عناصر الخطبة
1/سعة علم الله تبارك وتعالى 2/إحاطة علم الله بكل شيء 3/فضل تعلم العلم النافع 4/آثار وعلامات العلم النافع 5/الحياء من الله تعالى ومراقبته.اقتباس
فيا من همَّ بمعصية، في ليل أو نهار، أو برٍّ أو بحر، لا تنسَ أن العليم يعلم ويرى، ويسمع ويراقب، ولئن نام الخلائق فإن الله لا ينام، ولئن أُغلِقت أبوابُ الدور فإن باب السماء مفتوح، ولئن لم يراك مخلوق فإن الخالق يراك ويعلم بك، فهلا ارتدعنا حياءً من الله ذي الفضل علينا، أن يرانا ونحن في عصيانه....
الخطبة الأولى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....
عباد الله: يطيب الكلام، حين يكون عن الملك العلام، وعن عظمته وتجليها في أسمائه وصفاته، وربنا يحب المدح والثناء فما نصيب هذا في مجالسنا وأحاديثنا، وفي الصحيح "أما إن ربكم يحب الثناء"، "لا أحد أحب إليه المدح من الله -سبحانه-".
حديث اليوم يا مؤمنون: عن اسم واحد من أسماء الباري -سبحانه-، وصفةٍ واحدة من صفاته، ورد من الآيات ما يُجلي للمرء كمالَها لله، ولو استشعرتها القلوب وآمنت بها لأثّر ذلك في عبادات الناس وسلوكهم.
مع اسم العليم نعيش، وفي رحاب صفة العلم لله -سبحانه- نتفيأ، وبرغم أنه اسم واحد فلن نحيط بذكره طرفاً، ولن نقارب، فتبارك ربنا العليم.
وهو العليم أحاط علمًا بالذي *** في الكون من سرٍّ ومن إعلان
وبكل شيء علمه سبحانه *** فهو المحيط وليس ذا نسيان
وكذاك يعلم ما يكون غداً *** وما قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمر لم يكن لو *** كان كيف يكون ذا إمكان
إنه علم الله الذي لم يسبقه جهل، ولا يعتريه غفلة ولا سنة، ولا نقص فيه بوجه من الوجوه.
يصف لك العليمُ شيئاً من علمه في آيةٍ فيقول -سبحانه- (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)[الرعد: 8- 9].
كل أنثى من إنس وجن وحيوان وطير، وفي برٍّ أو بحر، الله يعلم ما حملت، وما تغيض الأرحام، وكل ذلك عنده بمقدار.
لا فرق أمام علم الله بين من جهر في أعماله ومن أسرّ في جميع أحواله، ومن استخفى بالليل، أو عمل في وضح نهار، فالكل يعلمه الله (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ)[الرعد: 10].
ثم تأمل في سعة علم ربك وأنت تقرأ قوله -سبحانه-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[الأنعام: 59].
البرُّ على اتساع فضاءه، والبحرُ على تلاطم مياهه، ربك -سبحانه- لا تخفى عليه في برٍّ أو بحرٍ خافيه، الورقة تسقط يعلمها، والحبةُ في ظلمة الأرض، أو الرطبة واليابسة يعلمها، وفوق ذلك فهي في كتاب مبين
وإذا كان هذا في الظواهر الصغيرة، فعلمه كذلك يسع الخفايا؛ حيث يقول رب البرايا (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[لقمان: 34].
أطباء الأرض قاطبةً لا يمكن أن يعلموا ما في الأرحام، أجلُ الجنين ورزقه، وشقي أو سعيد، أو حتى تحديد جنسه في أوائل مستقره في الرحم، فأين علم البشر من علم الله؟ ولن ينالوا من العلم إلا ما دلّهم الله عليه.
وينزل الغيث بعلمه، ولو اجتمع العلماء على أن يعلموا ما يقع عليك غداً، ما قدروا، بله أن يعلموا الساعة ووقتها.
ثم تأمل قول العليم واصفاً شيئاً من علمه إذ يقول -سبحانه-: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)[سبأ: 2].
ولو أن أهل الأرض جميعاً، وقفوا حياتهم كلها يتتبعون ويحصون، ما يقعُ في لحظةٍ واحدة لعجزوا، فكم من شيء في هذه اللحظة يلج في الأرض من كل صنف، وكم من شيء يخرج منها من نبت ونبع، ومما يُرى ومما لا يرى، ومما يعلم البشر وما يجهلونه، كم فيها من شيء ينزل من السماء من شهاب ومطر وقضاء وقدر، وما يعرج إلى السماء من كل نَفسٍ ونفَس، ودعوةٍ معلنة أو مستترةٍ، فأين عِلمُ العلماء وأين تقدم العلم الحديث؟
يأتي اليهود إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيسألونه عن الروح، سؤالَ تعنت، فيسكت المصطفى؛ ليوحي الله إليه بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء: 85](تفسير ابن كثير 5/113).
فإذا كان المرء عاجزاً عن معرفه حقيقة روحه التي بين جنبيه، ما حقيقتها وما صفتها، فهو لما سواه أجهل.
معاشر المسلمين: إن المرء يوم أن يوقن بسعة علم الله، فإن هذا الاعتقاد لا بد أن يُورِث في القلب أثراً وثمرة: ومن ذلك أن الله إذا اتصف بصفة أحبها وأحب أهلها، وأحبّ الخلق إليه من اتصف بمقتضى صفاته.
قال ابن القيم "إن الله عليمٌ يحب كل عليم، وإنما يضع علمه عند مَن يحبه، فمن أحب العلم وأهله، فقد أحب ما أحب الله"(مفتاح دار السعادة 1/435).
فلتهنأوا يا أهل العلم بهذا الشرف، إن خلصت النيات، فلقد وُفقتم لدرب ورثه الأنبياء.
ولكن: إن العلم يُحمَد يوم أن يَدُلَّ صاحبه على طاعة ربه وخشيته، فأولئك هم أهل العلم (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر: 28].
فماذا تغني علومٌ يعلمها العبد، لا تورث فيه طاعة للرب، فما هي إلا حجة عليه، قال مكحول: "كان رجل يسأل أبا الدرداء فقال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا، قال: فما تصنع بزيادة حجة الله عليك؟".
عباد الله: والمرء يوم أن يتعرف على سعة علم الله، فعليه أن يوقن أن العليم -سبحانه- لا تخفى عليه خافية، فأينما حللت وارتحلت، ومهما أعلنت وأسررت فالله يعلم عنك، فأين تغيب عنه وهو يراك.
فيا من همَّ بمعصية، في ليل أو نهار، أو برٍّ أو بحر، لا تنسَ أن العليم يعلم ويرى، ويسمع ويراقب، ولئن نام الخلائق فإن الله لا ينام، ولئن أُغلِقت أبوابُ الدور فإن باب السماء مفتوح، ولئن لم يراك مخلوق فإن الخالق يراك ويعلم بك، فهلا ارتدعنا حياءً من الله ذي الفضل علينا، أن يرانا ونحن في عصيانه.
الخطبة الثانية:
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد: عباد الله: ويوم أن يوقن المرء بسعة علم الله، فليعلم أنه مهما بلغ من العلم، فما نال إلا اليسير، وأنه لو جمع ما علمه الناس كلهم لم يتجاوز قول المولى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء: 85]؛ فهوِّن عليك يا من نال العلوم الدينية والدنيوية، فما نلت إلا بفضل الله، وما أعطيت من العلم إلا القليل، فاعرف نفسك وقدرك، ولتكن كلما زادك الله علماً، تزداد له خشية ومنه قرباً، أن أنعم عليك وعلّمك.
وفي رحلة موسى للخضر، حينما ذهب يطلبه ليتعلم منه أموراً لا يعلمها، رأى طيراً نقر في البحر فقال الخضر لموسى: "ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من البحر".
عباد الله: وحين يوقن المرء بعلم الله فإن هذا يجعله يطلب العلم من العليم -سبحانه-، فتَعَلُّمك بكل صوره سبب، والتوفيقُ بيدِ العليم -سبحانه-، فالجأ إليه ليرزقك العلم والفهم، فما خاب من توكل على العليم وفعل الأسباب، وحينما يستغلق الذهن عليك، في امتحان أو حفظ أو فهم، فتذكر علم العليم، وانطرح بين يديه، وسل الله أن يفتح عليك علماً وفهماً، وردد "يا مُعلِّم إبراهيم علِّمني".
معاشر المسلمين: ويوم أن يتعرف المرء على سعة علم الله، فإن هذا يورثه تعظيماً لله وإجلالاً، فإذا كانت صفة من صفات كماله لم يُحْطِ الناس بشيء من علمه؛ فكيف بالصفات الأخرى له -سبحانه-.
وبعد: فكم تحتاج القلوب إلى أن تقف مع عظمة الله وتتأمل في أسمائه وصفاته.
ووالله لن يجد الناس أعظم واعظاً وأحسن بياناً وأنفع حديثاً من حديث الله عن أسمائه وصفاته، وثنائه -سبحانه- على نفسه.
وكم يحتاج العبد والشيطان يجاهده على المعصية، أن يتذكر عظمة خالقه لِيُحجِم عن معصيته، وكم يحتاج العبد وهو يقبل على الطاعة: أن يتذكر عظمة ربه ليُخلِص عمله لعالم السرائر.
وإذا كان كل ما مضى هو عيشٌ مع اسم من أسماء الله وهو العليم، فكم في أسمائه من معاني، وفي صفاته من عظمة لو عقلت القلوب (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)[الحشر: 22].
وهل خُلِق الإنسان وأعطي اللسان وعُلِّم البيان، إلا ليعبد ربه ويثني عليه، ولو كانت الأشجار أقلامًا والبحار مداداً، والسماوات ألواحاً والخلائق يُملون الثناء ويكتبون المدح لكانوا فيما يستحقه مقصرين والعجز عن القيام بشكره مقترفين، فهو أحق مَن ذُكِرَ وأحق مَن عُبِدَ، وأولى مَن شكر وأرأف مَن ملك، وأجود مَن سُئِلَ، وأكرم مَن قُصِدَ.
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا....
وصلوا وسلموا....
التعليقات