مختصر خطبتي الحرمين 16 شعبان 1438هـ                 يونيسيف: ارتفاع وفيات تفشي الكوليرا في اليمن إلى 209                 سوريا.. قلق أممي إزاء ‘سلامة‘ 400 ألف شخص الرقة إثر                 العراق:‘العبادي‘ يعترف بتنفيذ مليشيات طائفية لعمليات خطف                 فلسطين ترحب بالموقف الأمريكي من حائط البراق في القدس                 واشنطن تعلن معارضتها لمشاركة البشير في قمة الرياض                 تحذير أممي من تزايد الهجمات ضد المسلمين بأفريقيا الوسطى                 الأحوازيون يرفضون الحل الأمريكي لقضيتهم                 تصاعد التوتر بين تركيا وألمانيا                 الكشف عن “رقم صادم” لعدد قطع السلاح في ليبيا                 أخبار منوعة:                 وقفات مع قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}                 متى نصر الله؟                 مفهوم التجديد لدى أهل السنة                 زوجتي                 البحارة                 الحكمة من النهي عن البيع في المسجد                 «الناس معادن»                 فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي والمسألة الأخلاقية                 ناصح بالنهار .. خصيم بالليل !                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(الصحبة السيئة ومضارها) خطب مختارة
(الصحبة الصالحة ومنافعها) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة لا تخافوا وخافوا اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13848 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي السياسة والشأن العام التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة   تاريخ النشر 20/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/الحرب الشرسة على الإسلام وأهله 2/الإسلام محفوظ وفي أنفسنا مكمن الخوف 3/حرب الشبهات وانقلابها لصالح الدين 4/خطورة التطبع مع المنكرات والسباحة مع التيار 5/أهمية التربية على الورع
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
الخوف علينا، ولا خوف على إسلامنا، لا تخافوا وخافوا، لا تخافوا على الإسلام، وخافوا على أنفسكم في تقصيركم في التزام هذا الإسلام.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إخوة الإسلام والإيمان: وصية الله-سبحانه وتعالى- لكم في كتابه المبين إلى قيام يوم الدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

إخوة الإسلام: حرب شرسة تشن على كثير من بلاد الإسلام، وحملة بشعة تكاد لا تستثني شيئاً من أصول وأحكام الإسلام، ويكاد المرء يلتفت يميناً ويساراً فيرى في كل قطر وفي كل حالة ما يمثل هجوماً واعتداءً على هذا الدين وأهله، وهنا يتحدث الناس ويتداولون ذلك، سواء ما يتداولونه من تسلط الأعداء على البلاد والعباد بالقهر والقتل، أو ما يشيعه الأعداء أيضاً من نقض عرى الإسلام، تشكيكاً في القرآن، أو نيلاً من سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم-، أو استهزاءً بالأحكام الشرعية، ونحو ذلك.

 

ويتداول الناس ذلك وهم يخافون، أو عندهم خوف على الإسلام وعلى هذا الدين، إلى أين ستبلغ هذه الهجمات؟ وما الذي ستناله منه؟ وهنا ينبغي أن ننتبه لأمر هو الذي ينبغي أن يشغل بالنا، لا خوف على الإسلام، لا تخافوا على الإسلام،  فالإسلام دين الله، والقرآن كتابه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- رسوله، والأحكام شريعته، والكون خلقه، وهو مدبر الكون -سبحانه وتعالى- وناصر دينه -جل وعلا-.

 

الخوف الذي يسكن قلوبنا هو الخوف على أنفسنا ومواقفنا وتصوراتنا وأعمالنا، أما دين الله -عز وجل- فقد مر كل ذلك به منذ بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- وإلى يوم الناس هذا، الاستهزاء بالدين قد وقع في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأولئك النفر من المنافقين وقد كانوا مع جيش العسرة سائرين إلى تبوك، يتحدثون -والعياذ بالله- عن سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- والصفوة المختارة من أصحابه: ما رأينا أجبن من هؤلاء، أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء!، ثم لما بلغ أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا إنما كنا نخوض ونلعب، إنما هو كلام عابر، لا نقصد ذلك، ويقول غيرهم إنما هي حرية تعبير وإبداع، فيأتي قول الحق -عز وجل-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) [التوبة:65]. 

 

ومضى المستهزئون، وظل القرآن يزداد نوراً ووضاءة، وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- تزداد طهراً ونقاءً، وكل ذلك يمضي، مكر وكيد قد وقع ذلك على مدى تاريخ الإسلام منذ بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكلنا يعلم ما كان في تلك الصفحات التي كاد فيها أعداء الإسلام من كفار قريش ومن اليهود وغيرهم، وقال الله-سبحانه وتعالى-: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران:54] وقال أيضاً فيما مضى من الأمم السابقة: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) [النمل:48-51].

 

بغي وعدوان، قال الحق-سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم) [يونس:23]، (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) [فاطر:43]. 

 

بل الأمر على صورة العموم والشمول في كل الأنواع التي يواجه فيها هذا الدين، فالله-سبحانه وتعالى- قال في محكم كتابه وبليغ آياته ومعجز كلامه -جل وعلا-: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف:8]. 

 

أين النضر بن الحارث الذي كان يأتي بقصص الإسكنديار وغيرها ليصرف الناس عن ما يأتي به محمد -صلى الله عليه وسلم- من الوحي والقرآن؟ لم يبق من ذكره إلا السبة عليه واللعنة له! ولم يبق من قوله شيء يؤثر! وكلام الله-سبحانه وتعالى- محفوظ بحفظه إلى قيام الساعة.

 

أين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهم وغيرهم؟ طويت صفحاتهم بلعنة الله عليهم، وباندثار ذكرهم وتاريخهم؛ وسيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ما من بقعة من بقاع الأرض إلا وفيها لها ذكر أو صلة...

 

أين الذين تجبروا واعتدوا حتى على الإسلام والمسلمين عبر تاريخهم؟ أين هولاكو وأين قازان وأين نابليون؟ أين هؤلاء كلهم؟ انتهى تاريخهم وبقي الإسلام عظيماً، وبقي الإسلام شامخاً.

 

فلا خوف على الإسلام، بل الخوف علينا نحن معاشر المسلمين، وانظر ما شبه به المشبه:

كناطح صخرة يوما ليوهنها *** فلم يضرْها وأوهى قرنه الوعل

 

القرآن، كم تكلم فيه المستشرقون وشككوا فيه وأتوا بالشُّبَهِ! لم يبق أحد منهم إلا وكانت شبهته قوة لهذا الدين ببيان لحظها وتفنيدها وبيان خطئها، وإظهار عزة القرآن وإحكامه وقوة حجته، وذلك غيض من فيض وهو كثير.

 

أين الذين تكلموا عن الإسلام والمسلمين وشككوا في الشرائع الإسلامية؟ واليوم ينطق العلم وتثبت الأبحاث وتتوالى التجارب لتؤكد أن كل حكم من أحكام الإسلام يأتي على تمام المصالح ويدفع كل المفاسد، في الجانب الصحي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، إن جئت لتحريم الربا أو جئت لتحريم الخنا أو الخمر أو الخنزير أو غيره، كل ما جاءت عداوة وكل ما جاء هجوم انقلب بفضل الله -عز وجل- لصالح هذا الإسلام وإظهار حجته وإعلاء رايته، ونشر نوره.

 

فهذا دين الله-سبحانه وتعالى-، وهو الذي تكفل بحفظ كتابه، وبحفظ هدي رسوله -صلى الله عليه وسلم- وببقاء هذا الدين، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال -وقوله حق وصدق، عليه الصلاة والسلام-: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ" كما أخبر -عليه الصلاة والسلام-.

 

مات هؤلاء المعادون وطوي ذكرهم وبقي إسلامنا العظيم، وحتى على مستوى المواقف الفردية في القضايا التي كانت لها في التاريخ ذكر، هذا المأمون وكان خليفة حاكماً، وتقلد واعتنق عقيدة فاسدة، وسوّل له من حوله من علماء السوء أن يحمل الناس عليها، ويجبر الأمة على القول بها، وكانت مواقفه المعروفة، وكان من أولئك إمام أهل السنة أحمد بن حنبل -رحمه الله-، فأمر بأن يسأل ويمتحن، فثبت على قول الحق ومعتقد الصدق، وسجن وجلد، ثم دعي به من بغداد ليؤتى به إلى الخليفة، فدعا الله-سبحانه وتعالى- أن لا يرى وجهه، فمات قبل أن يبلغه، فمات قبل أن يصل إليه.

 

وجاء من بعده المعتصم، فجاء به ثم أوغر صدره عليه بعد أن ثبت على ما هو عليه، فأمر بسجنه ثم جلده مرة أخرى.

 

ثم مضى المعتصم وجاء الواثق، وجاء بغيره من العلماء يسألهم ويناظر من معه من العلماء، فكانت له حجة بليغة، قال: أبدأ أنا، فسألهم هذه المقولة التي تقولون، هل قال بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-، قالوا: لا، قال: إذاً هل جهلوها أو علموها؟ فقال: بل جهلوها، قال: يجهلها محمد -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وتعرفها أنت يا ابن أبي دؤاد؟ قال بل علموها، قال: فهل حين علموها ذكروها للناس وحملوا الناس عليها؟ قال: لا، قال: أفلا يسعكم أن تسعوا ما وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر، فعلت حجته، فتغير الواثق، وأطلق العلماء وأعاد نشر السنة، وطويت صفحة مرت بها فتنة، لكنها، ما كانت إلا بثبات وبجهد قليل والله -عز وجل- سخر.

 

من كان يظن كيف يجري لطف الله-سبحانه وتعالى- في قصة يوسف -عليه السلام- من غيابة الجب، إلى ظلمة السجن، إلى سدة الحكم، إلى لقاء الأهل إلى تحقق الرؤية، سبحانك ربي! إن ربي لطيف لما يشاء!.

 

من كان عندما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- محاصراً في الأحزاب هو وأصحابه مع شدة برد وشدة جوع وشدة خوف وفي كرب شديد، ما كان عندهم إلا التجاؤهم إلى الله والحيلة التي يأخذون بها الأسباب، رجل واحد فرق الصفوف، وريح أطفأت النيران، وأكفأت القدور، (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب:25]. 

 

الله -جل وعلا- كفيل بدينه، ولكنا نحن الذين نحتاج أن ننظر إلى حالنا، أما الإسلام إذا حاربوه اشتد، وإذا وادعوه امتد، وذلك في كل لحظة وآن، انظروا: كلما هاجموا الإسلام من تلك البلاد شرقاً وغرباً كلما رجع أهل تلك البلاد يبحثون ويسألون وإذا بهم في كثير من أحوالهم إلى دين الله يهتدون، وله يعتنقون، ويتحولون إلى دعاة الله، وكم رأينا من أولئك كثرا!.

 

لكننا نحن الذين نريد أن ننظر في حالنا: هل نثبت أم نتراجع؟ هل نقول بالحق أم نبدل ونتلون؟.

 

هذا موقف عظيم جليل من سيرة الأصحاب -رضوان الله عليهم-، لما كان مهاجرو الحبشة في أرض الحبشة عند النجاشي، بعثت قريش عمرو بن العاص وعبد الله ابن أبي ربيعة لكي يطلبوا منه أن يرد إليهم أولئك السفهاء -بزعمهم-، فما قبل منهم، ففي اليوم التالي قال عمرو بن العاص -داهيةٌ واسعُ الحيلة والذكاء- قال: والله لآتينهم غداً بما يبيد خضراءهم، فقال عبد الله بن أبي ربيعة قال: هم أهلنا وبنو عمومتنا! فقال لأقولنّ له غداً إنهم يقولون إن عيسى عبدالله ورسوله. والنصارى لا يقولون ذلك، وهم في حكم النصارى، والنجاشي حاكمهم وعلى دينهم.

 

فبلغ المسلمين ذلك فاجتمع القوم، قالوا: ما نقول؟ فقالوا: نقول ما جاءنا به الله -عز وجل-، وما جاءنا به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكائن في ذلك ما كان، فلما جاء اليوم الذي يليه تقدم جعفر، ولما سئل قال: نقول ما جاء في كتابنا وما جاءنا عن نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فنكس النجاشي رأسه ثم أخذ عوداً ونكت به في الأرض، وقال: ما عدا ابن مريم ما قلت إلا كما هذا العود، أي صدّق قوله، ووافقه على الحق الذي هو دين الله-سبحانه وتعالى-.

 

وكم في أمتنا اليوم من يقول إن هذا هو الإسلام، وإنه فيه كذا وكذا، فيغير ويبدل، خف على نفسك أن تكون متلوناً في دين الله!.

 

وانظر إلى ذلك الفتى الصغير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سمع كبار القوم وهم منافقون يقولون ما قالوا في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، قال: كذبتم، ثم مضى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبلغه غيرةً لدين الله، وحمية لدين الله، وذوداً عن دين الله-سبحانه وتعالى-، ذلك واجبه، وأما أمر الله فهو ينفذه ويمضيه.

 

لكن أنت؛ أين موقعك من دينك؟ أين غيرتك على دينك؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخبرنا في الحديث الصحيح: "إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِىَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ". 

 

تفقد غيرتك في هذه المنكرات من حولك، مهما كان شيوعها وذيوعها، مهما كان إعلانها والمجاهرة بها، مهما كان الفاعل لها والآمر بها، فإن دين الله -عز وجل- أعظم في قلب المؤمن من كل أحد ومن كل شيء، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في إنكار القلب: "وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ".

 

تأمل حديث حذيفة، يروى مرفوعاً وموقوفا: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". 

 

هل تطبعنا مع تلك المنكرات فصرنا لا نرى فيها شيئاً، ولا نرى فيها حرجاً، ولا ننظر إليها على أنها مخالفة لما جاء في كتاب الله وهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ هل نتعامل بها كما يتعامل الناس في شرق الأرض وغربها فنقول: إن الاقتصاد كله قائم على الربا فكيف نتعامل بدونه؟! ونقول: إن المساواة المزعومة بين الرجال والنساء قائمة في كل الدنيا؛ فلماذا نحن نستثنى منها؟! أم نقول: إن هذا دين الله، وإنه الكمال المطلق، وإنه الحق المطلق، وإنه الذي فيه خير الدنيا ونجاة الآخرة.

 

ونحن نعلم ما كان من شأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، حبيب بن زيد لما كان عند مسيلمة، يقولون له أشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله، فيقول: لا اسمع لا أسمع، فيجدع أنفه وتقطع أذنه وهو ثابت صامد حتى يلقى الله -عز وجل- وهو على دينه لا يرده ذلك، وحكيم بن حزام بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يخر إلا واقفاً، أي يثبت ولا يرجع ولا ينكس ولا يتنازل ولا يبدل، حتى يلقى الله-سبحانه وتعالى- على ذلك، وكعب بن مالك، الشاب الذي كان أشب الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يهجروا خمسين يوماً وليلة، لا كلام ولا سلام، وبعد أربعين ليلة: ردوا نساءكم إلى أهليهم! وهو أشب القوم، وكان يأتي ويشهد الصلاة، حتى جاء رجل من الروم يسأل عنه، عن كعب بن مالك، ثم ماذا؟ سلمه خطاباً من الدولة العظمى، قد [علمنا أن صاحبك قلاك، فالحَقْ بنا نواسك، فما أنت بأرض مضيعة]، تعال لنعطيك اللجوء السياسي، ونعطيك الجنسية، ونعطيك ونعطيك، قال: "فلما كان ذلك أخذتها فسجرتها في التنور"، ووالله إنها الفتنة! كل ما مر لم يكن شيئاً، لكن أن يطمع فيه أعداء الله فيظنوا أنه يمكن أن يلين أو يبدل أو يستجيب لغير دين الله، كان ذلك موقفاً عظيماً، سجر لأجله هذه الرسالة في النار حتى لا يبقى لها أثر، ولا يبقى لها عنده ذكر ولا اعتبار، لم يفكر لحظة، لم يتردد، لم يشاور؛ لأن الأمر دين الله-سبحانه وتعالى-، لأن الأمر كتاب الله وسنة رسوله، لا يشاور فيه أحد، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36]. 

 

تفقد نفسك وخَف على نفسك! هل انجرفت مع التيار الذي يتلاعب بالألفاظ فيسمي الربا فوائد، ويسمي الخمر مشروبات روحية، ويسمي العري والفسق فناً، ويتبدل ويتلاعب بذلك، في أمور ليست في دوائر الخلاف الفقهي، بل في أمور واضحة الصراحة في الحرمة التي لا مجال فيها بحال من الأحوال،  وهذا أيضاً فيه أمر كثير.

 

وانظر كذلك إلى الخطر الذي يحذرنا منه النبي -صلى الله عليه وسلم- ويخاف علينا منه، وأحسب أنه لو قلته واكتفيت به لأغنى عن كثير، بل عن كل ما نحن فيه من الأحوال، روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصعد المنبر ثم قال: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِى مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا" رواه البخاري في صحيحه.

 

نسأل الله-سبحانه وتعالى- أن يؤمننا في ديننا، وأن يؤمننا في تمسكنا بكتاب ربنا وهدي نبينا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

 

معاشر المؤمنين: الخوف علينا، ولا خوف على إسلامنا، لا تخافوا وخافوا، لا تخافوا على الإسلام، وخافوا على أنفسكم في تقصيركم في التزام هذا الإسلام.

 

وهذا مرة أخرى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين لنا المواطن المخوفة، كما أخبرنا -عليه الصلاة والسلام- "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا"، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ". 

 

وأحسب أننا ينبغي أن نخاف ذلك، لأن الدنيا اليوم صارت من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا، تجابهنا في الشاشات أمام أعيننا، وفي الطرقات، في سياراتنا، وفي كل مكان، حتى إن المرء لا يكاد يخلص إلى نفسه لينال حظه الأساسي الجوهري الذي يكون قائداً ورائداً في حياته وهو دينه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما روى الترمذي بسند حسن صحيح عن ثوبان -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ"، هذا مكمن الخوف، وليس مكمن الخوف في الإسلام، فالقرآن ثابت لن يتغير، والسنة دائمة على ما هي عليه، لكن الذين يتلاعبون بدين الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون ويغيرون، أولئك الذين يضلون، هم من أعظم الخطر علينا، وليس في ديننا خطر.

 

والورع أيضاً، وأعني به خوف أن ترق قلوبنا، ليس من رقة الخشوع وإنما أن يخفت فيها ويذوي منها حس التقوى العالي، والورع الحاضر الذي روى فيه أنس -رضي الله عنه- في صحيح مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يسير فرأى تمرة، قَالَ: "لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا"، بأبي هو وأمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وفي الحديث الصحيح -أيضاً- أن الحسن، وكان غلاماً، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم تمراً من الصدقة فأخذ تمرة ليأكلها، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كِخٍ كِخٍ!"، لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: "أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ".

 

هذه تربية الورع التي غابت، وكادت أن تختفي، والذي يكون له منها حظ يكون بين الناس غريباً، ويرونه شاذاً ومعقداً ومبالغاً، ونحو ذلك.

 

ومر بنا -وكررنا مرات- حديث أنس بن مالك، أيضاً عند البخاري في الصحيح: "إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات".

 

انظروا كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم الصحابة، عدي بن حاتم، مشهور بالصيد وكثير من أحاديث الصيد مروية عنه؛ لأنه يسأل، فجاء فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنا نتصيد بهذه الكلاب، فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ تَأْكُلْ".

 

هكذا يعلمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يستبرئ المرء لدينه، كيف يمتنع عما فيه شبهة، كما كان الحسن يقول: "كانوا يدعون مالا بأس فيه مخافة أن يكون فيه بأس".

 

واليوم، تعملون ما فيه بأس رجاء أن لا يكون فيه بأس، هذا التغير هو الذي نخاف منه على قلوبنا وأنفسنا، أما دين الله فهو كفيل به.

 

ولذا؛ أختم بالآيات العظيمة في وعيد تنخلع له قلوب المؤمنين،  وينتبهون ويخافون على أنفسهم قبل أن تنقضي الأيام، وتتوالى الأعوام، وتنتهي الآجال، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) [المائدة:54]. 

 

واستمع كذلك: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد:38].

 

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.

 

فانظروا -معاشر المؤمنين- إلى مواقفكم من دينكم، وصلتكم بربكم، وحرصكم على تدبر كتاب الله -جل وعلا-، واقتفاء سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر الاستطاعة، وتربية النشء والأبناء على الإسلام والسنة، فذلك الذي بيدكم وهذا هو الواجب عليكم، وهذا الذي تسألون عنه بين يدي الله-سبحانه وتعالى-، فخافوا على أنفسكم من تقصيركم وتفريطكم، وما يجره ذلك على نفوسكم وقلوبكم، بل وعلى عقولكم وتفكيركم، وأما دين الله فغالب: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40].

 

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، تول اللهم أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

 

اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :