مختصر خطبتي الحرمين 16 شعبان 1438هـ                 يونيسيف: ارتفاع وفيات تفشي الكوليرا في اليمن إلى 209                 سوريا.. قلق أممي إزاء ‘سلامة‘ 400 ألف شخص الرقة إثر                 العراق:‘العبادي‘ يعترف بتنفيذ مليشيات طائفية لعمليات خطف                 فلسطين ترحب بالموقف الأمريكي من حائط البراق في القدس                 واشنطن تعلن معارضتها لمشاركة البشير في قمة الرياض                 تحذير أممي من تزايد الهجمات ضد المسلمين بأفريقيا الوسطى                 الأحوازيون يرفضون الحل الأمريكي لقضيتهم                 تصاعد التوتر بين تركيا وألمانيا                 الكشف عن “رقم صادم” لعدد قطع السلاح في ليبيا                 أخبار منوعة:                 وقفات مع قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}                 متى نصر الله؟                 مفهوم التجديد لدى أهل السنة                 زوجتي                 البحارة                 الحكمة من النهي عن البيع في المسجد                 «الناس معادن»                 فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي والمسألة الأخلاقية                 ناصح بالنهار .. خصيم بالليل !                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(الصحبة السيئة ومضارها) خطب مختارة
(الصحبة الصالحة ومنافعها) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة الجاهلية الجديدة اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13847 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي الأخلاق المذمومة, حكم التشريع التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة   تاريخ النشر 20/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ ظاهرة العنصرية الجاهلية وتنفير الإسلام منها 2/ تكريس الإسلام لمبدأ المساواة بين المسلمين 3/ لماذا العنصرية جهل؟ 4/ تأثر بعض المسلمين بالعنصرية الجاهلية 5/ بعض صور العنصرية الجاهلية ومحاربة الإسلام لها
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
أيها الإخوة- العنصرية جهل؟ لماذا هي جهل؟ لأن من الغباء والحمق أن تفضل بين اثنين أحدهما عالم والثاني جاهل؛ لأن هذا أبيض أو هذا أسود، لا شك أن هذا غباء مفرط وحمق لا منتهى له، والعنصرية ظلم لأنه كيف نقدم جاهلاً على عالم، لنسبه أو حسبه، أو لجنسيته أو بلده، وكيف نقدم نافعاً على ضار أو قائماً بالأمر على مقصر فيه، كل ذلك ضرب من الظلم يقع به فساد المجتمعات واضطراب أحوالها

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

معاشر المؤمنين: وصية الله -جل وعلا- لكم في كتابه المبين إلى قيام يوم الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

معاشر المسلمين: مشكلة عظيمة وبلية كبيرة، كأن المرء وهو يعيش في هذا القرن الذي يسمى قرن الحضارة والتقدم، يعجب منها ويستغرب لها، ولكنه يكاد اليوم يراها وهي تعظم وتكبر، وهي تزداد وتتسع، وهي تظهر في أرقى الحضارات كما يزعمون، تلكم -أيها الإخوة الأحبة- الصورة التي تقوم فيها التفرقة والتمييز على أساس عنصري من جنس أو لون أو عرق ونحو ذلك، ونحن نرى اليوم هذه العنصرية تظهر في أماكن وبقاع وصور شتى كثيرة، والحق -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] يخاطب أمة الإسلام، ومجتمعنا الذي أيضاً تظهر فيه العنصرية، وتكثر وللأسف الشديد، وتتجلى في صور سأشير إليها، مع أن هذه هي خلقة الله -سبحانه وتعالى-، لا اختيار لأحد في لونه ولا في عرقه ولا في شيء مما حباه الله -سبحانه وتعالى- إياه وأنعم به عليه؛ لأنه جل وعلا جعل ذلك أيضاً من آيات عظمة خلقه جل وعلا، فقال سبحانه وتعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) [الروم: 22].

 

تلك من الآيات، وهنا نكون في مدرسة الإسلام قولاً وعملاً؛ لأننا نحسن التنظير ونقصر في التطبيق، وإليكم ذلك الإعلان الإنساني العظيم الذي جاء به سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ-؛ كما ورد عند الإمام أحمد بسند صحيح قال الهيثمي فيه "رجاله رجال الصحيح": "أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- خطب في وسط أيام التشريق فكان مما قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ" قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ".

 

لو كانت العنصرية لكان الأولى أن تكون للعرب الذين منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، لكنه نفاها وأبطلها، ثم ننظر إلى التطبيق العملي الفريد، في بيئة جاهلية كانت تقوم على هذه المفارقات، وتؤسس على تلك العنصريات، ويكون التصرف فيها مبنياً على العنجهيات والطبقيات، ما بين سادة وعبيد وما بين أشراف وأنذال كما كانت الجاهلية، فإذا بسيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ- يغير مفاهيم الكرامة والسيادة بعيداً عن تلك الصور الخلقية التي ليس للإنسان فيها كسب ولا له فيها فضل ولا عليه فيها ذم؛ زيد بن حارثة رقيق استرق وأعتق، وكان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- وهو مولاه، هو في مقياس الجاهلية في رتبة دنيا، لكن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- الذي  قرر المقاييس وطبقها وأرساها وقررها، جعل زيد بن حارثة في يوم مؤتة قائد جيوش المسلمين، هو الأول، فإن هلك أو قتل وبعده جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- الهاشمي القرشي الأصيل، وبعدهم عبد الله بن رواحه -رضي َالله عنه-؛ لأن كانت هناك عنصرية خاصة لكان الأولى بها النبي -صلى الله عليه وسلمَ- مع الفضل والشرف، لكن الرتبة كما قالها صلى الله عليه وسلمَ لابنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-: "يا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا"، وقال في حق المساواة: "وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا"، بأبي هو وأمي رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

وولى أيضاً جيشاً عظيماً في مهمة ليس لها مثيل، في آخر حياته صلى الله عليه وسلمَ عندما جهز جيشاً لغزو الروم والرد على تهديدهم، وجعل عليه أسامة بن زيد، وهو أسامة بن زيد بن حارثة العلة باقية، وفوق ذلك كان صغيراً في سنه، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- كما روى البخاري عن ابن عمر -رضيَ الله عنه- أنه قال: "لما أمّره طعنوا في أمارته فقال عليه الصلاة والسلام: "فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمْرَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَه" هكذا يقرر النبي الصورة العملية المباشرة ليس في أمر عارض، بل في أمر جليل وهي إمارة للجيوش، كانت تحت إمرة أسامة بن زيد، جل كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- بمن فيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- وبقية الأصحاب -رضوان الله عليهم-؛ لأن هذا هو الإسلام، الإسلام ليس فيه فلان ابن فلان، ليس فيه شرف الأحساب والأنساب يقدم أو يؤخر، لكل نسبه وللأنساب مكانها ومقامها وفضلها وشرفها، لكنها ليست مقياساً للرتبة العليا والدنيا بذاتها، وهذا أمر عظيم جليل لابد أن ننتبه له.

 

وانظروا إلى تعليم النبي -صلى الله عليه وسلمَ- كيف استطاع أن يحوله إلى سلوك عملي عند أصحابه -رضوان الله عليهم-، روى البخاري ومسلم أن رجلاً لقي أبا ذر في الربذة ومعه غلامه قال: فرأيته وعليه حلة وعلى غلامه حلة أي مثله، مساواة، ليس لأنه عبده أو حتى خادمه، قال: فكأنه التفت إلى هذا، أو كأنه يسأل عن هذا، فقال أبو ذر -رضي َالله عنه-: "إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه"، في رواية قال: "يا ابن السوداء"، وليست في الصحيحين، "فعيرته بأمه"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ" هذه الخصلة من خصال الجاهلية، هذا الانتقاص بمجرد الانتساب والنسب واللون هو ضرب من ضروب الجاهلية، فتلقى الدرس أبو ذر -رضي َالله عنه- وفقهه وعمل به وغير حاله، وصار يخبر الناس إنني إنما فعلت هذا لأنني تعلمت من سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

لماذا -أيها الإخوة- العنصرية جهل؟ لماذا هي جهل؟ لأن من الغباء والحمق أن تفضل بين اثنين أحدهما عالم والثاني جاهل؛ لأن هذا أبيض أو هذا أسود، لا شك أن هذا غباء مفرط وحمق لا منتهى له، والعنصرية ظلم لأنه كيف نقدم جاهلاً على عالم، لنسبه أو حسبه، أو لجنسيته أو بلده، وكيف نقدم نافعاً على ضار أو قائماً بالأمر على مقصر فيه، كل ذلك ضرب من الظلم يقع به فساد المجتمعات واضطراب أحوالها، والجاهلية جرم؛ لأنها توقع العقوبة في كثير من الأحيان بناءً على العرق واللون، أوروبا المتحضرة والغرب المتحضر إلى عهد قريب كان يكتب على المطاعم ممنوع دخول الكلاب والسود في اقتران مهين، حتى البهائم لا يصح احتقارها فهي من خلق الله -سبحانه وتعالى-.

 

ثم انظر كذلك إلى تعليم النبي -صلى الله عليه وسلمَ- للأمة دروساً بليغة نحن المسلمون اليوم معنيون بها أكثر من غيرنا، في الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة -رَضي الله عنه-: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله تنظف المسجد، وتقوم بهذا الواجب الجليل تطوعاً، وخيرية في قلبها، وحباً للأجر والثواب تطمح إليه، فماتت ولم يعلم النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بموتها، فقال: "أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي؟"، فلما لم يصنعوا ذلك وفاته ذلك، فالنبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا" فدلوه فذهب فصلى عليها" امرأة سوداء، حتى إن ابن حجر -رحمه الله- ذكر أنه لم يذكر لها اسم، أي لم يذكر أهل العلم من البحث في الرواة من قديم أنه ذكرت باسمها، وإن كان في روايات أخرى: أنها أم محجن، وكذلك هذه تسمية ليس فيها بيان، هذه امرأة سوداء بالمقياس الذي نعيشه اليوم للأسف الشديد لا قيمة لها، ثم تقوم بمهمة تنظيف للمسجد يعني مهمة دنيا، ننظر إليها للأسف الشديد كذلك، سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ- يلوم أصحابه، لمَ لم تشعروني بوفاة هذه المرأة العظيمة الجليلة لمقامها الذي كانت تصنعه في بيت الله –عز وجل-؟

 

ثم يذهب فيصلي عليها ليقول لنا جميعاً: إنكم عندكم خلل تطبيقي في فهمكم وتطبيقكم للإسلام، يوم تنظرون إلى الخادم أو العامل أو هذه الجنسية أو ذلك اللون وأنتم مسلمون نظرة لا تتفق مع إسلامكم، ولا ترقى إلى مستوى العظمة الإنسانية والخلقية التي كان عليها نبيكم -صلى الله عليه وسلمَ-، وهو يبين لنا عليه الصلاة والسلام، أن هذه منة ونعمة من الله؛ لأنه إذا أزيلت العنصرية وهذه الطبقية صار للناس فرصة أن يتعايشوا وأن يشكلوا مجتمعات مترابطة، وأن يكون لكل أحد في تلك المجتمعات حقهم الذي لا يهضم ومقامه الذي لا ينكر ورتبته الذي لا ينقص منها بحال من الأحوال، هذه مسألة مهمة، ولذلك كانت الجاهلية الأولى والحديثة والتي قد نتداولها أحياناً هي من علامات التخلف الحضاري، والتخلف المنهجي الذي كما قلت ليس له أساس، ثم يخبرنا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الإسلام جاء ليخلصنا من تلك الأوضار والأدلاس فيقول عليه الصلاة والسلام: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلاَنِ رَجُلٌ بَرٌّ تَقِي كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقي هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ" (رواه البيهقي وابن خزيمة في صحيحه وحسنه ابن حجر).

 

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه *** فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب

 

ومن جميل ما وقفت عليه، تعليم نبوي في موقف في غاية الدقة ولفت النظر فيه يدل على عمق أصالة الإنسانية في الإسلام، وبغضها وبعدها عن العنصرية بحال من الأحوال، هذا أبو عقبة مولى من موالي المسلمين من أصل فارسي، يقول: "شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- أحداً، وضربت ضربة في أحد المشركين، فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إليه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- والمعركة دائرة، ورحاها يثير الموت في الساحات والميادين، ويقول له: "ألا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري"، وهو من الأنصار باعتبار ولايته لهم، انظروا حتى هذا العرق العنصري الذي يعود إلى فارس وذاك إلى العرب وذاك إلى غيرهم هنا وهناك، كلهم خلق الله –عز وجل-، وكلهم بنو آدم يبينه لنا رسولنا -صلى الله عليه وسلمَ-، ولذلك نعرف الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في الأمور التي نعيشها كل يوم، في تعاملنا مع من يخدمنا، وهو مثلنا وهو ربما يكون صاحب فضل علينا، لو استغنينا عنه أو ذهب عنا لوجدنا أننا في حيص بيض كما يقولون، وأعجبني قول لأحد الآباء مذكور في قصة، لما جاء الرجل ليأخذ النفايات فقال الابن: جاء رجل الزبالة أو القمامة، قال: لا، قل جاء رجل النظافة، نحن الذين نخرج الزبالة والقمامة، وهو الذي يقوم بالنظافة، لو غيرنا نظرتنا لسمونا إلى إنسانية إسلامنا فإسلامنا هو الإنسانية في أسمى معانيها، لو غيرنا نظرتنا لما احتقرنا امرأة لأنوثتها ولكونها أنثى وليست ذكراً، ولما قدمنا ذكراً لفحولته دون أن يقبله عقل أو عمل أو إحسان في عمل، ولو صنعنا ذلك واتبعنا إسلامنا لصرنا نمثل النموذج الأمثل الذي صنعه رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلمَ-، فآخى بلالاً وآوى صهيب، ونادى بسلمان في العالمين، تلك البيئة الجاهلية استطاع النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أن يكسر أواصرها الباطلة، وأعرافها الجاهلية، وجاء بآصرة هي أرقى وأنقى وأبقى، آصرة الدين والاعتقاد الذي هو اختيار تختاره عن علم واعتقاد تعتقده عن يقين، ثم تعمل به في سائر جوانب الحياة، وليس هذا يفضي إلى انتقاص واحتقار إلى الآخرين حتى وإن كانوا من أهل ديانات أخرى، وإنما لبيان الحق والباطل، فنقول نحن على الحق وأنتم على باطل فراجعوا أنفسكم، هذه صورة عظيمة مهمة في واقع مجتمعنا، اليوم تفرقنا ونسمع هذا كذا وتذكر جنسيات من هنا أو هناك، وهذا كذا ويذكر عرق من هنا أو هناك، وكأننا عندنا إلى جاهلية القرن الذي بعث فيه رسولنا -صلى الله عليه وسلمَ-، وكأننا عندنا إلى جاهلية قريش واليوم حضارة الغرب تعود من جديد، وهي قريبة العهد قبل قرن ونحوه فقط كانت تجر العبيد من أفريقيا مغلولين بأعناقهم مصفدين في أقدامهم تسخرهم سخرة ويبيتون مع البهائم في الحظائر، واليوم عادت من جديد، ويعترف رئيس الدولة العظمى في الحضارة الكبرى بأن هذه العنصرية ما زالت تنبض وبدأت تكبر وتعظم، وإسلامنا العظيم ورسولنا الأكرم -صلى الله عليه وسلمَ- وتاريخ حضارتنا كله بهذه الصفحات المشرقة البيضاء تأسيساً وتأصيلاً عملاً وتطبيقاً وهداية وإرشاداً، ثم نحن بعد ذلك في مجتمعات الإسلام نقول بمثل هذا.

 

وأختم بأن كل ما دخل إلى الإسلام وبقي فيه اليوم من هذه النعرات إنما هو الأصل من أعداء الإسلام، سيما ما يدّعى من تلك الأصول العرقية، فالفارسيون والفرس كانوا قبل الإسلام يألهون ملوكهم ويعظمونهم، وكانوا يعتقدون أن هؤلاء من جنس وعرق وهؤلاء كذلك، فلما جاءت عظمة الإسلام وأطلقت المساواة في أعظم صورها الإنسانية، لم يرضهم ذلك فعادوا يريدونها اليوم فارسية كسروية، ألبسوها لباساً يدعون أنه شيعية وإمامية، وكذبوا وإنما في حقيقتها إبطال لهذه الإنسانية، ومنع لتلك المساواة التي قال فيها سيد الخلق -صلى الله عليه وسلمَ- عن نفسه وهو الذي قال: "أنا سيد آدم ولا فخر"، لكنه كان يقول: "إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة"، وكان في تواضعه يأتي القادم إليه فلا يكاد يعرفه من بين أصحابه، وهذا كثير وكثير في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه -صلى الله عليه وسلمَ- متبعين.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

                        

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم بها العبد على مولاه، وإن من هذه التقوى التحقق بمقياسها الأعظم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13]، وتأكيد مساواة المسلمين جميعاً بلا تفريق بينهم، إلا بما يقدمهم عند الله -عز وجل- وهو تقواه سبحانه وتعالى.

 

ولابد -أيها الإخوة الكرام-: أن نكون صرحاء مع أنفسنا، فنحن اليوم غزتنا هذه الصور التي نفرق فيها بين مسلم ومسلم على أسس غير إسلامية بحال من الأحوال، وغير إنسانية بالتبع بكل حال، ونرى ذلك في صور كثيرة في الأعمال والرتب، وفي الخدمة والمساعدة، وفي كل جوانب حياة اليوم، حتى في الزواج والطلاق، عادت صور الجاهلية، فهذا قبلي وذاك غير قبلي، وهذا كذا وهذا كذا، مع أن مراعاة النسب في الجملة مطلوبة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- تعلمون كم ضرب من الأمثلة في هذا الباب، وكيف زوج زينب بنت جحش ابنة عمته -رضي َالله عنها- بزيد بن حارثة، وتنزل القرآن في ذلك من بعد، وكل هذا يقودنا إلى أن المقياس الأعظم والأوحد في حياتنا كلها وفي سائر جوانبها إنما هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلمَ-، ودعك من المقاييس والأعراف الاجتماعية إذا عارضت ذلك، ومن باب أولى دعك من المقاييس والقيم الدولية إذا ناقضت شيئاً من ذلك.

 

والأمر الثاني المهم -أيها الإخوة الكرام-: أننا ممتحنون في تطبيقنا لإسلامنا ليس بالصلاة والصوم فحسب، وإنما بهذه القيم الإنسانية الأخلاقية العملية المجتمعية، التي تمثل نبضاً لهذا المجتمع المسلم، وقوة فيه وتوحداً يظهر تماسكه، ويظهر أنه بالفعل كأسنان المشط سواسية، لا فرق بين أحد وأحد إلا بتقوى الله وبما يقدم لعباد الله، ذلكم ما ينبغي أن نكون صرحاء فيه مع أنفسنا، ونحن في هذا المجتمع على وجه الخصوص تكثر في هذه الأيام هذه النبرات التي هي مقيتة.

 

وأختم بهذا المقت الذي جاء مشتملاً عليه في حديث النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، لما تزاحم أنصاري ومهاجري على الماء، فقال ذاك: يا للأنصار! وقال هذا: يا للمهاجرين! واختلفوا فكسع الأنصاري المهاجري، أي دفعه دفعة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلمَ- قال: "أبدعوى الجاهلية؟" ثم قيل له: إن فلاناً كسع فلاناً، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلمَ-: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"، وحسبنا بهذا الوصف سواء بالفعل أو بالتفريق، ومن فقه الإمام البخاري -رحمه الله- وقد عقد باباً للمناقب والمناقب قائمة، المناقب قائمة بما أثبته النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في حديثه وبما ذكره من فضائل أصحابه، لكن تلك الفضائل إنما هي منصوص عليها بالوحي، ولأمر من العمل الصالح الذي قام به ذاك أو هؤلاء أو أولئك، بما خدموا دين الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك جعل البخاري في هذا الباب باب المناقب أو كتاب المناقب آية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13] ليدل على أن هذا التفاضل لا ينقض أصل ذلك التساوي في خلقة الإنسان، وفي كرامة الإنسان، وفي الإيمان والإسلام الذي يوحد بين المسلمين.

 

فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه،

 

اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا اللهم من عبادك المؤمنين، ومن جندك المجاهدين، واكتبنا اللهم من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آملنا.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :