ مِنَ الْبُسَطَاءِ، أَوِ الْمُغَفَّلِينَ، أَوِ الْمُحْتَاجِينَ.

 

فَيَتَعَمَّدُونَ تَسْرِيبَ مَعْلُومَاتٍ كَاذِبَةٍ لَهُمْ؛ ثُمَّ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ مَدَى مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا، مَعَ أَنَّهَا مَعْلُومَاتٌ لَا أَسَاسَ لَهَا مِنَ الصِّحَّةِ؛ لِيُغَرِّرَ بِهِمْ؛ فَيَدَّعِي هَؤُلَاءِ الضُّيُوفُ مَعْرِفَتَهَمُ بِهَا، وَهِيَ مَعْلُومَاتٌ وَهْمِيَّةٌ غَيرُ حَقِيقِيَّةٍ. أَوْ يُوجِّهُ لَهُمُ الْمُذِيعُ أَسْئِلَةً، وَيُعْطِيهِمْ عَلَيْهَا خِيَارَاتٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالإِجَابَةِ الصَّحِيحَةِ؛ مِنْ أَجْلِ إِحْرَاجِهِمْ، وَإِضْحَاكِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَرْضَوْنَ بِنَشْرِ هَذِهِ اللِّقَاءَاتِ، بَعْدَ الاِسْتِخْفَافِ بِهِمْ؛ إِمَّا مِنْ جَرَّاءِ الضَّغْطِ عَلَيْهِمْ وَإِحْرَاجِهِمْ، أَوْ بِسَبَبِ مَا يَدْفَعُونَهُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالٍ؛ بِسَبَبِ فَاقَتِهِمْ. وَغَالِبُ هَذِهِ اللِّقَاءَاتِ هَدَفُهَا السُّخْرِيَةُ بِالْمُسْلِمِ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ يَتَّقِي اللهَ أَنْ يَفْعَلَهَا، أَوْ يَرْضَاهَا، أَوْ يَفْرَحَ بِهَا؛ فَفِي الْحَدِيثِ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

 فَعَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا وَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ السُّخْرِيَةُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، وَلَا يُشَاهِدُهَا، وَلَا يُعِيدُ نَشْرَهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِحَ مَنْ نَشَرَهَا وَأَرْسَلَهَا لَهُ؛ بِأَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي نَفْسِهِ؛ فَقَدْ تَضْحَكُ الْيَوْمَ مِنْهُمْ، وَتُضْحِكُ عَلَيْهِمُ النَّاسَ؛ عِنْدَمَا تَتَعَمَّدُ إِرْسَالَهَا، ثُمَّ تَقِفُ بَيْنَ يَدِيِّ اللهِ فَيَسْأَلُكَ عَنْهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 4- 6]. فَاستَعِيذُوا –عِبَادَ اللهِ- مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَضِلَّ أَوْ نُضَلَّ، أَوْ نَظْلِمَ، أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا.

 

الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَأَقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

 

 اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، ونَسْتَعِيذُ بِكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

 

 سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ.

 

 

            

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :