عناصر الخطبة
1/خطورة الجريمة وموقف الإسلام منها 2/واقع الجريمة وآثارها 3/أسباب ودوافع الجريمة 4/سبل علاج الجريمة والوقاية منها.اقتباس
ليست الجريمة مُجرَّد خبر نسمعه ولا رقم ننظرُ إليه، بل هي دمعةُ أمٍ ثكلى فقدَت ولدَها، أو صرخةُ طفلٍ يتيمٍ فقدَ والديه، أو خرابُ بيوتٍ كانت عامِرة، أو ذهابَ أمنٍ واستِقرارٍ كان موجودًا بين الناس...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ نبيِّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، وشرَّ الأمور مُحدَثاتُها، وكل مُحدَثةٍ بِدعة، وكل بِدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، أعاذَنا الله جميعًا من النار.
أيها المسلمون: إن من أخطر الظواهر التي تُهدِّدُ المجتمعات وتُذهِب بالأمن والاستِقرار وتُزعزعَ القيمَ الأخلاقية؛ ظاهرة الجريمة، وما أدركَ ما الجريمة؟ عُدوانٌ صاخِبٌ على الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، إنها سُلوكٌ عُدوانيٌ يقعُ من الإنسان على غيرِه، يهتِكُ الحُرُمات ويقطعُ العلاقات ويُفسِد الضرورات التي جاءت الشرائعُ كلها بالحفاظ عليها.
لقد شدَّد الإسلام في تحريم الجريمة بكل صُورها وحذَّر منها، وغلَّظَ العقوبةَ والوعيد في الدنيا والآخرة على مُرتكِبها، وجعلَ لها حُدودًا تُقامُ على مسمعٍ ومرأى من الناس لكي ينتبِهوا لهذا الأمر العظيم وينزجِروا عن طريق المُفسِدين.
أيها المؤمنون: كل يوم نُمسِي ونُصبح على جرائم متعدِّدة في المُجتمعات تشيبُ لها الرؤوس، حتى خافُ الناسُ على أنفسهم وأعراضهم ونسائهم وأولادهم؛ بسبب أن هذه الجرائم لم تجِد من يردَعُها، أو يقيم شرع الله -جل وعلا- فيمن يرتكِبُها.
أيها المؤمنون: إن الجريمة سببٌ من أسبابِ فساد المُجتمعات وتعريضِها للهلاكِ وذهابِ الأمنِ والاستقرارِ عنها، وقد وردت عدة نصوص في النهي عنها، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[البقرة: 190]، (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)[الإسراء:32]، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[المائدة:38]، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[الأنعام: 151].
أيها المؤمنون: إن الأمنُ والأمانُ من أعظم نعم الله على العباد، والحياةُ لا تقومُ إلا بوجود الأمن والاستِقرار في المُجتمعات؛ فما السبب الذي جعلنا نسمع بوقوع بعض الجرائم من قتلٍ أو سرقةٍ أو اختِطافٍ أو اعتِداءٍ وغيرها من الجرائم المُتنوِّعة، وكأننا نعيشُ في غابة وحوش لا مُجتمع مسلمين؟!
عباد الله: ليست الجريمة مُجرَّد خبر نسمعه ولا رقم ننظرُ إليه، بل هي دمعةُ أمٍ ثكلى فقدَت ولدَها، أو صرخةُ طفلٍ يتيمٍ فقدَ والديه، أو خرابُ بيوتٍ كانت عامِرة، أو ذهابَ أمنٍ واستِقرارٍ كان موجودًا بين الناس.
عباد الله: إن السؤال الذي يحتاجُ إلى إجابة هو ما هي أسبابُ الجرائم؟ وما الدوافع التي تدفعُ الناس إلى فعلها؟ لأن الجريمةُ لا تقعُ فجأة، ولا يُولَدُ الإنسانُ مُجرِمًا من طفولته، بل يُولَدُ على الفِطرة وعلى الخُلُق الحسن، فما الذي يجعلُه يكبرُ وينحرف حتى يصيرَ مُجرِمًا مُفسِدًا في الأرض؟
لا شكَّ ولا ريب أن أسباب ودوافع الجرائم متعدِّدة؛ بعضُها يعودُ إلى الجانب النفسي، وبعضُها يعودُ إلى الجانب الاجتماعي، وبعضُها يعودُ إلى الجانب الاقتصادي، وبعضُها يعودُ إلى الجانب السياسي، وبعضُها يعودُ إلى الجانب الديني وهو أخطرُها وأهمُّها.
إن ضُعف الوازِع الديني وضُعف الإيمان في النفوس سببٌ من أسبابِ وقوع الجرائم والمنكرات؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزنِي الزَّانِي حين يزنِي وهو مؤمن، ولا يشربُ الخمر حين يشربُها وهو مؤمن، ولا يسرِقُ حين يسرِق وهو مؤمن، ولا ينتهِبُ نُهبةً يرفعَ الناسُ إليه فيها أبصارُهم حين ينتهِبُها وهو مؤمن"(رواه البخاري ومسلم).
ومنها: اتباع الهوى؛ قال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)[الجاثية: 23].
ومن الأسباب والدوافع: الغضب؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغضب"(رواه البخاري).
ومن أسباب الجرائم: الشعور بالظلم.
ومنها: فقدان قيم المجتمع وأخلاقه.
ومنها: عدم وجود التكافُل الاجتماعي.
ومنها: التفكك الأسري.
ومنها: رفقاء السوء، قال -صلى الله عليه وسلم-: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالِل"(رواه أبو داود والترمذي)، وقال: "مثلُ الجليس الصالح وجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير"(رواه البخاري ومسلم).
ومنها: انتشار المُخدِّرات والمُسكِرات.
ومنها: الفقر والحاجة، والأوضاع السياسية، والصراعات السياسية.
وضعف الرقابة: قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أهلك من كان قبلكم من الأمم أنهم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(رواه البخاري ومسلم).
وقال عثمان -رضي الله عنه-: "إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن".
بارك الله...
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد:
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي خيرُ الزاد؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197]
أيها المؤمنون: ومن العلاج قال -تعالى-: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)البقرة:179]
وقال -تعالى-: (إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسادًا أَن يُقَتَّلوا أَو يُصَلَّبوا أَو تُقَطَّعَ أَيديهِم وَأَرجُلُهُم مِن خِلافٍ أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ ذلِكَ لَهُم خِزيٌ فِي الدُّنيا وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ)[المائدة: 33].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله السارق يسرق البيضة"(رواه البخاري ومسلم).
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم