عناصر الخطبة
1/أهمية العلم النافع 2/فضل طلب العلم 3/أشرف العلوم والمعارف 4/ثمرات العلم النافع 5/من أهم وسائل تعلم العلم النافع 6/نداء لأولياء الأمور والمعلمين.

اقتباس

مَن كانت نيته من العِلم أن ينال شهادة أو ينال وظيفة أو ينال سمعةً ورقيًّا أو ينال مالاً فليس له عند الله إلا ما نوى، ومَن نوى بالعلم أن يرفع الجهل عن نفسه أولاً، ثم يرفعه عن عباد الله ثانيًا، وأن يخدم بهِ دين الله وعباد الله ويرقى ببلده ووطنه، فهذه نيةٌ صالحة يُرجى لصاحبها مُضاعفة الأُجور وقبولها عند رب العالمين...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يُضْلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ، إقرارًا به وتوحيدًا.

 

وَأَشْهَدُ أَنَّ نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي بعثه بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلوات الله وتسليمه عليه، وعلى آلهِ وأصحابه، ومن سلف من إخوانه من المُرسلين، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم وأحبهم وذبَّ عنهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

 

أما بعد عباد الله: فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمون؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً ‌سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

أيها المؤمنون: ثمة عبادة متداخلةٌ مع سائر العبادات، كانت منهاجًا لهذا الدين ولما قبله من أديان الأنبياء -عَلَيهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، كانت هذه العبادةُ وما زالت هي الفيصل بين أهل الإيمان، بين أهل السُّنَّة والقرآن وبين أهل الكفر والشنآن وبين أهل البدع والإحداث، إنها العِلْم.

 

 عبادة الله -عَزَّ وَجَلَّ- بعلمٍ وبصيرة، فطلب العِلم هو من أقصر وسائِل دخول الجنة لما جاء في الصحيح صحيح مُسلم عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "مَن سلك يبتغي به علمًا سهَّل الله -عَزَّ وَجَلَّ- له به طريقًا إلى الجنة".

 

 بالعِلمِ رفع الله نبينا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- من درجةِ عموم العباد إلى درجة المُصطفين الأخيار؛ (‌اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)[العلق: 1-4].

 

وأشرف العلم -يا عباد الله- هو العلم الذي يُوصِّلك إلى مرضاة الله، ويُباعدك عن أسباب سخطه وعُقوباته، هذا هو العلم النافع في الدنيا، وهو العلم النافع في الآخرة، نعم -يا عباد الله-، وبهذا العِلم ميزَّ الله عباده وأولياءه؛ ميَّز بعضهم عن بعض؛ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ ‌أُوتُوا ‌الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[المجادلة: 11].

 

 وبالعلمِ يتميز أهل الإسلامِ من أهل الكفر، وبالعلم يتميز أهل السُّنَّة من أهل البدعة، وبالعلمِ تُقام رايات الدعوةِ إلى الله والقضاء بين الناس في الخُصومات، والرقي في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة، قال الله -جل وعلا- في آخر سورةِ يوسف: (قُلْ هَذِهِ ‌سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[يوسف: 108].

 

أتدرون ما البصيرة؟ إنها العلم الموروث عن كتاب الله، وعن سُنّةِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، به يتمايز أهل الجهالة من أهل العِلم والبصيرة، فمن دعا إلى الله بعلمٍ وبصيرة فهو من رفاق نبينا محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وأهل منهجه وسبيله، أما مَن دعا إلى الله بزعمه على غير علم وعلى غير بصيرة؛ فإنما هي دعايةُ بدعة تنفذ بصاحبها إلى مسالك ودروب الضلالة.

 

 بينما كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- جالسًا مع أصحابه خطَّ خطًا مُستقيمًا وخطَّ عن جنباته خُطوطًا، وقال: "هذا سبيل الله، هذا سبيل الله -يعني الإسلام- وهذه سُبل، على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه، من أجابهم إليه قذفوه في النار، ثم قرأ قول الله -جل وعلا- من آخر الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي ‌مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام: 153]".

 

 ولا يتأتَّى هذا كله -يا عباد الله- إلا بتحصيل العِلم وطلبه والسعي إليه فهو أطول عبادة من المحبرةِ إلى المقبرة، ولهذا احتيج فيهِ إلى النية مرةً بعد مرة؛ لأن النية مطية، ففي الصحيحين عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى"، فنيتك في تحصيل العلم -يا عبد الله- مطيةٌ لك إلى مراقي الصلاحِ والفلاح في هذه الدنيا، ثم بعدها في الآخرة.

 

فمَن كانت نيته من العِلم أن ينال شهادة أو ينال وظيفة أو ينال سمعةً ورقيًّا أو ينال مالاً فليس له عند الله إلا ما نوى، ومَن نوى بالعلم أن يرفع الجهل عن نفسه أولاً، ثم يرفعه عن عباد الله ثانيًا، وأن يخدم بهِ دين الله وعباد الله ويرقى ببلده ووطنه، فهذه نيةٌ صالحة يُرجى لصاحبها مُضاعفة الأُجور وقبولها عند رب العالمين.

 

 نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيهِ من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارًا.

 

الخطبة الثانية:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ‌هَدَانَا ‌لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)[الأعراف: 43]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المُرسلين وسار على نهجهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ عباد الله: إن العِلم لا يُنال بالدَّعةِ والراحة، وإنما يُنال بالجد والاجتهاد والبذل وقيام الليل وسهر الليل ومُكابدةِ النهار بها يترقَّى الإنسان في مراقي العلم، وإنه من العجائب -يا عباد الله- أن يسعى الإنسانُ إلى تعليمِ أولاده وقيامهم إلى المدارس، وهذا حقٌ عليه، ولكنه يتغافل عن قيامهم لصلاةِ الفجر مع الجماعة، وعن أدائهم حقوق الله، وعن قيامهم بفرائض دينه، وانتهائهم عما حرَّمه الله عليهم، إن هذا أعظم تناقُض ينال صاحبه طائِلته وعُقوبته في الدنيا والآخرة إذا لم يرجع إلى ربه -سبحانه وتعالى-.

 

واعلموا -عباد الله- أن هذا العلم ليس أداةً إلى تحصيل مصالح الدنيا وزينتها، وإنما هو أداةٌ لنفعِ عباد الله والقيام بهذه المهام والقيام بحضارات الأُمم والدول، ولا يتأتَّى هذا إلا بالعلم الصحيح والعلم النافع.

 

واعلموا -عباد الله- أن أول مَن تُسعَّر بهم النار يوم القيامة: رجلٌ عالم قرأ القرآن لكن ليُمدح ليُقال عالمٌ وليُقال قارئ، كما أنها أول ما تُسعَّر برجلٍ منفق إنما أنفق ليُقال باذلٌ ومنفق، وكذلك بالفارس الذي إنما أراد أن يُمدح بفروسيته ويُقال شجاع، فكل هؤلاءِ أرادوا بهذه العبادات أرادوا بها غير وجه الله وغير نفع عباد الله؛ فكانت الغائِلة عليهم في الآخرة ولا حول ولا قوةَ إلا بالله.

 

 وهذا الإمام البُخاري -يا عباد الله- إمام المؤمنين في الحديث الذي له أصحُّ كتابٍ بعد كتاب الله بإجماع المُسلمين، من أسباب تحصيله للعلم: أُمّه المرأةُ الصالحة التي ما زالت قائمةً عليه تُنفق عليه وتربيه على العِلم إلى أن أنتجت هذا الفذَّ العظيم من أفذاذ علماءِ المُسلمين.

 

ولا يقل عنه شأنًا الإمام أحمد بن حنبل، فإن أُمّه باعت له مزرعة فما زالت تنفق عليه من غلتها حتى صار إمامًا من أئمة المُسلمين، وهذا يُهيب بكم -أيها الآباء وأيتها الأمهات ويا معاشر الأولياء وأيها المدرسون والمعلمون- القيام بما أُنِيطَ بكم من تحصيل العلم وبذله ونشره وإذاعته وتهيئةِ أسبابه ما يجب عليكم أن تقوموا به.

 

ثم اعلموا -عباد الله- أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمورِ محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللهم وارضَ عن الأربعةِ الخلفاء، وعن العشرةِ وأصحابِ الشجرة، وعن المُهاجرين والأنصار، وعن التابعِ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم عزًا تُعز به أولياءك، وذلاً تذل به أعداءك، اللهم أبرم لهذه الأمةِ أمرًا رشدًا يُعز به أهل طاعتك، ويُهدى بهِ أهل معصيتك، ويؤمر فيهِ بالمعروف، ويُنهى فيهِ عن المنكر يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم آمنا والمُسلمين في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا والمُسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم من ضرنا وضر المؤمنين فضره، ومن مكر بنا فامكر به، ومن كاد علينا فكِد عليهِ يا خير الماكرين، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم من أراد بلادنا أو أراد أمننا أو أراد ولاتنا وعلماءنا وأراد شعبنا بسوء اللهم فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيرهُ تدميرًا عليه، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائِلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال وأنت ولينا.

 

 اللهم تقبَّل صيامنا وزكاتنا وصلاتنا وركوعنا وسجودنا، اللهم تقبَّل منا الصيام يا رب العالمين، اللهم كن للمُستضعفين من المُسلمين في كل مكان، كن لنا ولهم وليًا ونصيرًا وظهيرًا يا ذا الجلالِ والإكرام.

 

اللهم ارحم المُسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقاك يا ذا الجلالِ والإكرام.

 

اللهم إنا نسألك الهدى والتُقى، والعفاف والغنى، ونسألك عزًا للإسلام وأهله وذلا للكفر وأهلهِ يا ذا الجلال والإكرام، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life