الدرر السنية
ينقسِمُ السَّترُ إلى قِسمَينِ: محمودٍ ومذمومٍ
فالسَّترُ المحمودُ: هو سَترُ المُسلِمِ على إخوانِه الذين تقَعُ مِن الواحِدِ منهم الهَفوةُ والزَّلَّةُ.
وأمَّا السَّترُ المذمومُ: فهو سَترُ مَن عُرِفوا بالأذى والفَسادِ وإظهارِ المُنكَراتِ .
كذلك يُقسَمُ السَّترُ مِن حيثُ القائِمُ به إلى قِسمَينِ:
الأوَّلُ: سَترُ الإمامِ ونُوَّابِه، ومنهم القُضاةُ والمُختَصُّونَ في جِهاتِ الضَّبطِ الجِنائيِّ.
الثَّاني: سَترُ عامَّةِ المُسلِمينَ على مُرتَكِبي المُنكَرِ .
مظاهِرُ وصُوَرُ السَّترِ:
1- سَترُ المُسلِمِ نَفسَه: فعلى المُسلِمِ أن يستُرَ نَفسَه، فلا يَشهَرَ خطاياه أمامَ الخَلقِ، ولا يذكُرَ زلَّاتِه أمامَ النَّاسِ؛ فعن أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه قال: سمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((كُلُّ أمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِن المُجاهَرةِ أن يعمَلَ الرَّجلُ باللَّيلِ عملًا، ثُمَّ يُصبِحَ وقد ستَره اللهُ عليه، فيقولَ: يا فلانُ، عمِلْتُ البارِحةَ كذا وكذا، وقد بات يستُرُه ربُّه، ويُصبِحُ يكشِفُ سِترَ اللهِ عنهـ)) .
وعن إبراهيمَ بنِ هانِئٍ قال: كنْتُ عندَ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ وعندَه الشَّقيقيُّ وهو يُذاكِرُه آدابَ عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ، فقال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ المُبارَكِ يقولُ: (مَن تهاوَن بالسَّترِ أطلَق لِسانَه في عُيوبِ نَفسِه، فكُفِي النَّاسُ شرَّهـ)، قال: فنفَر أحمَدُ مِن مكانِه، قال: (سبحانَ اللهِ! ويُتهاوَنُ بالسَّترِ!) .
وقال ابنُ المُلقِّنِ: (في سَترِ المُؤمِنِ على نَفسِه منافِعُ؛ منها: أنَّه إذا اختفى بالذَّنبِ عن العِبادِ لم يستخفُّوا به ولم يستذِلُّوه؛ لأنَّ المعاصِيَ تُذِلُّ أهلَها، ومنها: أنَّه إن كان ذنبًا يوجِبُ الحدَّ سقطَت عنه المُطالَبةُ في الدُّنيا، أي: بالنِّسبةِ إلى الباطِنِ، أمَّا إذا ثبَت عليه فإنَّه يُحَدُّ وإن قال: تُبْتُ. وفي المُجاهَرةِ بالمعاصي الاستِخفافُ بحقِّ اللهِ وحقِّ رسولِه، وضَربٌ مِن العِنادِ لهما) .
2- سَترُ المُسلِمِ لإخوانِه المُسلِمينَ:
وكما يستُرُ المُسلِمُ نَفسَه، عليه أن يستُرَ إخوانَه المُسلِمينَ إذا رأى منهم عيبًا أو خطأً؛ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن ستَر مُسلِمًا ستَره اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ)) .
3- سَترُ الميِّتِ:
إذا غسَّل المُسلِمُ ميِّتًا فرأى فيه شيئًا مَعيبًا، فعليه أن يَستُرَه، ويكتُمَ أمرَه، قال ابنُ عُثَيمينَ: (الذي يُرى مِن الميِّتِ مِن المكروهاتِ نوعانِ: النَّوعُ الأوَّلُ: ما يتعلَّقُ بحالِه. النَّوعُ الثَّاني: ما يتعلَّقُ بجَسدِه. الأوَّلُ لو رأى مَثلًا أنَّ الميِّتَ تغيَّر وَجهُه واسوَدَّ وقبُح، فلا يحِلُّ له أن يقولَ للنَّاسِ: إنِّي رأَيتُ هذا الرَّجلَ على هذه الصِّفةِ؛ لأنَّ هذا كَشفٌ لعُيوبِه، والرَّجلُ قدِم على ربِّه، وسوف يُجازيه بما يستحِقُّ مِن عَدلٍ أو فَضلٍ؛ إن كان عمِل خيرًا فاللهُ يجزيه الحَسنةَ بعَشرةِ أمثالِها، وإن كان غَيرَ ذلك فجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مِثلُها. الثَّاني: ما يتعلَّقُ بجَسدِه؛ كأن يرى بجَسدِه عيبًا؛ كأن يرى بَرَصًا أو سوادًا خَلقيًّا أو غَيرَ ذلك ممَّا يكرَهُ الإنسانُ أن يطَّلِعَ عليه غَيرُه، فهذا أيضًا لا يجوزُ له أن يكشِفَه للنَّاسِ، ويقولَ: رأَيتُ فيه كذا وكذا؛ ولهذا قال العُلَماءُ -رحِمهم اللهُ-: يجِبُ على الغاسِلِ أن يستُرَ ما رآه إن لم يكُنْ حَسنًا) .
ومِن سَترِ الميِّتِ تغطيةُ وَجهِه؛ قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وأمَّا تغطيةُ وَجهِ الميِّتِ قَبلَ الغُسلِ وفي حين الغُسلِ بخِرقةٍ؛ فلأنَّ الميِّتَ ربَّما تغيَّر وَجهُه بالسَّوادِ ونَحوِه، وذلك لداءٍ أو لغَلبةِ دمٍ، فينظُرُ الجُهَّالُ إليه فيُنكِرونَه، ويتأوَّلونَ فيهـ) .
4- سَترُ السُّلطانِ على العاصي، وهذا مندوبٌ لوليِّ الأمرِ، إذا رفَع العاصي أمرَه إليه ممَّا فيه حدٌّ أو تعزيرٌ في شيءٍ مِن حُقوقِ اللهِ تعالى مُعلِنًا توبتَه.
عن أنسٍ رضِي اللهُ عنه، قال: ((جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، أصبْتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: وحضَرَت الصَّلاةُ، فصلَّى معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما قضى الصَّلاةَ قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصبْتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتابَ اللهِ، قال: هل حضرْتَ الصَّلاةَ معَنا؟ قال: نعَم، قال: قد غُفِرَ لك)) .
قال النَّوَويُّ: (هذا الحدُّ معناه معصيةٌ مِن المعاصي الموجِبةِ للتَّعزيرِ، وهي هنا مِن الصَّغائِرِ؛ لأنَّها كفَّرَتها الصَّلاةُ، ولو كانت كبيرةً موجِبةً لحدٍّ أو غَيرَ موجِبةٍ له لم تَسقُطْ بالصَّلاةِ؛ فقد أجمَع العُلَماءُ على أنَّ المعاصيَ الموجِبةَ للحُدودِ لا تسقُطُ حُدودُها بالصَّلاةِ) .
5-سَترُ الأسرارِ التي يُؤتَمنُ عليها؛ فعلى المُسلِمِ أن يستُرَ أسرارَ إخوانِه التي علِم بها، وألَّا يُفشيَها لأحدٍ كائنًا من كان، حتَّى وإن لم يُطلَبْ منه ذلك؛ لأنَّ إفشاءَ السِّرِّ خيانةٌ للأمانةِ؛ قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34] ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا حدَّث الرَّجلُ بالحديثِ ثُمَّ التفَتَ، فهي أمانةٌ)) .
6-سَترُ الأسرارِ الزَّوجيَّةِ وحِفظُها؛ حيثُ يجِبُ على كُلِّ واحِدٍ مِن الزَّوجَينِ أن يستُرَ سرَّ الآخَرِ؛ سواءٌ كان ذلك تفاصيلَ ما يقعُ حالَ الجِماعِ وقَبلَه مِن مُقدِّماتِه، أو غَيرَ ذلك مِن الأسرارِ البيتيَّةِ؛ لقولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ مِن أشَرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزِلةً يومَ القِيامةِ: الرَّجلَ يُفضي إلى امرأتِه، وتُفضي إليه، ثُمَّ ينشُرُ سِرَّها)) .
موانِعُ اكتِسابِ صِفةِ السَّترِ:
1- ضَعفُ الإيمانِ، وقلَّةُ التَّقوى؛ فإنَّ تقوى اللهِ سبحانَه تحجُزُ المُؤمِنَ عن هَتكِ سَترِ أخيه.
2- الغَفلةُ عن فضيلةِ السَّترِ على المُسلِمينَ، وما أعدَّه اللهُ مِن الأجرِ لفاعِلِه.
3- سوءُ الظَّنِّ بالمُسلِمِ؛ فإنَّ حُسنَ الظَّنِّ سَببٌ في سَترِ المُسلِمِ لأخيه؛ إذ الخَطأُ لا يسلَمُ منه أحدٌ.
4- خُبثُ النَّفسِ، وعَدمُ استِقامتِها؛ فإنَّ النَّفسَ الخَبيثةَ لا تُحِبُّ السَّترَ، وإنَّما تسعى لنشرِ الفضائِحِ وإذاعتِها؛ قال الهيتمي: (كُلُّ مَن رأَيتَه سيِّئَ الظَّنِّ بالنَّاسِ طالِبًا لإظهارِ مَعايِبِهم؛ فاعلَمْ أنَّ ذلك لخُبثِ باطِنِه وسوءِ طويَّتِه؛ فإنَّ المُؤمِنَ يطلُبُ المعاذيرَ لسلامةِ باطِنِه، والمُنافِقَ يطلُبُ العُيوبَ لخُبثِ باطِنِهـ) .
5- عَدمُ الالتِزامِ بتعاليمِ الشَّرعِ، ومنها النَّهيُ عن التَّجسُّسِ وتتبُّعِ العَوراتِ.
6- الصُّحبةُ السِّيِّئةُ والتَّعوُّدُ على نَشرِ الفضائِحِ وإشاعةِ القبائِحِ.
الأسبابُ المُعينةُ على اكتِسابِ صفةِ السَّترِ:
1- أن تعلَمَ فَضلَ السَّترِ، وأنَّ مَن ستَر أخاه المُسلِمَ ستَره اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ مَن أظهَر عُيوبَ النَّاسِ ظهرَت عُيوبُه؛ قال زاذانُ المداينيُّ: (رأَيتُ أقوامًا مِن النَّاسِ لهم عُيوبٌ، فسكَتوا عن عُيوبِ النَّاسِ؛ فستَر اللهُ عُيوبَهم، وزالت عنهم تلك العُيوبُ، ورأَيتُ أقوامًا لم تكنْ لهم عُيوبٌ، اشتَغلوا بعُيوبِ النَّاسِ؛ فصارت لهم عُيوبٌ) ، وقال ابنُ عُثَيمينَ: (اعلَمْ أنَّك إذا نشرْتَ عُيوبَ أخيك، فإنَّ اللهَ سيُسلِّطُ عليك مَن ينشُرُ عُيوبَك؛ جزاءً وِفاقًا) .
2- أن تستشعِرَ معنى أخوَّةِ الإيمانِ؛ فقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مَثلُ الجَسدِ؛ إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعى له سائِرُ الجَسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)) .
3- أن تُحِبَّ لأخيك ما تُحِبُّ لنَفسِك، وأن تكرَهَ له ما تكرَهُ لنَفسِك، وأن تتفكَّر لو أنَّك كنْتَ مكانَه، فهل تُحِبُّ أن تُفضَحَ أو تُستَرَ؟ فعن أنسِ بنِ مالِكٍ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يُؤمِنُ أحدُكم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِهـ)) ، وعن عِكرِمةَ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وعمَّارًا والزُّبَيرَ -رضِي اللهُ عنهم جميعًا- أخَذوا سارِقًا، فخَلَّوا سبيلَه، فقلْتُ لابنِ عبَّاسٍ: (بئسَما صنعْتُم حينَ خلَّيتُم سبيلَه! قال: لا أمَّ لك ! أمَا لو كنْتَ أنت لسرَّك أن يُخلَّى سبيلُك) . وقال الرَّافِعيُّ: (إذا أردْتَ أن تتكلَّمَ عن ميِّتٍ فضعْ نَفسَك في مَوضِعِه، ثُمَّ تكلَّمْ) .
4- أن ينشغِلَ العبدُ بإصلاحِ نَفسِه: قال الحَسنُ البَصريُّ: (يا بنَ آدَمَ، إنَّك لا تُصيبُ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى لا تَعيبَ النَّاسَ بعَيبٍ هو فيك، وحتَّى تبدَأَ بذلك العَيبِ مِن نَفسِك فتُصلِحَه، فإذا فعلْتَ ذلك لم تُصلِحْ عيبًا إلَّا وجدْتَ عَيبًا آخَرَ لم تُصلِحْه، فإذا فعلْتَ ذلك كان شُغُلُك في خاصَّةِ نَفسِك، وأحَبُّ العِبادِ إلى اللهِ تعالى مَن كان كذلك) ، وقيل للرَّبيعِ بنِ خُثَيمٍ: ما نراك تَعيبُ أحدًا ولا تذُمُّه! فقال: ما أنا عن نفسي براضٍ؛ فأتفرَّغَ مِن ذمِّها إلى ذمِّ النَّاسِ !
وقال الرِّياشيُّ:
لَعَمرُك إنَّ في ذنبي لشُغلًا
لنَفسي عن ذُنوبِ بَني أميَّهْ
على ربِّي حِسابُهم إليه
تناهى عِلمُ ذلك لا إلَيَّهْ
وليس بضائِري ما قد أتَوه
إذا ما اللهُ أصلَح ما لَدَيَّهْ
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم