عناصر الخطبة
1/تكريم المرأة في الإسلام ورعاية حقوقها 2/العدل الذي يضمنه الإسلام بين الرجل والمرأة 3/المرأة ركيزة أساسية في المجتمع وصلاح الأمة.

اقتباس

أيها المسلمون: قد رأيتم كيف رفع الإسلام مكانة المرأة وكرّمها تكريمًا عظيمًا؛ فجعلها شقيقة الرجل في التكليف، ورفع شأنها أمًّا تُبر، وبنتًا تُحاط بالرعاية، وزوجة تُصان وتُحترم، وأختًا لها حقها ومكانتها، وجاءت شريعة...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها الناس: جاء الإسلام ولم يكن للمرأة أي تقدير، فكانوا يئدونها وهي حية، ويعتبرونها نصف الرجل في الدية والقصاص، فجاء الإسلام وأزال هذه الغمة وبدل هذه الترهات، وما أجملَ قولَ أمير المؤمنين الفاروق عمرَ بن الخطَّاب -رضي الله عنه-: "والله إنْ كنَّا في الجاهلية ما نعدُّ للنساء أمرًا، حتى أنزل الله فيهنَّ ما أنزل، وقسم لهنَّ ما قسم".

 

ومن مظاهر الاهتمام بالمرأة في الإسلام كثرة ورود الإشارة إليها في القرآن الكريم الكتاب المقدس العظيم، فورد ذكر النساء 85 مرة، والأنثى 30 مرة، والأم 28 مرة، والبنت 19 مرة، والأخت 14 مرة. وسمى القرآن الكريم إحدى أكبر سورة باسم سورة النساء، إضافة إلى سورة مريم.

 

عباد الله: المرأة في الإسلام قسيمةُ الرجل؛ مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما النساءُ شقائقُ الرجال"(رواه أحمد وأبو داود والترمذي)، يصدق ذلك قوله -سبحانه-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)[البقرة: 228].

 

والسؤال، لم هذه المساواة؟ لسببين: الأول: لأن البشرية مخلوقة من ذكر وأنثى لا من ذكر فقط ولا من أنثى فقط؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات: 13].

 

والثاني: لأنَّ مناطَ التكليف هو الأهلية، فلكلٍّ من الرجل والمرأة أهليةُ الوجوب، وأهلية الأداء، والله -تعالى- عندما خلق أبوينا كلفهما جميعاً بالأمر والنهي على حدٍّ سواء: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[البقرة: 35] لاحظ (وَكُلَا) و(وَلَا تَقْرَبَا) و(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)؛ أي المساواة في الجزاء.

 

وكما ساوى الإسلام بين الجنسين في الحقوق الدينية، فإنه أثبت لها حقَّها في الحقوق الدنيوية كالتصرُّف، ومباشرة جميع الحقوق، كحقِّ البيع، وحقِّ الشراء، وحقِّ الراهن، وحقِّ المرتهن، والميراث والصداق؛ قال -تعالى-: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)[النساء: 32]، وقال -تعالى-: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)[النساء: 7]، وقال ربُّنا -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النساء: 19].

 

أيها المسلمون: والمرأة في تملُّك الحقوق شأنُها أمامَ الشرع شأن الرجل تمامًا إذا أحسنتْ أوْ أساءتْ؛ يقول -تعالى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[المائدة: 38].

 

وأما عن المساواة في جزاء الآخرة؛ فقد ساوتِ الشريعة المُحْكمة بيْن الرجل والمرأة في الجزاء الأُخروي؛ قال -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97]، وقال -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)[غافر: 40].

 

وعنْ أمِّ سلمة زوْج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّها قالتْ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؛ قالتْ: فلم يَرْعُني؛ أي: يفزعني ويُفاجئني منه يومئذٍ إلاَّ ونداؤه على المِنبر، فإذا هو يقولُ عندَ المنبر: "يا أيُّها الناس، إنَّ الله يقول في كتابه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِلَى آخِرِ الآية أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 35].

 

وروى التِّرمذي في السُّنن وصحَّحه الألباني مِن حديث أمِّ سلمة -رضي الله عنها-: قالتْ يا رسولَ الله، لا أسمع الله ذِكْر النِّساء في الهِجرة، فأنزل الله: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)[آل عمران: 195].

 

عباد الله: قد يظن ظان أن أجور الرجال أكثر عند الله لما يقومون به من شهود الجماعات، والجنائز، والجهاد وغيرها، والصحيح أن أجر المرأة كأجر الرجل متى قامت بأعمال يسيرة: "أتت أسماء بنت يزيد بن السكن -رضي الله عنها- النبي فقالت: إني رسول الله ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأيي: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، وإن الرجال فضلوا بالجمعات، وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله بوجهه إلى أصحابه فقال: هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ فقالوا: بلى يا رسول الله فقال رسول الله انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل أحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال؛ فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بمقالة النبي -صلى الله عليه وسلم-"(رواه ابن أبي الدنيا بسند حسن).

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إلا هو إليه المصير، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، -صلى الله عليه وسلم- وبارك عليه وعلى آله وصحبه..

 

أيها الاخوة الكرام: إن المرأة تمر بمراحل ثلاث: تكون بنتا ثم تكون زوجا ثم تغدوا أمّا، ولكل مرحلة من المراحل الثلاث التي تمر عليها تعيش المرأة أسمى مظاهر العطف والرحمة والعزة والرفعة؛ فإذا كانت المرأة بنتا: فإن الإسلام اعتنى بها أيما عناية وصانها وحفظها وفرض لها حقوقا؛ فمن ذلك العدل بين الأولاد في الهبة؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنها- مرفوعا: "سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء"، ومن الناس من إذا رزق إناثا ولم يرزق الذكور تبرم وتضجر، وتشاؤم وحزن وقد نهى الله -تعالى- عن كل ذلك؛ قال -تعالى-: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)[النحل: 58].

 

ورعاية البنت وتربيتها تربية صحيحة يدخل وليها الجنة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه؛ أي معا"، وعن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جرته، يعني ماله، كن له حجابا من النار".

 

وإذا كانت زوجاً فلها الحقوق الكثيرة بدءاً من اختيار الزوج، وانتهاءً باختيار الفراق عنه بالخلع، وإذا كانت أماً فلا دين في العالم أعلى شأن الأم كالإسلام حتى جعل الجنة تحت قدميها، وجعل من برها بر أخواتها وصديقاتها.

 

أيها المسلمون: قد رأيتم كيف رفع الإسلام مكانة المرأة وكرّمها تكريمًا عظيمًا؛ فجعلها شقيقة الرجل في التكليف، ورفع شأنها أمًّا تُبر، وبنتًا تُحاط بالرعاية، وزوجة تُصان وتُحترم، وأختًا لها حقها ومكانتها، وجاءت شريعة الإسلام لتعطيها حقوقها كاملة؛ فلتجعل الإحسان إليها مقياسًا لكمال الإيمان وصلاح المجتمع؛ وهكذا يتضح أن الإسلام لم يظلم المرأة يومًا، بل حفظ كرامتها، ورعى إنسانيتها، وجعل لها دورًا فاعلًا في بناء الأمة.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-؛ "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليِّ صلاة"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي"، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life