مختصر خطبتي الحرمين 21 رمضان 1438هـ                 فصائل سورية تكشف عن خسائر ميليشيا إيران في بادية الشام                 «ليلة 27 رمضان» في «المسجد الأقصى»: حشود فلسطينية واستفزاز صهيوني                 العراق: نزوح 700 ألف مدني من الجانب الغربي للموصل                 «التحالف اليمني لحقوق الإنسان» يدعو الأمم المتحدة لدعمه ضد انتهاكات الانقلابيين                 السودان يدين عملية استهداف المسلمين في لندن                 مجلس النواب يرحب بتعيين غسان سلامة مبعوثًا أمميًا جديدًا في ليبيا                 إيران تدفن 8 من عناصر الحرس الثوري قضوا في سوريا                 35 شاحنة مساعدات تركية للمحتاجين في سوريا                 أخبار منوعة:                 رمضان والممانعة الخُلقية،،،!                 وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ                 علامات الترقيم وخدمتها للنصّ العربي                 آمال وأماني                 رمضان والانبعاث الحضاري للأمة                 مصادر ومصائر الوعي                 غرقى في بحر السِّجال                 اطرق باب الدعاء                 الشمس لا شعاع لها                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




الأخلاق المذمومة (سوء الظن) خطب مختارة
(الصائمون بين الصوم عن المفطرات والصوم عن المحرمات) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة القوة العظمى اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13844 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي الفكر والثقافة, التاريخ الإسلامي التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة   تاريخ النشر 20/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ المقصود بالقوة العظمى 2/ إشارات حول قوة الإسلام عبر التاريخ 3/ بعض التهم الموجه للإسلام وتفنيد الدراسات الغربية لها 4/ مكامن القوة في الإسلام 5/ سرعة انتشار الإسلام في الغرب وبعض الدراسات والإحصائيات في ذلك 6/ بعض ما يجب على المسلمين القيام به تجاه الإسلام
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
تشريعات الإسلام نافعة للفرد وللمجتمع، وللاقتصاد وللصحة، ولكل الجوانب، كل شواهد العلم اليوم تقول لنا: إن حكمة الإسلام في تحريم الخمر صحة وأمن، وإن حكمة الإسلام في تحريم الزنا، صحة وسلامة وقوة وترابط، وشريعة الإسلام في تحريم الربا حفظ للمال، ومنع للانهيار، ومنع للتسلط دون أن...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

معاشر المؤمنين: وصية الله -سبحانه وتعالى- لكم في كتابه المبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

إخوة الإسلام والإيمان: حديث القاصي والداني، والكبير والصغير؛ خلال الأيام القليلة الماضية كان يدور عن القوى العظمى، وما أحدثته وتحدثه من بلبلة في العالم بقرارات وتصورات وتصريحات، كان محورها في آخر الأمر يرجع إلى قوة عظمى حقيقية، ليست بذات أقمار صناعية، ولا طائرات حربية، ولا أسلحة جرثومية، ولا غير ذلك، قوة حققت عبر التاريخ وما زالت تحقق حتى اليوم انتصارات مذهلة، انتصارات عجيبة، قوة تنتصر بالحجة والعقل، قوة تنتصر بالمودة والحب، قوة تنتصر بالقدوة والسلوك، قوة تنتصر بذاتها دون قوى ضاغطة أخرى، هذه هي القوة العظمى الحقيقية التي نستطيع أن نتصفح الكثير والكثير من صفحات نصرها شرقاً وغرباً، في كل مراحل التاريخ الممتد عبر تلك العصور والقرون المتعاقبة؛ إنها قوة الإسلام.

 

الإسلام لو أردنا أن ننظر إلى ومضات لقوته الحقيقية في بدئه وعند بعثة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ-، فإننا سنجد الكثير والكثير إن صناديد قريش كثير منهم ما خضع للسيف، ولا أسلم في المعارك، لكننا في ومضة واحدة سنرى أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قدم إلى مكة وصد عنها في الحديبية في ذي القعدة من العام السادس للهجرة، وعاد بعمرة القضاء في العام السابع، وكان عدد الذين كانوا معه يوم الحديبية أربعة عشر مائة أي ألف وأربعمائة، وفي رمضان من العام الثامن كان فتح مكة، وكان مع النبي -صلى الله عليه وسلمَ- عشرة آلاف، منهم صناديد من صناديد قريش، وقادة عظام صاروا في جيش الإسلام كخالد بن الوليد وغيره، ثم لم يلبث النبي -صلى الله عليه وسلمَ- سوى عامين، وحج حجة الوداع وكان معه مائة ألف من الصحابة الذي أسلموا -رضوان الله عليهم-، ذلك هو الانتصار الحق، الذي جندل به الإسلام وآياته وهدي رسوله -صلى الله عليه وسلمَ-، أصنام الجاهلية في قلوب وعقول أربابها وأتباعها، قبل أن يحطمها النبي -صلى الله عليه وسلمَ- صنماً صنماً ويتلو: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) [الإسراء: 81] اليوم الإسلام ينتصر، كلكم يسمع أن الدولة العظمى التي يسمونها موعودة اليوم بأن تشهد مطاراتها وطائراتها من ساحاتها العديدة، صلاة جمعة مذهلة فريدة، وإن كانت تتكرر في كل جمعة، وتظهر عظمة هذا الدين شيئاً فشيئاً، وهي تقتنص وتأخذ من كل الديانات ولا يأخذ منها أحد.

 

لنقف وقفات يسيرة، التهمة الأعظم والأكبر التي يوجهونها للإسلام اليوم ويشعلون نار الإعلام لتذكيها: الإرهاب، وتقول دراساتهم الرسمية وإحصاءاتهم الأمنية على مستوى أمريكا 96% من الجرائم ليس للمسلمين بها صلة، والنسبة الباقية الحقيقي منها 1% ، ومثل ذلك في أوروبا 94%، على مدى سنوات، ثم ماذا؟ استمعوا اليوم إلى من يتحدثون من غير المسلمين ليقولوا إننا مما يلفت نظرنا في هذا الدين أنه يكرس السلام فهو إسلام وتحيته السلام، ويعطي للناس الأمن والأمان، ويعيشون في جوار المسلمين في تلك الديار، فلا يرون إلا مثل هذا السمت الذي هو أصلاً فطرة، وهو كذلك روح من روح هذا الإسلام؟

 

أمر ثانٍ يذكرونه دائماً، وكل ما سأذكره أقول لكم باختصار وابحثوا ما شئتم أن تبحثوا ستجدون: أن تصديقه بألسنة غير المسلمين وبألسنة الباحثين والمتخصصين، ربما ممن كانت لهم عداوات ولا تزال للإسلام والمسلمين أكثر، وللأسف الشديد كما سأذكر أن الذي يحوم حول الحمى ويتراجع فيما يتعلق بإسلامنا العظيم وقوتنا العظمى هم بعض قلة يسيرة لا قيمة لها من أبناء المسلمين والمنتسبين للإسلام.

 

النقطة الثانية: الإسلام دين يظلم المرأة ويستعبدها ويجيز ضربها ويفعل.. ويفعل.. ويفعل..، واليوم نجد أن الداخلين في الإسلام نسبهم للنساء أكثر وأعظم من الرجال، ونجد أن الداخلات في الإسلام يقلن إنهن هربن من جحيم إلى نعيم، ومن نار إلى جنة، ومن اضطراب وفتن إلى راحة وسكينة، ومن عفن ودنس إلى طهارة وعفة، وهذه شهادات ليست بقليلة بل كثيرة، وليست في رقعة بل في كل البقاع، وليست من مستوى واحد، بل من كل المستويات، وعلى هذا خذ، رجال الدين الذين يسمونهم القساوسة والرهبان، كثير منهم هم الذين يدخلون في الإسلام، وهذا لاشك أنهم يعتبر في معارك النصر الحقيقية أعظم شيء، لأنك تأتي إلى القمة وتستطيع بلا سلاح بلا إرهاب بلا أي ضغط من الضغوط، أن تسبي قلوبها وعقولها إلى الحق الذي أراد الله -سبحانه وتعالى- له أن يشع نوره كما سنذكر، وهذا أيضاً فيه قصص كثيرة، وفيه أخبار مثيرة، ومن أراد أن يبحث فسيجد مئات من هؤلاء تحولوا ليكونوا أعلاماً في الدعوة إلى الإسلام والذب عنه، ولو رأينا لرأينا هناك الكثير والكثير من هذه السمات، والسؤال الذي ربما يطرح نفسه: هل هذا نتيجة للعلماء الذين يبينون الإسلام والدعاة الذين يجوبون البلاد ويذكرون العباد؟ ما السر؟

 

الحقيقة أننا يمكن أن نشير إلى ومضات مهمة نرى فيها القوة العظمى ومكامنها:

 

أولها: فطرية الإسلام، دين فطرة، كل من لم تتلوث فطرته بانحراف وتسفل عن الإنسانية، فإنه يهتدي بالفطرة إلى هذا الإسلام: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: 30]، والنبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال كما في الصحيح: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"، وإلا فسيبقى على الفطرة التي هي الإسلام، وقول الحق -جل وعلا-: (نُّورٌ عَلَى نُورٍ) [النور: 35] قالوا: نور الفطرة يزيده نور الإيمان اشتعالاً وضياءً، ولذلك كل ذي عقل وكل ذي فطرة يهتدي لهذا الدين، ومن ثم فإنه يستطيع بقوته الذاتية الفطرية التي جعلها الله -عز وجل- في فطرة الخلق، فالخلق يؤمنون بأن للكون خالقاً؛ لأن الله يقول: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: 35] والجواب: لا هذا ولا ذاك، فيبقى أن هناك خالقاً، والفكرة تقول: إن الخالق القادر لابد أن يكون واحداً، والله -سبحانه وتعالى- يخبرنا بذلك أيضاً ويقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22] لا يمكن أن يكون هناك تثنية، والعقل والحجة تقول إنه لا يمكن أن يكون غير ذلك، الواحد لا يمكن أن يكون ثلاثة، فكل أدلة العقل قائمة بالحجة والبرهان في القرآن وفي شواهد الكون، في آيات الكون المنظورة وفي آيات القرآن المسطورة المقروءة، كلها تشهد بأن العقل السليم الراشد يستدل على وحدانية الله -عز وجل-، ويعلم يقيناً بعد بحثه أن الإسلام هو الدين الحق؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أراد للبشرية خيراً وسنرى أيضاً ومضات أخرى عظيمة، ومنها كذلك أن الله -سبحانه وتعالى- هو الكامل جل وعلا: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: 255]، (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180]، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، وبالتالي كل ما يقال من هرطقات هي تحريف لذلك الوحي السماوي في كل الكتب التي حرفت، يدل العقل على أنه لا دين حقاً في هذا القول، الدين الذين يسفه الأنبياء، ويلصق بهم التهم الأراذل والسفلاء، لا يمكن بحال أن يكون حقاً، ولذا تجد من أسلم من أولئك القوم من قساوستهم ورهبانهم يفندون ذلك تفنيداً عجيبا.

 

ثم ننظر أيضاً إلى جانب ثالث غير فطرية الإسلام وغير منطقية، وهي: منفعته، فتشريعات الإسلام نافعة للفرد وللمجتمع، وللاقتصاد وللصحة ولكل الجوانب، كل شواهد العلم اليوم تقول لنا إن حكمة الإسلام في تحريم الخمر صحة وأمن، وإن حكمة الإسلام في تحريم الزنا، صحة وسلامة وقوة وترابط، وشريعة الإسلام في تحريم الربا حفظ للمال ومنع للانهيار ومنع للتسلط دون أن يكون المال دولة عند نفر قليل في هذه الرأس المالية الظالمة التي يقولون اليوم كما كان في آخر منتدى للاقتصاد، أن 80% من ثروة العالم كله، يتحكم فيها أقل من ستة مليون شخص في العالم، وهذا يدل على أن تشريع الإسلام هو الذي يحقق للناس المصالح، وكلما ابتعدت هذه البشرية عن دين الله، كلما ظهر العوار والخلل الذي يدعوها لتنظر، فلا تجد المخرج إلا في شريعة الله، وإلا في هذا الإسلام العظيم، ولذا نجد أن هذه التشريعات في الجانب الاجتماعي، في العلاقة بين الرجل والمرأة، في الحجاب الذي يأتي بعض أبناء جلدتنا ويشوشون ويتكلمون بكلام ساقط مرذول من نتوءات طفيلية في الحقيقة لا قيمة لها، ويتحدثون عن غير ذلك من جوانب الإسلام التي يعرف الناس اليوم عظمتها وهم يسيرون باتجاه آخر مخالف لها.

 

وأخيراً وليس آخراً: حضارة الإسلام ورقيه، فلم يعهد في الإسلام هذا الإرهاب الذي كان في التاريخ ولا يزال يتكرر إلى اليوم، الذين يزعمون أن الإسلام به وفيه الإرهاب هم الذين قتلوا الملايين وعشرات الملايين في الحرب العالمية الأولى والثانية، هم الذين عندهم القنابل النووية التي تقتل في لحظات مئات الآلاف من البشر، أما تاريخ الإسلام، فإن الإسلام الذين قتلوا، قتلوا في ساحات المعارك في جل تاريخه، وأن عددهم مقارنة بعدد الذين دخلوا في الإسلام أمر عظيم وفرق كبير هائل، ولربما لو أردنا أن نأخذ أمثلة من التاريخ من السيرة ومن غيرها، لرأينا كيف كانوا نموذج القلة المسلمة المهاجرة إلى الحبشة، عندما كانوا في أرض ليست على دينهم، لكنهم أحسنوا وصف إسلامهم، وذكروا توحيد الله -عز وجل-، وذكروا الأخلاق كما في مقولة جعفر بن أبي طالب العظيمة، حتى إن النجاشي ملك تلك الديار، أسلم وصلى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- عليه صلاة الغائب، من نفر قليلين لم يكونوا أعضاء ولم يكونوا أثرياء ولم يكونوا أصحاب مناصب ولم يكونوا أصحاب وسائل إعلام، لكن معهم هذا الحق ينطقون به، فيسري إلى النفوس والقلوب، ويقنع العقول، وهذه هي سر عظمة الدين.

 

وفي التاريخ أيضاً صفحات كثيرة يتحدث أعداؤنا اليوم ويحللون أمراً أو خطباً عظيماً في التاريخ، قلّ أن يكون له نظير وهو القوة المدمرة الغاشمة التي اجتاحت الشرق الإسلامي، ودخلت إلى بغداد عاصمة الخلافة، ودمرت الحضارة والإنسان والبنيان، ثم إذا بهؤلاء الهمج المدمرين المخربين الإرهابيين، ينتصر عليهم الإسلام شيئاً فشيئاً، ويصبحون مسلمين، ويصبحون رافعين لراية الإسلام، تالين لآيات القرآن، متبعين لهدي محمد -صلى الله عليه وسلمَ-، ويصبحون جنوداً أيضاً للدفاع عن الإسلام، واليوم تتكرر القصة نفسها، اليوم من يدافع عن الإسلام ليسوا ممن ولدوا من أبوين مسلمين أو في بلاد مسلمة، إنهم كانوا قبل فترات قليلة، وسنوات يسيرة، بل ربما بعد اشتداد العداء على الإسلام، واتهامه بالإرهاب ازداد عدد الداخلين، من أساتذة الجامعات ورجال الدين، ورجال الإعلام، حتى بعض الكارهين الذين كانوا يشنون الحملات على الإسلام والمسلمين انقلبوا بفضل الله -سبحانه وتعالى-، لماذا؟ (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8] هكذا نص قرآني قاطع في دلالته، واضح في معناه، يريدون فهم باستمرار يحاولون، ولكنهم لن يتمكنوا أن يطفئوا نور الله؛ لأن نور الله لا يطفأ بحال من الأحوال، ونور الله كما قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره قال: "الله معلن الحق ومظهر دينه وناصر محمداً فذلك إتمام نوره وعنى بالنور في هذا الموضع الإسلام"، وقال السعدي في تفسيره: "قد تكفل الله بنصر دينه وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإظهار نوره في سائر الأقطار ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهته كل ما قدروا عليه مما يتوصلون إليه بإطفاء نور الله فإنهم مغلوبون، ومَثلهم كمثل الذي ينفخ في عين الشمس ليطفئها فلا على مرادهم حصلوا ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها".

 

وشاهد واقعي ينبئونا عن ذلك في كل البقاع، تلك هي حقيقة القوة العظمى التي أكرمنا الله -سبحانه وتعالى- بها، والتي أحسب أننا لا نقدرها قدرها، ولا نعطيها حقها، ولا نوفيها شكرها، ولا نقوم بواجبها، ولا نذود عنها كما ينبغي، ولا ننشرها كما جاء في كتاب ربنا باتباع هدي نبيا -صلى الله عليه وسلمَ-، فيما نحن معنيون به، وملزمون بمجملنا أن نؤدي واجب البلاغ لهذا الدين، ولهذه الدعوة: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108].

 

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعم نوره أقطار الأرض كلها، وأن يشرق نوره في كل قلوب المعرضين والكافرين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعلي كلمته ورايته، وأن يجعل هذا الدين رحمة للعالمين، ويخلصهم من كل أذى وإرهاب وإجرام من غير الإسلام، نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا في هذا السبيل من العاملين، والحمد لله رب العالمين.

                        

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من عظمة ما أكرمنا الله به -سبحانه وتعالى- في هذا الدين: قوته وقوة انتشاره؛ كما أخبرنا الحق -سبحانه وتعالى-: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32]، وهو الذي بين أيضاً فقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 33]، هذه إرادة الله، وهذا التعليل هو الذي جاء به كلام الله -سبحانه وتعالى-، واليوم يعجب الناس ما السر في هذه الحملة الكبيرة الشرسة التي تزداد وتنمو؟

 

إن عناصر قوتنا في طبيعة فطرتنا وفي ديننا، خذوا مثلاً سريعاً، إذا ذهب أي مسلم أو أي مسلمين إلى بلد فإنهم لا بد أن يبحثوا لهم عن مسجد ليصلوا فيه أو على الأقل أن يصلوا الجمعة فيه، فيظهر الدين بذاته، وغيرهم ليس كذلك، ولا يواظب على ذلك، اليوم في أوروبا وفي أمريكا وفي سائر بلاد الشرق، كل المساجد في صلوات الجمع تغص بالمصلين، ويزدادون ويصلون الجمعة مرتين وفي بعض المساجد ثلاث مرات، أما في صلاة عيد الأضحى فقد عرفت في بلد أو مدينة كبرى من تلك العواصم العظمى، أنهم يصلون العيد خمس صلوات، لكثرة المسلمين وقلة المساجد، فظهوره بدون قصد وبدون أن تتعنى في ذلك؛ لأن شرائعه وفرائضه هي تظهره في هذه الصلوات، في إفطار رمضان، في مواسم الحج والعمرة، في كل هذه المظاهر التي تظهر فيها أمة الإسلام عابدة لله -سبحانه وتعالى-.

 

ثم كذلك ننظر إلى جانب آخر مهم، وهو يستحق التأمل منا، وهو: الجانب الاجتماعي الذي يحافظ أكثر المسلمين عليه، حتى من تساهل أو انحرف فإنه يعود ليتزوج ويكوّن أسرة، وينجب أطفالاً، وهذه قوة بشرية هي اليوم التي تخيفهم، وكما تقول دراساتهم التي يعلنونها بشكل يثير الرعب، ويريدون أن يهيجوا على الإسلام والمسلمين، تقول الدراسات: إن أية حضارة لا يكون نمو السكان فيها 2.11% فإنها حضارة ستنقرض في غضون فترة زمنية قصيرة، لا تستطيع الاستمرار  هذا الحد الأدنى لاستمرار أي حضارة، واليوم واقع الغرب ماذا يقول؟ أعلى الدول في فرنسا معدل النمو 1.08% وأقلها في أسبانيا 1.01%، والدراسات تقول: إنه إذا كانت النسبة 1.03% فإنها تنتهي هذه الحضارة في غضون خمسة وعشرين عاماً، وأوروبا معدلها اليوم 1.38%.

 

وإذا انتقلت إلى إحصاءات أخرى فإنك ستجد أمراً مذهلاً، وهو أن تلك الأمم أصبحت أمم تسير نحو الفناء؛ لأن صغار السن لا يولدون، وقد ضربوا مثالاً لو أن كل زوجين أنجبا واحداً ثم هذا الواحد بعد ذلك ينجب واحداً فيصبح الجيل الأول الجيل الثاني نصفه ثم الجيل الذي بعده نصف النصف، وهكذا تذوي  هذه الحضارات، وانظر كذلك إلى الأرقام، فإن في هذه الدولة في فرنسا على سبيل المثال نسبة المسلمين ممن هم دون 20 عاماً 30% وفي المدن الكبرى تصل هذه النسبة إلى 45%، وهكذا 50% من المواليد في هولندا مسلمون، وفي بلجيكا 25% الآن مسلمون و50% من المواليد مسلمون فما الذي سيكون؟ هم يقولون في دراساتهم: إن هذا سوف يكون له تغيير واضح بدون أن نقوم بدعوة أو بعمل لهذا الدين، لكننا -معاشر المسلمين- ننبه هنا إلى عدة أمور:

 

أولها: أن ندرك عظمة ديننا، ونزداد تمسكاً به، ونغوص في حكمه وعلله ومحاسنه ومقاصده؛ لأن الناس اليوم يدركون من ذلك ما يدركون بناءً على تجارب مريرة، ونحن أكرمنا الله بأن نشأنا مسلمين وبين أيدينا الكتاب ونحن نعرف العربية وبين أيدينا سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- نعرف صفحاتها وتاريخها وغير ذلك.

 

الأمر الثاني: وهو في غاية الأهمية وهو أننا مدعوون اليوم لا أن نتفرج ونفرح؛ لأن هناك من ينصر الإسلام من غير المسلمين، أين نصرنا نحن لديننا؟ وأول نصر لنا هو: أن نقيم ديننا في حياتنا على الوجه الأكمل بقدر ما نستطيع، فو الله -عز وجل- يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] وهذا أمر مهم ، ولابد لنا منه.

 

والأمر الثالث: في الحقيقة أن كل قوة من هذه الأسباب التي ذكرتها هي مرتدة علينا لتضعفنا، ومن بين بني جلدتنا من يروجون له، يقولون لنا: خففوا النسل، أعدادكم كثيرة وعندكم بطالة وعندكم في عالمكم الإسلامي مشكلات، وهذه هي سر من أسرار القوة التي يخافونها من المسلمين في عقر دارهم.

 

يقولون لنا أيضاً ويروجون عن طريق أبناء جلدتنا: إن وضع المرأة عندكم غير ملائم أخرجوها إلى الطرقات إلى الشوارع إلى كل شيء، لا تجعلوها تكون في حفظها، وتكون قائمة على أسرتها، ومؤدية لتربية الأجيال جيلاً إثر جيل، ونحن نردد ذلك ويأتي من يروجه، ويقولون: بل إن مناهجكم بل إن قرآنكم يخرج الإرهاب ويصدره، ويقول إعلامنا، ويقول بعض كتابنا ويقول بعض بني جلدتنا ذلك ويكررونه، مع أن الذي ينفيه اليوم هو غير المسلمين، مفارقة عجيبة تستدعي منا أن نعرف القوة العظمى الحقيقية، قوة هذا الدين، قوته في كتابه وفي سنة نبيه، في مبادئ إيمانه وفي أركان إسلامه وفي محاسن أخلاقه وفي كل جوانب شرائعه، هذا الذي ينبغي أن نعتز به، وينبغي أن نظهره، وينبغي أن لا نسمح اليوم ما يصلح هناك من الفساد يراد أن يسري فساداً في بيئاتنا وفي مجتمعاتنا، بعد أن مضى القوم إلى ما لا نهاية في الفساد الأخلاقي والانحلال، وغير ذلك، أتى من يريد أن يعيد الكرة في بلادنا وفي مجتمعاتنا، وهذه هي الخطيئة الكبرى، اليوم يعظم الناس ديننا ويعترفون بشريعته ويعترفون بمحاسنه ويدافعون عن أتباعه، ومنا من ليسوا كذلك، فهنا هذه المفارقة التي نحتاج أن ننتبه لها، ولو أردت أن أحصي لكم الإحصاءات لوجدتم عجباً، وارجعوا إليها فإن زيادة نسبة المسلمين، وإن زيادة الذين يلتزمون بإسلامهم من غير من كانوا ملتزمين، وإن الأجيال التي تلتف اليوم حول القرآن في حلقه في أدغال إفريقيا وفي وسط أوروبا وفي كل مكان، تنبئنا أن الحق كما قال الله -عز وجل- ظاهر وأن الله مظهره، وأنه وإن أبى الكافرون، وإن حارب الكافرون، وإن فعل الأعداء ما فعلوا، لكننا مسؤولون عن أنفسنا وعن واجبنا الذي لابد أن نقوم به.

 

فأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه -صلى الله عليه وسلمَ- متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، ولراية الدعوة رافعين، وللذود عن الإسلام قائمين.

 

نسأله -سبحانه وتعالى- أن يجري الخير على أيدينا وأيدي غيرنا من أبناء الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يهيئ للإسلام من أبنائه بل ومن أعدائه من يدافع عنه وينافح عن أبنائه في كل مكان.

 

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :