مختصر خطبتي الحرمين 24 من رجب 1438هـ                 تحذير من تدهور إنساني خطير بغزة                 الجنائية الدولية تقبل دعوى ضد الأسد وبريطانيا ترحب بالعقوبات على نظامه                 الحوثيون يرفعون سعر البنزين والغاز في العاصمة صنعاء بشكل مفاجئ (السعر الجديد)                 مليشيات شيعية تنتقم من المزارعين السنة بالعراق                 السعودية تمول بناء مئات المساجد في بنغلاديش بقيمة مليار دولار                 الاحتلال الفارسي يعتقل عددًا من الدعاة السُّنّة في الأحواز                 مؤسسات تركية تطلق حملة واسعة لمواجهة خطر المجاعة بالصومال                 إحراق مسجد تاريخي في ميانمار وحصار من فيه من المسلمين                 الهند تسعى لإقرار قانون لحماية الأبقار لا حماية المسلمين                 أخبار منوعة:                 نموذج لاستعلاء المؤمن في مواجهة الفتن                 قصة الحوثيين                 تعالوا نتذاكر نعم الله علينا                 القوة الخفية لدى الإنسان                 ظهور الفرسان لا يكسرها السقوط ..                 من أي أنواع “الواتسابيين” أنت؟!                 صور التطرف الليبرالي...!                 هموم وضغوط الحياة                 مسلمون منسيون..فيتنام                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(النصيحة وآدابها) خطب مختارة
الأخلاق المذمومة (الفحش والبذاءة) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة وقفت هناك (غزوة مؤتة) اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13840 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي وسائل التربية, التاريخ الإسلامي التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة   تاريخ النشر 19/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ غزوة مؤتة سببها وأحداثها ومواقفها 2/ إهمال بعض المسلمين للتاريخ الإسلامي وجهلهم به 3/ بعض جوانب وصور القطيعة بين بعض المسلمين وبين التاريخ الإسلامي 4/ موقف بطولية وتاريخية لابن رواحة في غزوة مؤتة 5/ بعض أهداف النبي -صلى الله عليه وسلمَ- من غزوة مؤتة
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
لن يكون المقام كافياً ولا وافياً ولا شافياً لكي نستخلص دروساً وعبراً كما يجب وكما ينبغي من هذه الغزوة العظيمة، لكن أول أمر أشير إليه هو: القطيعة بيننا وبين تاريخ أمتنا وسيرة نبينا، قطيعة حسية مادية متمثلة في عدم العناية، وعدم التعليم، وعدم الإرشاد، وعدم الوقوف على هذه المواقع كما يجب، وقطيعة أخرى: معرفيةٌ علميةٌ ثقافيةٌ لا نطلع ولا نقرأ، ويعرف...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

معاشر المؤمنين: وصية الله -سبحانه وتعالى- لكم في كتابه المبين إلى قيام يوم الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

معاشر المسلمين: بين الصفحات التاريخية ومواقعها الحقيقية ينتقل المرء من ماضٍ قديم إلى واقع ملموس، وعندما تتجلى المواقع الحقيقية تعود الذاكرة إلى المواقف التاريخية، ويكون هنا موضع العبرة والعظة أبلغ، ولسان التدبر والتفكر أنطق، وأعود بكم اليوم إلى حدث عظيم جليل من أحداث سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ-، يوم بعث الحارث بن عمير الأسدي وأحسب أن اسم هذا الصحابي -رَضي الله عنه- ليس في ذاكرة ومعرفة جُل المسلمين، بعثه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- برسالة إلى ملك بصرى، من بلاد الشام إلى جهة الروم، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني وهو عامل لهرقل الروم على تخوم الشام في بلاد العرب، ونستطيع أن نقول هنا: إنه عامل عميل أجير، فعرض للحارث بن زيد قال: أنت من رسل محمد -صلى الله عليه وسلمَ-؟ قال: نعم، قال: أين مقصدك؟ قال كذا، فأخذه فأوثق رباطه، ثم صلبه وقتله، وكانت الرسل لا تقتل حتى في ذلك الزمن الجاهلي، فكان هذا الأمر بمثابة إنذار حرب، واعتداء صارخ على أمة مؤمنة عزيزة، فندب النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أصحابه ليخرجوا إلى عدوهم، وليؤدبوا ويرهبوا من يمس جنابهم، وليعلنوا عظمة إيمانهم وإسلامهم في تشريعاته وإنسانياته، ولكن كذلك في عزته وكرامته، فخرج المسلمون واجتمع نحو ثلاثة آلاف، ولم يكونوا يعلمون إذ ذاك ماذا سيكون توجيه المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ-، فخرج إليهم وقال: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ- فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -رَضِي اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: "إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ"، ثم وجههم أن يمضوا إلى حيث قتل الحارث بن عمير: ماذا يصنعون؟ قال: فادعوهم إلى الإسلام، وإلا فاستعينوا بالله على قتالهم.

 

وفي هذه الغزوة التي تسمى: غزوة عند أهل السير، رغم أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- لم يكن شاهداً فيها، لعظمة العدو وبعد الشقة، وهي المعركة الأولى التي كانت في خارج حدود الجزيرة العربية وإلى القوة أو إحدى القوتين العظميين في ذلك الزمان، وفي هذا المقام قال النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وصيته العظيمة التي تعد أعظم ما يزعم أنه ارتقت إليه الاتفاقيات الدولية في هذا الزمان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال: "اخرجوا بسم الله وقاتلوا في سبيل الله، عدو الله وعدوكم، إنكم ستدخلون الشام فستجدون رجالاً في الصوامع معتزلون، فلا تعرضوا لأحد منهم إلا بخير، وإنكم ستجدون آخرين للشياطين في رؤوسهم مفاحص فافلقوا هامهم بالسيف، ولا تقتلوا كبيراً ولا فانياً ولا صغيراً ضرعاً ولا تقتلوا امرأة، ولا تعزقن نخلاً"، كانت هذه هي الوصية العظيمة الإنسانية الراقية الحضارية من رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

ومضى النفر من أصحابه -عليه الصلاة والسلام- يحثون الخطى من المدينة إلى بلاد الشام، والمسيرة كانت شهراً وأكثر.

 

والعجب كل العجب أن الحادثة التي وقعت، والمسيرة التي انطلقت، بلغت الروم وحلفائهم وأذيالهم من العرب في شمال الجزيرة، فجيشوا الجيوش.

 

وذكر أهل السير هنا أرقاماً تستدعي الوقوف، قالوا: "إن الروم جمعوا نحو مائة ألف، واجتمع معهم من عرب الغساسنة والمناذرة وغيرهم من قبائل شمال الجزيرة نحو مائة ألف"، مائتي ألف أمام ثلاثة آلاف لو صحت هذه الأرقام فكل واحد أمامه سبعون.

 

وذكر بعض أهل السير: أنهم حشدوا جماً غفيراً من الجند ولم يذكروا عدداً، وبعض من اجتهد قال: "إنهم كانوا في أقل ما ذكر خمسة عشر ألفاً"، وهذا يدل على ثلاثة أضعاف.

 

هنا وقفة -أيها الإخوة- عندما بلغ الصحابة ذلك الموضع في معان من بلاد الشام الواقعة في الأردن اليوم، وسمعوا عن هذا الجمع الغفير المنتظر لقتالهم، استشار زيد أصحابه -رضوان الله عليهم-، فقال بعضهم: نكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- فإما أمدنا بجيش، وإما أمرنا بأمره فنمضي لأمره، وقال بعضهم: قد وطأت البلاد وأخفت أهلها، فانصرف فإنه لا يعدل العافية شيء، أي تحقق الغرض من إظهار القوة والهيبة، وقام هناك عبد الله بن رواحة -رَضي الله عنه-، وقال مقولة من أروع ما يقال، قال: "يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، خرجتم للجهاد تطلبون الشهادة في سبيل الله، فلماذا تقولون هذا؟ قال: وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة، فقالوا: صدق ابن رواحة، صدق ابن رواحة، وعقدوا عزمهم على أن يواجهوا أضعاف أضعاف عددهم -رضوان الله عليهم-".

 

وهنا أحسب أن كثيرين يعرفون بعض مجريات أحداث هذه الغزوة العظيمة، وأذكر هاهنا ببعض ما ورد من الألفاظ في كتب السيرة؛ لأنها تصف وصفاً دقيقاً للقائد الأول زيد بن حارثة -رَضي الله عنه-، قالوا: فقاتل قتال المستميت حتى مزقته الرماح، وعند الزهري: حتى شاط في رماح القوم، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، فقاتل ثم ترجل عن فرسه الشقراء وعقرها، وقاتل راجلاً حتى قطعت يمينه، فرفع الراية بيساره وقاتل حتى قطعت يساره، فحنى عليها بعضديه وقاتل، حتى أثخنته الجراح فخر شهيداً -رَضي الله عنه- وأرضاه، فحمل الراية في هذا الموقف العصيب عبد الله بن رواحة الذي كان له ذلك الموقف العظيم، ومع ذلك تردد لا خوفاً وإنما لمصلحة المسلمين، هذا الجمع الغفير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في معركة غير متكافئة يعلمون هم فيها مقياس الإيمان، ثم مضى -رَضي الله عنه- وكان يخاطب نفسه، ويحضها على أن تمضي لأمر الله -سبحانه وتعالى-، وقال في ذلك أبياتاً عظيمةً مسطرةً وهي مكتوبة اليوم على قبره، كما قالها ونطق بها قبل استشهاده -رَضي الله عنه- وأرضاه، ثم سقطت الراية فانتشلها قبل سقوطها ثابت بن أرقم أحد الصحابة -رضوان الله عليهم-، ثم قال: "إليّ أيها الناس، إليّ أيها الناس"، فاجتمعوا قال: "فاختاروا من بينكم من يحمل رايتكم"، قالوا: أنت لها، قال: "لا"، فاجتمعوا من لحظتهم بلا اختلاف ولا افتراق ولا اضطراب على سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رَضي الله عنه-، فحمل الراية وصنع صنعاً عجيباً قلّ أن يكون مثله في تاريخ العسكرية الإنسانية كلها، فكان لأول أمره يرى أن الانسحاب العسكري الحكيم هو النصر المبين في هذه المعركة، لكنه كان يريد إحكام الأمر لأن الساحة فارغة والأرض ممتدة، ولو كان الانسحاب في صورة هروب لكان من وراء ذلك هزيمة ماحقة ومقتلة عظيمة، واقتتل الناس حتى أظلمت الدنيا، فلما جاء اليوم التالي أحكم ابن الوليد -رَضي الله عنه- خطته، فغيّر المقدمة مكان المؤخرة، والميمنة مكان الميسرة، وغيّر الوجوه في المواجهة، وكان المشركون الكفار قد رأوا من قتال المسلمين وبسالتهم أمراً عجيباً، فلما جاء اليوم الذي يليه وكروا عليهم كان الأمر مدهشاً، وخشيت الروم أن يكون قد جاءهم مدد، وأنه بلا مدد ما كنا نستطيع أن نواجههم مع قلتهم فكيف بمددهم، وهنا تغير وجه المعركة وكان نوع من الانسحاب بين الطرفين إلى مدى لا تبلغه النبال كما ذكرت بعض المعارك، فكان الانسحاب التكتيكي الذي لم يستطع ولم يفكر الأعداء أن يلحقوا فيه بالمسلمين، ورجع الصحابة -رضوان الله عليهم- وقبل رجوعهم قص النبي -صلى الله عليه وسلمَ- ما جرى في المعركة، بوحي الله الذي أوحاه له، وفي بعض الروايات أنه قد جُلي له ساحة المعركة يراها كما كان في شأن بيت المقدس وزيارته وصلاته فيه، فقال ووصف المعركة وقال: "مضى زيد واستشهد ومضى جعفر ومضى كذا، ثم قال فحمل الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه"، فسم النبي ذلك فتحاً.

 

ما سأقف عنده هنا أمر هو أعجب ما يمكن أن ينظر إليه في هذه الغزوة، وهو عدد الشهداء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، كم من المفترض أن يستشهد من ثلاثة آلاف واجهوا على أقل تقدير ضعفهم أو ضعفيهم؟ ما أحسب أن أحداً يعرف هذا العدد أو يتصور هذا العدد، وقد سألت في مرارٍ كثيرةٍ أناساً لا يذكر أحدهم قريباً من هذا العدد، إن العدد المذكور في كتاب السير بالأسماء المرقومة اثنا عشر رجلاً، أي عجبٍ هذا! والعجب أيضاً أن ربع هذا العدد هم القادة، في مقدمة الصفوف وليس في مؤخرتها، في ميادين القتال وليس في غيرها، والعجب من هذا أيضاً أن هؤلاء القادة كان قتالهم واستشهادهم نموذجاً فريداً، فقد أُثر أن جعفر بن أبي طالب كان فيه خمسون مابين ضربة وطعنة ليس فيها واحدة في ظهره، وتخيلوا مساحة الجسد الأمامي كيف سيكون فيه خمسين موضعٍ لضربة وطعنة، وجعفر الطيار كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بعد موته بقطع يده اليمنى ثم اليسرى، ماذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن لَهُ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ"، ولذا سمي بجعفر الطيار -رَضي الله عنه وأرضاه-، وابن رواحة ما ابن رواحة، له في هذه الغزوة مواقف شتى ليس ذلك الموقف بل هي كثيرة يضيق المقام عن حصرها.

 

ما الذي يدعوني إلى حديث اليوم أني وقفت هناك، ووقفت على قبر الحارث وقبر جعفر وقبر ابن رواحة وقبر زيد وساحة المعركة، وينظر المرء فيرى بوناً شاسعاً بين عزة وكرامة، وبين قوة وبسالة، وبين يقين وإيمان، وبين قيادة فذة، وأتباع أقوياء وبين صورة عظيمة في الأخلاق والبسالة والفروسية لأولئك النفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وسأزيدكم ما يتوافق أيضاً، فإن هذه الغزوة بقدر الله هي في العام الثامن من الهجرة في شهر جمادى الأولى الذي نستقبله غداً، فموافقة التاريخ كذلك قريبة، ثم أنظر إلى بعض الوجوه التي تحز في النفس حتى نعيد الكرة باستنباط الدروس، يكاد المرء لا يستطيع أن يصل إلى موقع المعركة المعروف المعين المحدد؛ لأنه لا أحد معتنٍ بذلك ولا مهتمٍ به، ولا يوجد سوى لوحة واحدة عند الموقع وهي باهتة غير واضحة المعالم، ولا يوجد تعريف ولا كلام مكتوب ولا سيرة مذكورة في موقع المعركة، بعض ذلك موجود في موقع مقابر الشهداء؛ لأنها كانت بعيدة عن ساحة المعركة إثر ذلك الانسحاب والبعد عن ساحة المعركة في وقت القتال، والعجب أيضاً أن لا أحد يلتفت، وأن كثيراً من الغادين والرائحين كأنهم لا يعرفون شيئاً عن الموقع، ولا عن الموقعة ولا عن هذا التاريخ، وهذا الذي يدلنا على أننا بحاجة أن نعيش الموقع بذاكرة التاريخ، وأن ننقل ذاكرة التاريخ إلى الموقع، لعل ذلك يحيي في قلوبنا وعقولنا ما ينبغي أن يكون من دروس وعبر ومن انتفاع وتأثر، بتلك العزة والكرامة والقوة والشجاعة والوحدة والقيادة، وكل ما لا يمكن أن يحصى من دروس في مثل هذه الغزوة وغيرها.

 

ولذا أقول -معاشر المؤمنين- أعظم ما نحن مقصرون فيه أننا لا نعطي سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ- حقها، في قراءة كل تفاصيلها وفي العيش مع جميع أحداثها، وفي التذكر مع التاريخ وغير التاريخ لوقائعها، والاستنباط من دروسها، سألت كثيراً وسأسأل ولو سألتم أنفسكم اليوم، لوجدتم أن أكثر هذه المعلومات لا يعرفها إلا القليل، وأبناؤنا وأجيالنا لا يتربون عليها، وللأسف أنهم ينتظرون ويشغلون بالإعلام الذي يقول لهم إن المسابقة فيمن يفوز فيكون المغني الأول أو يكون الراقص الأول أو يكون كذا، أو اللاعب الأول، حتى قلت مرة حصر المجد في رمية نغم وفي ركلة قدم وفي هزة وسط، أو غير ذلك، كل ذلك يدلنا على أن هناك مفارقة ما لم نلتفت إليها بأنفسنا وفي أجيالنا وفي بيوتنا وفي مناهج تعليمنا وفي وسائل إعلامنا فإننا سنبقى مغيبين، وأنا أريد أن أتحدث في هذا الأمر، كنت بالأمس في زيارة ورأيت نخبة من أبنائنا وزملائنا عندهم علم وعندهم عمل، لكن اهتماماتهم بعيدة كل البعد عما يجري لأمتهم وعما ينبغي أن يعيدوا فيه صياغة رؤيتهم، وتغيير نفسيتهم وإعادة تربيتهم وتربية أبنائهم، ذلك ما ينبغي أن ننتبه له.

 

وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعين أمتنا، ويعيد إليها مجدها، ويعيننا على استعادة صفحات تاريخ أمتنا، وسيرة نبينا -صلى الله عليه وسلمَ-، بالاتعاظ والعبرة والاقتداء والأسوة، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

                        

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من نابع التقوى الوقوف على سير الأعلام من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، وأعلام أمتنا في سائر مراحل تاريخها فإنها تزيد الإيمان، وتعظم اليقين، وتعلي الهمة، وتقوي من عزائم الحق التي نحن في أمس الحاجة إليها، لن يكون المقام كافياً ولا وافياً ولا شافياً لكي نستخلص دروساً وعبراً كما يجب وكما ينبغي من هذه الغزوة العظيمة، لكن أول أمر أشير إليه هو: القطيعة بيننا وبين تاريخ أمتنا وسيرة نبينا، قطيعة حسية مادية متمثلة في عدم العناية وعدم التعليم وعدم الإرشاد وعدم الوقوف على هذه المواقع كما يجب، وقطيعة أخرى معرفيةٌ علميةٌ ثقافيةٌ لا نطلع ولا نقرأ، ويعرف أبناؤنا -كما قلت من قبل- عن لاعبي الكرة وممثلي السينما أو غيرها ما لا يعرفون عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وأعلام الأمة والأئمة -رضوان الله عليهم ورحمهم الله جميعاً-.

 

والقطيعة الثالثة وهي خلاصة لتلك القطيعتين: قطيعة الأسوة والاقتداء، اليوم هذا الحدث من رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- لمجرد قتل رجل واحد كان سفيراً ومبعوثاً لرسول الله -عليه الصلاة والسلام- جيّش الجيوش، لتكون الأمة مربوبة، وجنابها محفوظ، ولتعلى راية الإسلام، ولتعلو كلمته، وهذا الذي جرى في تلك الغزوة كان مقدمة لما بعدها، بقيادة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ- في غزوة تبوك، وما بعد ذلك بقيادة أسامة بن زيد الذي عقد له الراية والولاية رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، ثم جاء بعد ذلك في عهد أبي بكر الصديق يوم انتشرت جيوش المسلمين في بلاد فارس والروم، حتى ما قضى أبو بكر -رَضي الله عنه- إلا والبلاد قد فتحت، والممالك قد هوت وتساقطت، وعلت راية الإسلام بالحق والعدل، وبالإنسانية والحضارة، فأين نحن من هذا كله؟ وأين نحن من قطيعة كما قلت واقعية ومعرفية وعملية، إن لم نردم هذه الفجوة، إن لم نسعَ إلى سد هذه الثلمة، فنحن سنظل بعيدين عما يجب أن نكون عليه، على أقل تقدير في التنشئة والتربية والعلم والمعرفة، حتى يأذن الله –عز وجل- أن نكون كذلك في الواقع العملي، وقد يقول قائل، هل الإسلام معركة وغزوة وقتال؟ أقول ليس كذلك والشاهد ما تعلمون، وما هو معلوم لأن المعارك كلها التي خاضها المسلمون، من دخلوا في الإسلام هم عشرات أضعافها؛ لأن الإسلام إنما جاء ليزيح الطغاة الظلمة، الذين تسلطوا على العباد ومنعوهم أن يعرفوا الحق وأن يختاروا، أما الإسلام فلا إكراه في الدين، ذلك شعاره وذلك تطبيقه العملي، وتلك حضارته التي تجعل أولئك المتفرغين في صوامعهم دون أن يمسوا بسوء، كما وجه بذلك رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

كلنا يعرف هذا، ولكنني أزيد أيضاً -أيها الإخوة- معلماً عظيماً مهماً في هذا الشأن وهي: أن أمة الإسلام أمة ولود، لا ينقطع فيها الأعلام والقادة والعظام في كل زمنها وتاريخها حتى يومنا هذا، وانظروا إلى هذه المعركة كيف سمى النبي لأول مرة  ولا مرة غيرها، ثلاثة من القواد، ومع ذلك قدر الله أن يستشهدوا جميعاً، فتجتمع الأمة من فورها على قائد ويكون قائداً مظفراً حكيماً، شجاعاً خبيراً، إذاً الإسلام باقٍ وهذا يقيننا، وأمة الإسلام باقية، وعلوها على غيرها ظاهر، ولا يفت في عضدنا ما نراه من الأحوال التي هي من علائم ضعفنا، لكنها أيضاً من مؤشرات قدر الله في يقظتنا التي ينبغي أن تكون قوية وعميقة، وينبغي أن تكون متسارعة وجادة حتى نقوم بواجبنا على الوجه المطلوب الذي ننشده، وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في صحيح مسلم: "لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" أي أنه باقٍ ما بقيت الدنيا، كلها وباقٍ فيه استمساك أهله به، وطائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعصابة تقاتل عليه وتدافع عنه في كل زمان ومكان حتى يأتي أمر الله –عز وجل-، وتعلو راية الإسلام بإذنه -سبحانه وتعالى-، وهذا ما ينبغي أن نتبه له.

 

وأعجبني موقف تكرر أكثر من مرة لابن رواحة في هذه الغزوة، ذكرت موقفين منهما، كله ما كان فيها أولاً خطاب مع نفسه، خاطب نفسه عند الخروج موقف لم أذكره لكم، عند الخروج بكى في البداية مع النبي عليه الصلاة والسلام بكى ابن رواحة، قالوا: ما يبكيك يا عبد الله؟ قال: أما أني ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يقرأ: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً) [مريم: 71]، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود، يعني إذا وردت النار هل أصدر وأكون من الناجين، فبكى -رَضي الله عنه-؛ لأن هذا حديث النفس، ثم لما جاء موقف القتال، والناس يبدون الآراء حدّث نفسه بشوقه إلى الجهاد، فقال لهم مقولته الشهيرة، وروى بعض من كان معه من مرافقيه، أنه صلى بالليل وهو في طريق السفر، فكان يدعو بأن يكون من الشهداء، فقال له ذاك وما هذا؟ فوكزه وقال: يالكع، إنها الشهادة، ثم لما جاء موقع القيادة خاطب نفسه مرة أخرى، وحثها من جديد، هذا يدلنا على أن النفس تحتاج إلى المراجعة وإلى الإكراه على الحق، وإلى التشجيع على المواقف العظيمة، وإلى تهييجها إلى ما عند الله -سبحانه وتعالى- من الأجر والمثوبة، وأن ذلك يمكن أن يكون بمخاطبة ذاتية، وحتى بمخاطبة صوتية مسموعة، يحث فيها المرء نفسه، كم نخلو بأنفسنا لنجد هذا الوقت، كم نصنع مثل هذا في يومنا وليلتنا، الله أعلم بحالنا.

 

وأخيراً: وليس آخراً كان من أهداف المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ- في هذه الغزوة على وجه الخصوص، وما بعدها على وجه العموم: أنه يريد أن يجعل لأمة الإسلام هيبة يخشاها عدوها، وسمعة بأن لا يفكر أحد في النيل من هذه الأمة، ولذا انتصر لهذا الحارث بن عمير -رَضي الله عنه-، ولرسوله وممثله عليه الصلاة والسلام، ولذا سير من بعد غزوة تبوك، ولذا مضى من بعد إلى ما قلنا إليه من الأحداث، حتى علمت الدنيا كلها بأن هناك أمة عظيمة تُخشى وتُهاب، وأنها أمة إيمان وأمة كتاب، وأنها أمة متصلة بالله -سبحانه وتعالى-، ولذلك هذا الدرس الأعظم هو الذي أخبرنا به النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، وبين لنا فيه الداء المخيف الذي ينبغي أن ننتبه له ونبرأ منه، وهو: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا"، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ"، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".

 

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا بكتابه العظيم وبهدي رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلمَ-، وأن ينفعنا بسير أصحابه وأعلام أمتنا، أن يزيد بها، إيماننا ويعظم بها يقيننا، ويرفع بها همتنا، ويقو بها صفنا، ويعيينا بها على نوائب الحق والخير.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :