مختصر خطبتي الحرمين 17 من رجب 1438هـ                 اليمن: قوات الحوثي وصالح تستخدم ألغاما أرضية                 تدمير 1000 مسجد في سوريا على أيدي نظام الأسد                 هيئة علماء المسلمين تتحدث عن جريمة حرب بالموصل                 الاحتلال الصهيوني يعاقب الأسرى المضربين                 السعودية: حجب 612 ألف رابط.. 92 % منها ‘إباحية‘                 اردوغان: الديكتاتور لا يأتي بصناديق الاقتراع وإنما بانقلاب عسكري                 الصلابي: مدخل الاستقرار في ليبيا هو المصالحة الوطنية                 سلطات ميانمار تفرض غرامات مالية على الدعاة المسلمين في أراكان                 الكشف عن رسالة سرية من طهران إلى ‘ترامب‘                 أخبار منوعة :                 اليابان بلد العجائب                 نسخ المشاعر                 التيارات العلمانية العربية والجاهلية السياسية                 الطُّرق الموصلة للبركة                 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله                 العلم كأساس من أسس التربية الإيمانية .. (1)                 أيها الناعقون الى متى؟                 كوني سلعة!                 (آه) لو فكرتُ قليلًا لما تصرفت هكذا مع طفلي .!                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(النصيحة وآدابها) خطب مختارة
الأخلاق المذمومة (الفحش والبذاءة) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة كنزان عظيمان اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13849 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي أحوال القلوب, هدايات السنة النبوية التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة 7/6/1438 هـ تاريخ النشر 21/6/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ وصية هامة للمقربين 2/ أعظم الدعاء وأشمله وأجمعه 3/ الصبر على البلاء وعدم الجزع 4/ الإكثار من الدعاء في الشدة والرخاء
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
"اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي" لم يكن يدع عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء مع تمامه وفيه طول؛ فهو يجمع هنا كل الأسباب التي يتعلق بها العبد ليكون فيها في أمن وأمان وسلام وعافية. أما العافية في...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إخوة الإسلام والإيمان: وصية الله -سبحانه وتعالى- لكم في آيات القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

معاشر المسلمين: رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلمَ- أعلم الخلق بالله، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا"، وهو كذلك عليه الصلاة والسلام أرأف الخلق بأمته: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128]، وهو كذلك صلى الله عليه وسلمَ أهدى الخلق للخلق، جاء بالرسالة الخاتمة، وأوتي جوامع الكلم، واليوم وقفة مع وصية مركزة خاصة للمقربين منه عليه الصلاة والسلام، بلغتنا -معاشر أمة الإسلام- بهذا الوضوح التام؛ روى أبو بكر الصديق -رَضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يقول: "سَلُوا اللهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَافَاةِ" (رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه الكبرى بسند صحيح).

 

وأمضي بكم خطوة أخرى لنقف مع قريب حبيب لرسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وخصوصية في الوصية والإرشاد، روى الترمذي بسند صححه عن العباس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ؟ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ"، ثُمَّ مَكَثْتُ ثَلاَثًا، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُ اللَّهَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"، هذه وصايا للقريبين من رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- في الدعاء الذي يأخذ رتبة عليا، ومنزلة كبرى، ويشتمل على أعظم ما يحتاج إليه العبد، قال المباركفوري في شرحه على الترمذي في هذه الخصوصية على وجه الخصوص، قال: "في هذا دليل على أن الدعاء بالعافية لا يساويه شيءٌ من الأدعية، ولا يقوم مقامه من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام، والعافية هي دفاع الله عن العبد، فالداعي قد سأل ربه دفاعه عن كل ما ينوبه"، ولذا جاءت على هذه المنزلة الرفيعة والوصية الأكيدة من رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، ولما أعاد العباس قال في شرحه "وقصره على مجرد الدعاء بالعافية، تحريك لهمم الراغبين على ملازمته -أي هذا الدعاء- وأن يجعلوه أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم، ويستدفعون به كل ما يهمهم"، ثم بين كذلك أن الجمع بين الدنيا والآخرة، أصبح به الدعاء عدة لدفع كل ضر وجلب كل نفع، وهذا من جوامع كلمه وحسن هديه وعظيم إرشاده صلى الله عليه وسلمَ، وليس الأمر هكذا، بل إن هذان الأمران، والعافية على وجه الخصوص لها أهمية كبرى في ما كان يهدي ويرشد إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-؛ فقد قال الجزري في عدة الحصن الحصين، قال: "تواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- دعاؤه بالعافية، وورد عنه صلى الله عليه وسلمَ لفظاً ومعنىً من خمسين طريقاً"، وإذا جئنا إلى حاله وهديه بذاته عليه الصلاة والسلام فنقف مع حديث ابن عمر -رَضي الله عنهما- قال: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- يدع حين يمسي وحين يصبح يدع هؤلاء الكلمات".

 

"اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي" لم يكن يدع عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء مع تمامه وفيه طول، فهو يجمع هنا كل الأسباب التي يتعلق بها العبد ليكون فيها في أمن وأمان وسلام وعافية.

 

أما العافية في الدين؛ فالسلامة من كل أنواع الانحراف، في الشبهات والشهوات والفتن والضلالات والزيغ وما يكون من أمور تتقلب بها القلوب، فنسأل الله العافية في الدين ليحفظ إيماننا ويقيننا وتوحيدنا وتشبثنا بسنة نبينا -صلى الله عليه وسلمَ-، فلا شرك ولا ابتداع.

 

والعافية في الدنيا؛ النجاة والسلامة من كل ما يضر العبد فيها، من الرزايا والبلايا والمحن والمصائب، فإن ذلك من أعظم الدعاء وأشمله.

 

وأما السلامة والعافية في الآخرة؛ فهي واسعة، والمراد بها كما قال أهل العلم: "النجاة والوقاية من أهوال الآخرة وكرباتها، ويشمل ذلك عند الاحتضار وعذاب القبر والفزع الأكبر والمرور على الصراط وأهوال يوم القيامة مجتمعة، وما يكون عافانا الله وإياكم من عذاب وعقاب".

 

فانظروا كيف جمع في هذه الكلمات الموجزة، ثم قال كذلك، سأل المعافاة في الأهل، أي وقايتهم كذلك من فتن الدين ومحن الدنيا، والأمر معروف أن كل إنسان مجبول على خوفه وشفقته ورأفته على أهله فيخصهم ويجمعهم في الدعاء، ثم قال: "ومالي"، والمال محبوب للنفس وبه قوام الحياة، والمقصود به سلامة المال من الآفات والمصائب والجوائح، وذلك كله في هذه الكلمات الموجزات من هدي ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

وتأمل هنا الجمع بين اليقين والعافية، هذان أمران ينتظم بهما للعبد شأن الدنيا والآخرة، فاليقين قوام دينه وإيمانه وتوحيده وإسلامه وصلته بربه -سبحانه وتعالى-، وهو أعلى المراتب، فاليقين هو الإيمان الراسخ الثابت الذي لا يتزعزع، وهو المعرفة العظيمة التي لا يعتريها شك، فإذا سلم إيمانه وتوحيده بقي له أمر دنياه، فيسأل الله -سبحانه وتعالى- فيها العافية، فليس شيء يعمل للآخرة يتلقى إلا من اليقين، وهو هذا الإيمان الراسخ، وهو أعلى الدرجات -كما قلنا- وليس شيء من الدنيا يطيب إلا مع العافية، سبحان الله! قد تملك المال لكن إذا لم تكن معافىً في بدنك ما نفعك المال، وقد تملك المال وعافية البدن، لكن يركبك الهم والغم وسوء الظن -سلمنا الله وإياكم- فيجمع هذا بين هذا وهذا.

 

وهنا مسألة مهمة كذلك عالجها لنا هدي المصطفى -صلى الله عليه وسلمَ- في سيرته، فقد روى مسلم في صحيحه: أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- عاد رجلاً -أي مريضاً- قد خفت حتى صار مثل الفرخ يعني في شدة مرضه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟" قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلمَ-: "سُبْحَانَ اللَّهِ لاَ تُطِيقُهُ -أَوْ لاَ تَسْتَطِيعُهُ- أَفَلاَ قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ.

 

وهنا أمر مهم هو الذي نحتاج إلى الوقوف عنده، لا تسألوا الله البلاء، ولا تطلبوه فإن هدي النبي -صلى الله عليه وسلمَ- يقول: "سلوا الله العافية" إذاً، متى يكون الصبر إذا قدر الله البلاء، وهذا الذي جمعه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في هديه وإرشاده لما قال: "لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا" (رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى -رَضي الله عنه-)، "لا تتمنوا لقاء العدو"، لا تطلب من الله -عز وجل- أن يبتليك؛ لأنك لا تعلم ما يكون عليه حالك إذا قدر عليك البلاء، هل تصبر أم تجزع هل تثبت أم ترجع؟ نسأل الله -عز وجل- السلامة والعافية، فنسأل الله العافية، ونسأله إن قدر علينا بلاءً والبلاء مقدر ولا شك أن يعيننا بالصبر واحتساب الأجر، وتسهيل الأمر كما ذكر أهل العلم.

 

وهنا أيضاً مسألة مهمة -معاشر الإخوة الأكارم-: الله -عز وجل- منّ علينا بالعافية كثيراً، فنحن في عافية من أبداننا في جملة حالنا، ونحن في عافية من أحوالنا في استقرار أمننا، ونحن في عافية من أمرنا في بسط رزقنا، فالذي يكون في العافية ويرى أهل البلاء، ينبغي أن يعظم نعمة العافية ويجدد سؤال الله -سبحانه وتعالى- له بالعافية، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أنه قال: "مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، إِلاَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلاَءِ كَائِنًا مَا كَانَ" (رواه الترمذي في سننه وحسنه من حديث أبي هريرة)، فنحن نرى البلاء اليوم ينزل هنا وهناك، في الأرض وفي العباد قريبون منا وبعيدون، أفلا نجدد حمد الله -عز وجل- على عافيته وعلى نعمته، وتجديد السؤال بأن يصرف عنا ما ابتلى به غيرنا، وهذا يعظم صلة العبد بربه، ويجعل قلبه موصولاً به، ويدرك أن حاله منوط بما يكون من أمره مع ربه -سبحانه وتعالى-، ومن هنا ذكر ابن بطال في شرحه على البخاري: أن الصديق أبا بكر -رَضي الله عنه- كان يقول: "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر"، وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" هذه الجملة عن مطرف بن عبد الله، وهذا المعنى أيضاً يدلنا على التوازن الذي نحتاجه، سلوا الله العافية وسلوه الصبر إن قدر البلاء، والبلاء مقدر ولا شك، ولا تكون الدنيا على حال واحدة مما يحب العبد ويرغب فيه، فذلك ليس من سنة الله.

 

ومن هنا ينبغي أن نرى الجمع بين هذين الأمرين وتغليب السلامة والعافية وطلبها، وطلب صرف البلاء وطلب الصبر على البلاء إذا قدره الله -سبحانه وتعالى-، قال ابن الجوزي -رحمه الله- في بيان هذا المعنى: "السعيد من ذل لله -سبحانه وتعالى- وسأل العافية، فإنه لا يوهب العافية على الإطلاق، إذ لا بد من بلاء، ولا يزال العاقل يسأل الله العافية ليتغلب على جمهور أحواله، فيقرب الصبر على سبيل ما يأتي من البلاء، ففي كل -وهذا مقدر- ففي كل جرعة غصص وفي كل لقمة شجن والعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر وتسهيل الأمر ليذهب زمن البلاء سالماً من شكوى، ثم يستغيث بالله -سبحانه وتعالى- سائلاً العافية"، فيجمع بين هذا وهذا، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- العافية، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يلهمنا ذكره وشكره على نعمه، ونسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا ممن يعتبرون بما يقع من البلاء في غيرنا وفي غير بلادنا وفي غير أحوالنا، وذلك كله يدلنا على وجوب الحرص على الاستجابة والاستقامة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24] أين نحن من هذا الالتزام الذي نفعل فيه ما يأمرنا الله به -عز وجل- ونجتنب ما ينهانا عنه؟ وأين نحن كذلك من قوله سبحانه وتعالى والبشارة الربانية في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]، وكذلك الأمر الرباني في قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ) [هود: 112]، هذه كلها دلالات على أن طلب العافية وسؤالها ينبغي أن يكون له عربون -إذا صح التعبير- في الاستجابة والاستقامة والتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى-، ومن ثم دوام سؤاله العافية واليقين حتى يحفظ الله علينا أمر ديننا ودنيانا، ويحفظ علينا أيضاً أهلنا وذرارينا وأموالنا وسائر أحوالنا، وذلك كله مؤكد في كل وقت كما رأينا في هدي النبي -صلى الله عليه وسلمَ- أنه لم يكن يترك ذلك حين يمسي وحين يصبح في كل يوم يدعو به ربه ومولاه.

 

نسأل الله -عز وجل- أن يعافينا من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ علينا ديننا وإيماننا وإسلامنا، ويصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن.

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، وسلوا الله -سبحانه وتعالى- العافية من الفتن والمحن، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يلهمنا ذكره وشكره وحسن عبادته.

 

إذا تأملنا -معاشر المؤمنين- فيما أوجزه هدي النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وجوامع كلمه، في الجمع بين اليقين والعافية، وسؤال الله -سبحانه وتعالى- لهما، وأنه ليس هناك أعظم ولا خير من اليقين بعده إلا العافية، فذلك يدلنا على التماس ذلك الطريق، ومن هنا قال بعض أهل العلم: "أكثر من سؤال الله العافية، فإن المبتلى إذا اشتد بلاؤه ليس بأحق من الدعاء من المعافى الذي لم يأته البلاء"، وهذا يدلنا على وصية النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ" نحن نكثر الدعاء في حال الأمن والأمان والاستقرار، وينبغي أن يكون لهيجةً به ألسنتنا، حيةً به قلوبنا، حاضراً في أذهاننا وخواطرنا، دائماً في أحوالنا وأقوالنا، لا أن يكون دعاؤنا فحسب إذا وقع البلاء -أعاذنا الله وإياكم- وإنما هذا الدعاء هو جوهر العبادة ومخ العبادة كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، قال: "وَمَا الْمُبْتَلَوْنَ الْيَوْمَ إِلا مِنْ  أَهْلِ الْعَافِيَةِ بِالأَمْسِ، وَمَا الْمُبْتَلَوْنَ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلا مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ الْيَوْمَ".

 

فإن الأحوال تتقلب وتجري بها سنة الله -سبحانه وتعالى-، فلذا كان النبي -صلى الله عليه وسلمَ- يسأل الله دائماً أن يجمع له أمر استقامته على أمر ربه في شتى الأحوال، فكان يسأل الله القصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا؛ لأن تقلب الأحوال قد يتغير معه موقف الإنسان، فقد يشكر من يجد النعمة، لكنه قد لا يصبر عند النقمة والمحنة، فلذا دائماً يغلب الإنسان سؤال الله العافية ويجتهد كذلك في طاعة ربه، ودوام ذكره والدعاء له في كل الأحوال، وخاصة أننا في هذا الزمن نمر بعواصف هائجة مائجة في هذين الأمرين، عواصف تقتلع الاعتقاد والتوحيد والسنة بسيل من هذه البدع المرجفة، والتكفير والتفجير والتدمير والإلحاد وكثير من الأمور التي نراها اليوم، وتبث صباح مساء، ونسمعها ونرى صورها وتفتن أجيالنا وأبنائنا كما أشرنا من قبل، فينبغي أن نعظّم السؤال ونعظم العمل لحفظ إيماننا واعتقادنا بالله، بالعلم والسؤال والاجتهاد في الطاعة، وكذلك جوائح كثيرة في شأن الأمر الدنيوي مما نرى من تهجير ومن تدمير ومن قتل ومن حرق ومن أمور ومصائب عظيمة في غاية الشدة، ابتلي بها كثير من إخواننا المسلمين في كثير من البقاع والبلاد، وهي كذلك تمر بتفاوت في كل حال وفي كل ساحة وفي كل بلد، فينبغي للمرء أيضاً أن يوطن نفسه على الصبر، وحمد الله وشكره -سبحانه وتعالى- على كل ما يقدر، فنجمع بين هذا وذاك، فإننا في زمن عسير قد ابتلي اليقين والإيمان بهذه الفتن المزلزلة والضلالات المشككة.

 

وقد ابتلي أمر الاستقامة والحمد والشكر والابتلاء الذي قد لا يصبر عليه بعض الناس، فيحصل له من الجزع ما يحصل من ارتداد عن دينه أو ترك لاستقامته أو تحول عن سنة نبيه -صلى الله عليه وسلمَ-، مع فتن الإغراء والإغواء والترهيب والترغيب وتنوع ذلك كله، فينبغي لنا أن نسأل الله العافية في ذلك، وينبغي لنا أن نجتهد في هذه المعاني، سيما في أسرنا وأبنائنا، ذكروهم بنعمة الله، ذكروهم بالحمد والشكر على نعم الله، ذكروهم بسؤال الله العافية، ذكروهم بأهمية حفظ اليقين والتوحيد والإسلام والطاعة والاستجابة والاستقامة، وأعينوا أنفسكم على كل ذلك.

 

نسأل الله -عز وجل- أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين ولهدي نبيه -صلى الله عليه وسلمَ- متبعين.

 

اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

 

اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم ارحمنا برحمتك وتولنا برعايتك، وأحسن خاتمتنا وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :