بمناسبة بداية رمضان

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-02-19 - 1447/09/02
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/فضائل شهر رمضان 2/فضل الصيام وأهميته 3/كثرة أبواب الخير والطاعات في شهر الصيام 4/فضل السحور وأهميته 5/فضل تفطير الصائم 6/حُسن الإيمان والاحتساب لصيامه وقيامه.

اقتباس

فيا خسارة مَن يجعل ليله في رمضان مرحًا وانتهاكًا لحرمات الله، ويجعل نهاره في الكسل والنوم والغفلة والاستطالة للنهار، ويا سعادة من حفظ ليله ونهاره بالطاعة والاستقامة فنال من ربه الغفران والعتق من النيران...

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الذي فضَّل شهر رمضان على سائر الشهور، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام وخصَّه بخصائص أخرى فأنزل فيه القرآن، وجعله موسمًا لمضاعفة الحسنات والعفو عن السيئات، فسبحانه من إله عظيم وملك كريم، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأسأله المزيد من فضله.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والعطاء والمن والإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد ولد عدنان، وخير من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جمعوا بين الشجاعة على الأعداء وحُسن العبادة للملك العلام، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فلا يخفى عليكم أهمية هذا الشهر وفضله، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُبشِّر بقدومه، فنسأله -تعالى- أن يجعله مستهلاً علينا جميعًا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن يُوفِّقنا فيه لأتم الصيام والقيام، فهو سيد الشهور، فيه أنزل القرآن وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، وموسم شريف للمنافسة في الخير وطلب الجنة والعتق من النار.

 

 ومما يدل على فضل الصيام وأهميته فيما بين العبد وبين ربه ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله -عز وجل-: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرح يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه".

 

وفي رواية للبخاري: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها"، وفي رواية لمسلم: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله -تعالى- إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك".

 

وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجنة بابًا يُقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد".

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".

 

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة".

 

وفي فضل السحور وأهميته ما روى أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تسحروا فإن في السحور بركة"، وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".

 

وفي تعجيل الفطر ما روى سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله -عز وجل-: أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا".

 

وفيما يستحب الفطر به روى سلمان بن عامر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور"، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتُمَيرات، فإن لم تكن تُمَيرات حسا حسوات من ماء".

 

أيها المسلمون: وحيث إن الصائم ربما نسي فأكل أو شرب، وخصوصًا في أول الشهر؛ حيث إنه لم يعتد الصوم فعليه أن يُمسك ويتم صومه ولا إثم عليه ولا كفارة ولا قضاء؛ وذلك لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة".

 

 ومما ورد في فضل تفطير الصائم عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء".

 

 ومما ورد في التخيير في الصوم والفطر في السفر ما روى حمزة بن عمرو الأسلمي -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هي رخصة من الله؛ فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".

 

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لستة عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يَعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم".

 

أيها المسلمون: بالتأمل فيما ذكر عن الصيام وفضله وفضل شهر رمضان وآداب الصائم وما أعد الله لصاحبه من خيرات؛ فهل منا من منافس ومسابق لذلك، ومهتم ومُقدر لهذا الشهر قدره، فهذا هو ما نحث النفس عليه.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[سورة آل عمران: 133- 136]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وامتن علينا ببلوغ شهر الصيام والقيام، فسبحانه من إله عظيم وملك كريم، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهو مولانا الحق الذي له نصوم النهار وله نقوم الليل، نرجو رحمته ونخشى عذابه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: فحيث يسَّر الله لنا هذا الشهر المبارك؛ فالله الله في حسن الإيمان والاحتساب لصيامه وقيامه، تذكروا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"؛ قال الخطابي -رحمه الله- في قوله: "إيمانًا واحتسابًا"؛ أي: نية وعزيمة، وهو أن يصوم على التصديق والرغبة في ثوابه طيبةً به نفسه، غير كاره له، ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب، وقال البغوي -رحمه الله تعالى- في قوله "احتسابًا"؛ أي: طلبًا لوجه الله -تعالى- وثوابه.

 

عباد الله: وحيث إن الفرق كبير بين المحتسب والمفرط، في الثواب والعقاب فيا خسارة مَن يجعل ليله في رمضان مرحًا وانتهاكًا لحرمات الله، ويجعل نهاره في الكسل والنوم والغفلة والاستطالة للنهار، ويا سعادة من حفظ ليله ونهاره بالطاعة والاستقامة فنال من ربه الغفران والعتق من النيران، وكان من الذين قال الله فيهم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[سورة السجدة:17].

 

 اللهم ارزقنا الجد والاجتهاد والعون والنشاط، ويسِّر لنا كل خير وباعدنا عن كل شر، وضاعف لنا الحسنات وتجاوز عن سيئاتنا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life