اقتباس
اجعلهم يستحضرون روح المقاتل: وأخبرهم أن جيوش الشياطين التي كانت مسلسلة ومصفدة ومكبلة في رمضان، هي الآن حرة طليقة، قد عادت إلى الإغواء والتزيين، وصارت حربهم عليك علانية، فقاتلهم فإنما يريدون هلاكك...
لقد اعتدنا نحن -معاشر الخطباء- أن تمتلئ مساجدنا في رمضان، ثم تعود خاوية -إلا من القليل- بعد رمضان!... وتعودنا أن يلتف الناس حول الدروس والمحاضرات في رمضان، ثم ينفضون عنها بعده!... ولم يعد يفجؤنا أن تتراكم الأتربة على المصاحف في شوال بعد أن كان القارئ لا يكاد يجد مصحفًا يقرأ فيه في رمضان!... فصرنا حين نرى الزحام على المساجد في الليالي الأولى من رمضان ندرك أن هذا لن يدوم، وإن كنا نتمنى أن يدوم...
سمه إن شئت: "فتور ما بعد العبادة"، أو صفه بـ"الحور بعد الكور"، أو انعته بـ"نقض الغزل بعد إتمامه"... فإن ما يهمنا هنا أن الناس ينقطعون عما اعتادوا عليه من الخير في رمضان، فكأنه ما كان! وأنهم لا يحافظون على تلك الطفرة والهمة والإقبال الذي كانوا عليه في رمضان!
إن أهم ما يصبو ويسعى إليه الخطيبُ الموفَقُ في شوال وما بعد شوال: هو أن يعيد الناس إلى ذلك الحال الحسن الذي كانوا عليه في رمضان، ويحوله إلى سلوك دائم مستمر طوال العام... لكن كيف يفعل الخطيب ذلك؟ وما هي الوسائل والأدوات والأساليب الناجحة في تحقيقه؟ وأجيب: هذا ما نحاول بيانه الآن في هذه البنود التالية لـ"استراتيجية الخطيب بعد رمضان".
البند الأول: استنقذ ما بقي من إيمان:
في العيد وما تلاه -بلا شك- قد انخفض مستوى الإيمان عما كان في رمضان عند أغلب المسلمين، وذلك بسبب أنه كلما توسع المرء في المباحات كلما هبط مؤشر الإيمان في قلبه، وربما جرَّه ذلك إلى الوقوع في الشبهات أو في المحرمات.
ومهمة الخطيب هنا هي العمل على تقوية الإيمان عند رواد مسجده والعودة به قريبًا مما كان عليه في رمضان، وذلك من خلال الوسائل الآتية:
أولًا: أكثر من تحديثهم عن الدار الآخرة؛ عن الجنة والنار، عن مواقف يوم الحساب عند تتطاير الصحف، وعند المجيء بجهنم لها سبعون ألف زمام، وعند بلوغ العرق من الناس مبلغه... فإن ذلك يخلعهم من زخارف الدنيا التي ألهتهم عما كانوا فيه من العبادة.
ثانيًا: ادعهم إلى صلاة ركعتين اثنتين بعد العشاء؛ ليتذكروا بهما ما ذاقوه من لذة قيام الليل طوال شهر كامل، وحثهم على تلاوة شيء من القرآن بتدبر عسى أن يشعروا بمثل ما كانوا يحسونه من خشية في رمضان.
ثالثًا: زودهم بالعلم الشرعي: فإنه ينوِّر البصيرة ويجلو القلب، ولتركز في تعليمك إياهم على ثلاث: على تدبر القرآن الكريم: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)[الأنفال: 2]، وعلى تعلم أسماء الله الحسنى، وعلى التفكر في مخلوقات الله...
البند الثاني: اكسر قيود الشيطان، وأخرجهم من سجنه:
فإنهم لما انسلخ عنهم رمضان فتركوا ما عهدوا من طاعة وعادوا إلى غفلاتهم -بعد أن عزموا ألا يفعلوا-، صوَّر لهم الشيطان أنه "قد فات الأوان أن يظلوا كما كانوا في رمضان، وأنهم أضعف من أن يداوموا، وأقل من أن يعودوا، وأنهم بعد كل رمضان يتقهقرون؛ فتلك طبيعتهم التي لا يستطيعون العدول عنها"!
وهكذا يصنع لهم الشيطان سجنًا يحبسهم فيه عن الترقي والتسامي وطلب المعالي، سجن اسمه اليأس؛ اليأس من إصلاح أنفسهم، واليأس من إمكانية المداومة على الخير، واليأس أن الله سيقبلهم!
وواجب الخطيب هنا أن يحطم تلك الأوهام الشيطانية التي قذفها إبليس في قلوبهم، مستخدمًا هذه الوسائل:
أولًا: تذكيرهم بأن "الله يغفر الذنوب جميعًا": فلا يعظم على رحمته ذنبٌ، يقول الجليل -سبحانه-: "ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة"([1])، وتحذيرهم من أن ظن العبد أن ذنبه أعظم من رحمة الله، لهو ذنب أعظم من ذنبه الأول؛ فإنه قد كذَّب الجليل حين قال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)[الأعراف: 156]، وأساء الظن بربه -عز وجل-.
ثانيًا: توعيتهم أنه "ليس معنى أنك تقع، أنك ضعيف": بل "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"([2])، فكن توابًا تكن من خير الناس، وإنما العاجز الضعيف بحق هو من عجز وضعف أن يتوب ويرجع إلى ربه مهما بلغت ذنوبه!
ثالثًا: الفت أنظارهم أن "من كان يثيب على الطاعة ويعاقِب على المعصية في رمضان، ما زال موجودًا وسيظل موجودًا بعد رمضان"، وهو حي لا يموت ولا يغفل ولا ينام -سبحانه وتعالى-، "فكن ربانيًا لا رمضانيًا".
رابعًا: اجعلهم يستحضرون روح المقاتل: وأخبرهم أن جيوش الشياطين التي كانت مسلسلة ومصفدة ومكبلة في رمضان، هي الآن حرة طليقة، قد عادت إلى الإغواء والتزيين، وصارت حربهم عليك علانية، فقاتلهم فإنما يريدون هلاكك.
البند الثالث: بَغِّض إليهم الانقطاع عن العبادة:
وصَوِّر لهم الانقطاعَ ضياعًا ودمارًا وحسرة وندامة، وخوِّفهم بما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل"([3])، يُقبِّح ما فعل.
وأن الانقطاع يعاقب بمثله عند الله: يقول الحسن البصري: "إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء، فتقول له الملائكة: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن صاحبي فتر، قال الحسن: أمدوهم -رحمكم الله- بالنفقة"([4])، فيا حسرة من انقطع؛ فقد انقطع بانقطاعه ما كان يُعدُّ له في الجنة!
وأن المنقطع كمسافر توقف في منتصف الطريق؛ فما بلغ غايته، بعد أن كاد على وشك الوصول: يقول ابن رجب: "دوام العمل وإيصاله، ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه... وقد صح هذا المعنى في الدعاء؛ وأن العبد "يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي"([5])، فيدع الدعاء، فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب، وإن قطعه واستحسر منع إجابته"([6]).
بل لكأن المنقطع كالمجنون الأحمق: ففي سبب نزول قوله -تعالى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا...)[النحل: 92]، قال الكلبي ومقاتل: "هذه امرأة من قريش يقال لها ريطة بنت عمرو.. وكانت خرقاء حمقاء بها وسوسة... وكانت تغزل الغزل من الصوف أو الشعر أو الوبر، وتأمر جواريها بالغزل، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها"([7]).
والمنقطع عن الصالحات هو الفقير يوم القيامة: فقد روي بسند ضعيف أن أم سليمان بن داود قالت لسليمان: "يا بني لا تكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة"([8]).
وكلما زِدتَ الانقطاع في قلوبهم تقبيحًا، كلما فروا منه وحاولوا مداومةً وإصلاحًا.
البند الرابع: بصِّرهم بطبيعة الدنيا:
يجب أن يفهم جمهورك -أخي الخطيب- أن الدنيا ليست دار راحة ولا أمان، بل هي دار بَذرٍ وعمل وامتحان، وما الدنيا للمؤمن إلا سجن: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر"([9])، فمن أمِن فيها فزع يوم القيامة: "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة"([10]).
وذكِّرهم بأحمد بن حنبل لما سئل: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فأجاب: "عند أول قدم يضعها فِي الجنة"([11])... بل لقد قالها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما يستريح: من دخل الجنة"([12])، أما قبل ذلك فلا راحة، بل هو نصب في العبادة وأذى من البلايا.
ثم خوِّفهم بما خوَّفهم به القرآن: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)[الزمر: 55]، وأخبرهم أن الله أمر أن تعبدوه حتى تموتون، لا في رمضان فقط: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الحجر: 99].
فإذا نجحت في إيصال الخوف من "بغتة الموت" إلى قلوبهم فقد سهَّلت عليهم سبيل المداومة وعدم الانقطاع، فإنه لا يداوم إلا الخائفون الخاشعون: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45].
البند الخامس: بث فيهم روح الطموح والمنافسة:
فإن مشكلة كثير من الناس أنهم يطمحون ويطمعون في تملك متاع الدنيا ولا يقنعون، ودائمًا وأبدًا عليها يتنافسون: "منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم، وطالب الدنيا"([13])... أما في أمر الأخرة فهم فيها يَحْبون ويزحفون ويظنون أن هذا يبلغهم أعلى عليين!
ومهمتك -أخي الخطيب- أن تعلِّمهم ألا يقنعوا من أمر الآخرة بالقليل، علِّمهم أن يكونوا طلابًا للمعالي لا يشبعون من الخير، بل دائمًا يستزيدون، حثهم ألا يرضوا بغير الفردوس من الجنة: "فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة"([14]).
وقُصَّ عليهم قصة عجوز بني إسرائيل التي أبت أن تَدُل موسى على قبر يوسف -عليهما السلام- حتى يعطيها حكمها بأن تكون معه في الجنة([15])، أو قصة ربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- "سل"، فلم يسأله إلا مرافقته في الجنة([16]).
فإذا طمحوا إلى الجنة واشتاقوا لها فأخبرهم أن للفردوس ثمنًا من الطاعة والمداومة: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"([17])، ولقد قالها الله -عز وجل-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[الأعراف: 43]، فإن لم يعملوا ويجِدُّوا ويواصلوا ويداوموا، كان طموحهم ذلك مجرد أمانٍ فارغة لا تتحقق، يقول الحسن البصري: "إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل"([18]).
وليس ما مر من استراتيجيات وبنود إلا مجرد نماذج تفتح المجال لخطبائنا النابهين على استخدام أمثالها، وهي كثير، والله الموفِق والمستعان.
([1]) رواه مسلم (2687).
([2]) رواه الترمذي (2499)، وابن ماجه (4251) واللفظ له، وحسنه الألباني (مشكاة المصابيح: 2341).
([3]) رواه البخاري (1152)، ومسلم (1159).
([4]) فتح الباري، لابن رجب الحنبلي (1/165-166)، ط: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية.
([5]) أصل الحديث في الصحيحين: البخاري (6340)، ومسلم (2735)، ولفظه: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي".
([6]) فتح الباري، لابن رجب (1/166).
([7]) تفسير الخازن (3/96)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
([8]) رواه ابن ماجه (1332)، وضعفه الألباني (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه).
([9]) رواه مسلم (2956).
([10]) رواه ابن حبان (640)، والبيهقي في شعب الإيمان (759)، وصححه الألباني (الصحيحة: 742).
([11]) طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (1/293)، ط: دار المعرفة - بيروت.
([12]) رواه أحمد في المسند (24399) واللفظ له، والطبراني في الأوسط (9379)، وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير وزياداته: 2319).
([13]) رواه الطبراني في الكبير (10388)، ومسند الشهاب (322)، وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير وزياداته: 6624).
([14]) رواه البخاري (7423).
([15]) الحديث رواه ابن حبان (723)، والحاكم (3523)، وصححه الألباني لغيره (الصحيحة: 313).
([16]) الحديث رواه مسلم (489).
([17]) رواه الترمذي (2450)، والحاكم في المستدرك (7851)، وصححه الألباني (الصحيحة: 954 و 2335).
([18]) تفسير النيسابوري (2/501)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم