مختصر خطبتي الحرمين 25 من جمادى الآخرة 1438هـ                 هادي: إيران الراعي الرسمي للإرهاب بالمنطقة                 ثوار سوريا يطلقون المرحلة الثالثة من معارك حماة                 الكشف عن سجون سرية بالعراق تديرها ميليشيات طائفية                 تقرير فلسطيني يكشف أدوات الاحتلال للنيل من رجال المقاومة                 قائد جيش ميانمار يبرر قمع ‘الرهنغيا‘ ويعتبرهم مهاجرين                 القوى الأحوازية توجه رسالة للقمة العربية في الأردن                 البشير: السودان مستعد لاستقبال استثمارات العرب الزراعية بعد رفع العقوبات                 تركيا: انتهت بنجاح عملياتنا في شمال سورية                 قرار الجامعة العربية حول ليبيا يدعو إلى إلغاء التجميد على الأموال الليبية                 أخبار منوعة:                 وسواس!                 نخبة العالم الإسلامي وعالم الأشياء                 أعظم أثراً من السحر                 4 قواعد ذهبية لحل مشكلاتنا الشخصية                 حتى لا نُلعنَ كما لُعنوا                 جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في رجب                 ماذا لو صححت إيمانك و بررت بأيمانك !                 نقطة التحول في حياتك                 مع الصالحين في أدبهم وأخلاقهم (1)                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم-(غزوة بني قريظة) خطب مختارة
الأخلاق المذمومة (البخس والتطفيف) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة حقول الألغام المدمرة اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13846 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي الأسرة والقرابة, قضايا اجتماعية التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة   تاريخ النشر 20/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ ظاهرة حقول الألغام المدمرة وبعض صورها 2/ أثر حقول الألغام المدمرة ومخاطرها على الأطفال والمراهقين 3/ وسائل حماية الأبناء من مخاطر حقول الألغام المدمرة 4/ عظم مسؤولية أولياء الأمور تجاه أسرهم 5/ أسباب تأثير حقول الألغام المدمرة على الأطفال
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل معنىً، ومائل إلى كل ما يملى عليه، فإن عوّد الخير ونشأ عليه سعد في الدنيا وفي الآخرة أبواه، وإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم هلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

معاشر المؤمنين: وصية الله -جل وعلا- في كتابه المبين إلى قيام يوم الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

إخوة الإسلام: نسمع ونعرف عن الألغام الأرضية التي يسير الناس في أرض سوية ثم فجأة يقع الانفجار والدمار والهلاك، ونعرف أن من طبيعة الأعداء أن يملؤوا الأرض بهذه الألغام، حتى لا يكون هناك أمن ولا أمان، وحتى تحصد الأرواح والأجيال، العجب الذي أتحدث عنه اليوم، أننا سنتحدث عن ألغام ليست في الطريق العام، وليست في الأرض الفلاة، بل هي في بيوتنا، في غرف نومنا بل في جيوبنا، وفي كل مكان يحيط بنا، ثلاثة مواقف مرت بي بالأمس وقبله، جعلتني أفكر كثيراً، لقيت رجلاً أخبرني أنه لم ينم ليلته مرتاحاً، وكان مفكراً خائفاً، ما السبب؟

 

قال: شاهدت مقطعاً لشاب من هؤلاء النجوم على تلك الشبكة، وكان يطرح قضايا من القضايا المحرمة والآثمة، بشكل قابل للأخذ والرد، والسؤال والجواب، ففكرت، كيف سيتلقى أطفالي الذين لا يميزون، والذين ليس عندهم من المعرفة والعلم مثل ذلك! ورأيت أن هذا إنما هو غيض من فيض وأن هناك رسائل كثيرة، وبرامج عديدة، ومفاهيم لا منتهى لها، لا أعلم عنها شيئاً؟ ولا أعرف كيف تصل؟ ولا كيف يتلقونها؟ وما الذي يبقى في أذهانهم منها؟

 

والثاني: شاهدت رسماً كاريكاتورياً -كما يقولون- وجدته معبراً عن هذا الخوف وهذه الحالة، سجادة وقبلة ورجل في الرسم يصلي بهذا الاتجاه، لكن الرأس مقطوع ومحول لاتجاه آخر على الشاشات، وهو معنىً معبر، بأن هناك سرقة كبيرة، ومعارضة عظيمة، واختلالاً أصبح حديث الناس.

 

وأما الثالثة فقد لقيت بعضاً ممن يفكرون ويعملون لكي يملؤوا هذا الفراغ بأعمال جادة مفيدة تربوية تعليمية، والعجب أني رأيتهم غير قادرين على المضي لتحقيق ما نحتاجه، ولتأميننا من هذه الألغام؛ لأن أحداً لا يهتم، ولأن المال غير موجود، ولأن الأرباح هي التي يشغل أفكار الناس دون أن ينتبهوا إلى هذا الخطر، والمقام يضيق عما يمكن أن نتحدث عنه في هذا، لكنني هنا سأشير إشارات يسيرة الغرض منها: أن نعرف حقول الألغام وهي كثيرة: الشبكة العنكبوتية. الإنترنت. القنوات الفضائية التي لا منتهى لها. الأفلام الكرتونية التي تخاطب الأطفال وتوجه لهم. التلفزيون بكل ما فيه. الألعاب الإلكترونية التي أصبحت عالماً آخر.

 

كل ذلك ونحن -معاشر الآباء- الذين تقدمت أعمارنا لا نفقه من هذا شيئاً إلا اليسير، ولا نعرف كيف ينجذب إليها الطفل في هذا العمر، وإذا وقفنا أمام كل واحدة من هذه فإننا واجدون من الدراسات الكثير الذي يبين حجم الوقت الذي يستهلك، والأفكار التي تطرح وغير ذلك.

 

وهنا وقفات يسيرة أحسب أن القليل منها كفيل بأن تنخلع له قلوبنا خوفاً على أجيالنا، من دمار هذه الألغام، وأن تستحث عقولنا وأفكارنا للتنادي والعمل للمواجهة، وأن نستحث أيضاً أموالنا وثرواتنا لننفقها كما ينفقون أضعاف أضعاف ذلك بالملايين، لا أقول لتخريبنا وإنما لما يناسب بيئتهم ونحن نتلقى ونتلقف.

 

سأذكر هنا بعض الوجوه، وحديثي اليوم عن الصغار والأطفال، أما إذا انتقلنا إلى المراهقين والشباب، فالأمر أعظم وأكبر، لكن على أقل تقدير هؤلاء فلذات أكبادنا، القلوب الطاهرة البريئة الذين هم أمانة في أعناقنا.

 

وقبل أن أبدأ أذكر كلمات لإمام جليل من أئمة الإسلام وعلمائه، يقول فيها كلمات أحسب أنها من أهم ما ينبغي التنبيه عليه، يقول الغزالي في رسالته عن تربية الأولاد: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل معنىً، ومائل إلى كل ما يملى عليه، فإن عوّد الخير ونشأ عليه سعد في الدنيا وفي الآخرة أبواه، وإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم -وأحسب أن في صور تعاملنا مع أبنائنا ما قد يشبه ذلك ويصدق فيه- وأهمل إهمال البهائم، هلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه".

 

بعض المخاطر التي تمثل هذه التفجيرات: إضعاف شخصية الطفل، لكونه يتلقى ولا يفكر، لكونه يستقبل ولا يرسل، لكونه في هذا السن عندما يحاط بمثل هذه الوسائل يعطل تفكيره وتغيب شخصيته، أمر ثانٍ وخطر آخر، الإنهاك المعلوماتي كما يسمى بالمصطلح العلمي، كم هائل من المعلومات لا يعرف حقيقة مصادره، ولا يعرف دقة صوابه من خطئه، ولا يستطيع أن يميز خيره من شره، ويتشوش، ويصبح عنده كما هائلا من أمور متعارضة متناقضة لا يستطيع أن ينتفع بها، بل يتضرر منها في غالب الأحوال.

 

والأمر الثالث: الانعزال وضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية، فإن الشباب والصغار يقضون وقتاً طويلاً مع هذه الوسائل، حتى وهم مع آبائهم يأخذون الأجهزة وينتقلون إلى العالم الافتراضي في الألعاب، فلا يكون هناك حوار، ولا حديث، ولا قضية تطرح، ولا مشكلة تحل، وإنما هذا الانعزال يشكل شخصيةً أخرى منفصلة عن الواقع، سيما عند الصغار، والأخطر من ذلك الغياب والاضطراب والتشويه للهوية، سواء كانت في أصولها العقدية توحيداً وإيماناً وإسلاماً، أو كانت في إرثها الاجتماعي أسرةً وترابطاً وصلةً، كل ذلك مهدد بالخطر الحقيقي، لماذا؟ أفلام الكرتون في غالبها وخاصة الذي يجلب إلينا من بيئات مختلفة لا تقدم أسرة، يغيب فيها الأب والأم كأسرة كاملة، يغيب فيها الأخوة والأخوات، ويكون الحال هو أصدقاء وأعداء، وأصدقاء خير وشر كما يصورون، وتغيب هذه المعاني كلها، والانحراف في المفاهيم وسيما في الجوانب الإباحية والأخلاقية، وحدّث عن هذا ولا حرج، وما تتضمنه هذه المواد لا يقيم وزناً لخلقٍ ولا حياءٍ ولا عيبٍ، وإنما يفتح الباب على مصراعيه، فإذا هذه القلوب الطاهرة تتلوث، وإذا هذه العقول الفتية الرطبة تضطرب، وإذا تلك السلوكيات العفوية تنحرف والعياذ بالله، وهي بين أيدينا وأمامنا وفي بيوتنا، والتفجير يحصل هنا وهناك لا تنقله وسائل الإعلام، ولا تسلط عليه نشرات الأخبار الضوء، كما نرى في انفجار قد يقتل اثنين أو عشرة أو مائة، دون هذه الانفجارات التي قد تقتل مئات الآلاف من أجيالنا المستقبلية، وهناك أيضاً التشتت وعدم وجود الوجهة والبوصلة القائدة، لغياب ذلك في هذه الوسائل والوسائط، مابين شرق وغرب وما بين مواد من تلك البيئة وأخرى من تلك البيئة، وما بين غياب للتوجيه الذي أشرنا إليه، ولن نضيف شيئاً عندما نتحدث عن إضاعة الأوقات، ونقول بعد ذلك "مشكلة الفراغ"، كيف تحلها الأم؟ تفتح له التلفاز أو تعطيه الجهاز، أو تفتح له الشبكة لتتخلص من إزعاجه، وهي تسلمه لشياطين الإنس والجن دون أن تكون معه، أو تعينه أو توجهه، ومثل ذلك يقع أيضاً من الآباء، ومن المخاطر الانفصال عن الواقع؛ لأن هناك خرافات وخيالات وكواكب أخرى وقوىً خارقة، يعيش معها الأطفال.

 

ومنها كذلك: التأثير السلبي البالغ على اللغة العربية، أسماء القنوات للأطفال هي أسماء غير عربية، والبرامج كذلك، والمصطلحات، وما هو عربي يكون بالعامية، وهنا تجد صوراً محزنة، وقد رأيت مشهداً في بلد عربي خليجي يصور، يسأل الطفل عن اسم هذا الحيوان، فيتكلم وينطق بالإنجليزية، فيسأل ما هو بالعربية فلا يكاد يبين، ولا يعرف الإجابة، ليس واحداً ولا اثنين ولا ثلاثة وإنما مجموعة، لو أردنا أن نجري نسبة سنجد أن 80% لا يعرف بذلك حتى هذه المفردات، فضلاً عن التراكيب والجمل وغيرها، ومشكلات أخرى كثيرة، منها الضعف التعليمي؛ لأنه يتعود ليس على منهجية بحث واستقصاء للمعلومة، وإنما قص ولصق، وعدم معرفة تتولد عنها أمور أخرى، وهناك أيضاً آثار صحية جسدية، لعدم الحركة التي يحتاج إليها الأطفال، والسكون الدائم الذي يضعف من قوتهم وحيويتهم، وغير ذلك من إفساد الذوق الجمالي، الذي لا تعكسه تلك الصور إنما تعكس أجساداً حديدية وتعكس أشكالاً مشوهة، وغير ذلك كثير وكثير.

 

ما الذي نتحدث عنه؟! نتحدث عن خطر داهم، ونتحدث عن تشوه قائم، ونتحدث عن مستقبل قادم، صدقوني إنّ هذا الأمر لا تقل خطورته عن كل ما نتحدث عنه من أعدائنا الذين هاجمونا في بلادنا الإسلامية والعربية، وأحرقوا ودمروا وفعلوا وفعلوا، فإن هذا أيضاً أشد خطراً وأعظم فتكاً.

 

أين نحن منهم؟ أين نحن من قدرتنا على مقاومته؟ الأمر لو أدركنا الأهمية والمسؤولية، لو قمنا بالواجبات الشرعية، يسير وهو بين أيدينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، واجب شرعي، نداءٌ رباني، أمر إلهي، أنت وأنا وكل مسلم مسؤول عن وقاية أبنائه من النار، بحسن التعليم، وبحسن التربية، وبحسن الرعاية والمشاركة، والله -سبحانه وتعالى- بيّن الارتباط الوطيد بين الأبناء والآباء، فقال جل وعلا: (كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) [البقرة: 20]. 

 

يذكر الآباء أبناء الآباء على سبيل الافتخار والقدوة والمعرفة لغالب حياتهم، أين هذا اليوم؟ الأبناء اليوم يعرفون من هذه الوسائط عن أنماط من أفلام الكرتون، أو الشخصيات العامة أو غيرها، ما لا يعرفون عشره عن آبائهم وأجدادهم وأسرهم، وهذا فراغ كبير وثغرة خطيرة، اقتربوا من أبنائكم، عرفوهم ما أنتم عليه من خير وأرشدوهم إليه؛ لأن الفراغ لا وجود له، إن لم تكن أنت القدوة فسيكون غيرك، وستتوزع القدوة شرقاً وغرباً ويميناً ويساراً، لا بد أن ندرك أهمية هذه القدوة، انظر إلى آيات القرآن وهي تبين الشفقة والحجم الأبوي في التربية للأبناء (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13]، (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) [لقمان: 17]، انظر يا بني، انظر إلى هذه الكلمة وهي تحمل كل معاني الشفقة والمحبة والقصد التوجيهي والتربوي، وخذ في هذا من القرآن كثير.

 

وانظر إلى معلم آخر مهم، وهو كثرة الآيات الواردة في الدعاء من الآباء للأبناء (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان: 74]، أعظم منّة يعطيك الله إياها صلاح الأبناء، تعمل وتجتهد وتعلم وتربي وتسأل الله -سبحانه وتعالى- لهم ذلك، وأمر آخر وهو الأجر والمثوبة والذكر الحسن، مرتبط بدورك ورسالتك وقيامك بواجبك ومهمتك مع أبنائك في قربك منهم وتربيتك لهم، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ" لا تعطه المال، فالمال يأتي ويذهب، لا تعطه العمائر والعقارات، أدبه بأدب الإسلام، وبخلق القرآن، نشئه تنشئة صالحة فذلك خير دينه ودنياه وآخرته -بإذن الله عز وجل-، وهو رصيد لك في ميزان حسناتك؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) [الطور: 21]، سوف يكون لذلك أثر في دنياك وفي أخراك، ما بالك تفرط وتغفل، أتقول إني منشغل بالعمل، هذا أهم، وفرغ له الوقت اللازم، تقول أني منشغل بالكسب والرزق، هذا أهم، ولا بد أن تعطيه ما يحتاج إليه من جهد وفكر ووقت وتعاون بين الأب والأم وبين الأبناء الكبار مع إخوانهم الصغار "مَنْ عَالَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ" (رواه أبو داود في سننه)، والأمر في هذا كثير وعظيم.

 

أشير إشارات مهمة أولها، هذا الذي حمنا حوله: الإدراك العميق، والمعرفة الواعية للواجب الشرعي على الآباء والأمهات تجاه أبنائهم، ليس الواجب مقتصراً على أن تطعمه ولا أن تكسوه، وإنما تعلمه وتربيه، أن تنشئة هذه التنشئة الصالحة.

 

الأمر الثاني وهو الأهم والأكثر أهمية وتأثيراً: القرب منهم، والجلوس إليهم، والحديث والحوار معهم؛ لأنك إن لم تفعل فإن الأبواب مشرعة، فضائياً وواقعياً، وهذا الأمر نعرفه كذلك من هدي المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ-، كيف كان يلاعب الصغار كيف كان يحن عليهم، كيف كان يرحمهم، كيف قال لذلك "أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك"، كيف كان يجعل نفسه جملاً لهم، نتحدث عن صغار حتى ولو كانوا في المراحل العمرية الأولى، ينبغي أن يكون هذا القرب من البداية، ولنعلم أن الدراسات العلمية الحديثة تخبرنا أن مجرد ضم الأم ابنها إلى صدرها وإرضاعه له أثر نفسي وصحي عظيم، فكيف كذلك بما وراء ذلك من القصد في التوجيه والإرشاد والتربية، وهذا أمر عظيم.

 

الأمر الثالث وهو المهم: المشاركة والتوجيه، عندما نكون معهم وندخل ونرى وإياهم ونميز الغث من السمين، ونضع ما نسميه قانون الأسرة لكل هذه الوسائل والوسائط، سواء كان بتحديد العمر أو تحديد الوقت أو تحديد المشاركة، والعجب أن الغرب الذي قد سبقنا في ذلك، بدأ يفيق على المخاطر على الأقل في شريحة من الذين عندهم اهتمامات بالمجتمع، وبدؤوا يضعون الدراسات بل ويألفون كتباً لنا، كيف نحد من الآثار السلبية لهذه الوسائل والوسائط؟

 

والأمر في هذا كثير وخطير، ونضيف إليه أمراً رابعاً وهو: تقوية الرابطة الأسرية الاجتماعية بصلة الأرحام، بحيث يكون هناك تواصل ولقاء وحديث يملأ الفراغ الذي تسده مثل هذه الوسائط بغير النافع والمفيد، وهذا أيضاً مهم جداً، ومن ذلك أيضاً رعاية الصداقات، بأن يكون بأسلوب لبق يكون مع أبنائه، ويعرف أصدقائهم، ويستضيفهم في بيته، ويجعل العلاقة فيها قدر من المشاركة والتوجيه المناسب، دون أن تكون رقابة، كأنما هي رقابة عسكرية أو رقابة تخوينية، وغير ذلك كثير وكثير، ومنها: التعليم على منهجية تلقي المعلومات، سيما من هذه الوسائط.

 

الخطر عظيم والواجب علينا عظيم، وأحسب أننا في بيئاتنا ندرك ذلك، وينبغي لنا أن نتواصى بحسن المواجهة التي تنفي السلبيات وتبقي الإيجابيات.

 

ونسأل الله أن يحفظ أبناءنا وأجيالنا من كل سوء ومكروه، وأن يعينا على القيام بواجبنا تجاههم، إنه -جل وعلا- ولي ذلك والقادر عليه.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

                        

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى: القيام بالواجب تجاه الأبناء والأسرة، ما أريد أن أقوله بشكل واضح، إن لم نجعل هذا الأمر كما سميته: "حقول ألغام مدمرة"، ونخشى منه كما نخشى من هذه الألغام، ونتحسس أقدامنا حتى لا تصيبنا، ونأتي بأجهزة الكشف وكذلك بأجهزة التعطيل والإبطال، ونمهد الأرض، إن لم نستشعر هذا النموذج فأحسب أن الأهمية الأخرى ستكون ضعيفة، ولن تولد ما نصبوا إليه، في دراسة علمية قالت: ما هي الأسباب التي تجذب الأطفال إلى تلك الوسائل والوسائط؟ أو لماذا تجذبهم بهذا الوقت وهذا الكم؟

 

كان أعظم هذه الأسباب: الفراغ الكبير.

 

والأمر الثاني المصاحب له: غياب الوالدين وإهمالهم لأبنائهم.

 

والأمر الثالث: حب الاستطلاع الفطري، الذي إذا لم يعبأ أو لم يملأ سيكون له تلك الآثار التي يبحث فيها عن خير فيجد شراً.

 

والرابع: أصدقاء السوء، إذا تركناهم لهم إذا لم نكن معهم، إذا لم نحسن توجيههم.

 

وهذه كلها مخاطر -أيها الإخوة- حقيقية، وكلكم لو أراد كل واحدة من تلك الحقول التي أشرت إليها، فيه دراسات تبين بالأرقام والإحصاءات الآثار المدمرة للألعاب وللشبكة وللأفلام الكرتونية ولغيرها ولغيرها، لابد أن نعلق جرس الإنذار في بيوتنا، اليوم عندما نرجع لابد أن نبدأ في الجلوس مع أبنائنا ووضع النظام الذي يتفق عليه، لكي نأخذ الإيجابيات وننحي السلبيات، ونجعل المشاركة ودورها الأكبر، وأثرها الأعظم وإن لا فإننا سنجني عاجلاً غير آجل ثماراً مرة، وتفجيرات مدمرة -أعاذنا الله وإياكم من شررها وضررها-.

 

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا وأسرنا ومجتمعاتنا من الانحرافات العقدية والانحلالات الخلقية.

 

اللهم سلمنا وسلم أبناءنا، اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين ولهدي نبيك -صلى الله عليه وسلمَ- متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، واجعلنا اللهم على البر والتقوى متعاونين، وللإثم والعدوان محاربين.

 

اللهم يا حي يا قيوم ألف على الحق قلوبنا، واجمع وحدتنا، ووحد صفنا، وأعل رايتنا، واجعلنا اللهم من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :