استقبلوا ضيفكم ليكرمكم

الشيخ راشد بن عبدالرحمن البداح

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-12 - 1447/08/24
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/أهمية الاستعداد والتهيؤ لرمضان المبارك 2/كيف يستعد المؤمن لرمضان؟

اقتباس

والناسُ كلُّ الناسِ يفرحونَ لمقدمِ رمضانَ، ولأجلِ فرحِهِم يتبادلونَ التهانيَ؛ أما إنه قد علِمَ كلُّ أناسٍ مشربَهم، وفرقٌ بين قومٍ يفرحونَ برمضانَ؛ ليزدادوا خيرًا، وبين قومٍ يفرحونَ به؛ ليزدادوا إثمًا؛ فتعالَوا نقتربْ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ على ما أعْطَى وما مَنَعَ، وعلى ما قَبَضَ وما بَسَطَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له الحقُّ المبينُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه المبعوثُ رحمةً للعالمينَ، -صلى الله عليه وسلم- تسليمًا كثيرًا ليومِ الدينِ، أما بعدُ:

 

فهل بلَغَكُمْ خبرُ الرؤيا المفرحةِ لنا كلِّنا؟! إنها بُشرَى في رؤيا مناميةٍ صادقةٍ صالحةٍ، رآها رجلٌ صالحٌ صادقٌ فطلَبَ تفسيرَهَا؛ ففُسِّرَتْ له ببشارةٍ عظيمةٍ؛ فما الرؤيا؟ وما تفسيرُها؟ إليكمُ القصةَ كاملةً:

كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قَبِيلَةِ بَلِيٍّ، أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -رضي الله عنه-: "فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ؛ فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ! فَأَصْبَحْتُ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَقَالَ: ألَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ سَنَةِ؟! فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ، وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ إِنَّ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"(رواه الترمذي).

 

فانظرْ كيفَ كانَ النائمُ على فراشِهِ أرفعَ درجةً من الشهيدِ بالمعركةِ؛ لأنَّ الثانيَ لم يُدرِكْ رمضانَ؟ فلتَعلمْ -أيُّها المؤمنُ- أنَّ كلَّ يومٍ يزيدُكَ منَ اللهِ قُربًا، وقد قالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا"(رواه مسلم).

 

والمرءُ عندما يقرأُ أو يسمعُ هذهِ القصةَ لا يملِكُ؛ إلا أن يُلِحَّ على ربِّهِ -جلَّ في عُلاهُ- بالدعاءِ قائلًا: اللهم بلِّغنا رمضانَ ونحنُ مُعانونَ على حُسنِ عبادتِكَ.

 

أتدرِي ماذا يعني أن تَبلُغَ رمضانَ؟ يعني أنكَ قد فُزتَ بعطاءٍ حُرِمَ منهُ الكثيرُ ممن تخَطَّفَتْهُمْ يدُ المَنونِ. ومَن يَدري؟! فلربما يكونُ رمضانُكَ هذا آخرَ رمضانٍ تَشهَدُهُ في حياتِكَ؛ (وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)[الأعراف: 185]

 

يا عبدَ اللهِ: هل تعلمُ أنكَ تستطيعُ أن تستعدَّ لرمضانَ قبلَ حلولهِ؟!

 

فإن قلتَ: كيفَ ذلكَ؟! فيُقالُ: بأن تستعدَّ لرمضانَ بالشوقِ وبالفرحِ، لتؤجَرَ على هذا الشوقِ وهذا الفرحِ؛ فالفرحُ عبادةٌ من عملِ القلبِ؛ فلنفرحْ؛ (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 58].

 

والناسُ كلُّ الناسِ يفرحونَ لمقدمِ رمضانَ، ولأجلِ فرحِهِم يتبادلونَ التهانيَ؛ أما إنه قد علِمَ كلُّ أناسٍ مشربَهم، وفرقٌ بين قومٍ يفرحونَ برمضانَ؛ ليزدادوا خيرًا، وبين قومٍ يفرحونَ به؛ ليزدادوا إثمًا.

 

فتعالَوا نقتربْ من ربِنا، ونقِفْ مع أنفُسِنا؛ استعدادًا للمرابحةِ والمسابقةِ الرمضانيةِ:

أولًا: نحنُ نصومُ رمضانَ كلَّ عامٍ، وهمُّ أكثرِنا أن يُبرِئَ ذمتَهُ، ويؤديَ فريضتَهُ؛ فليكن همُّنا برمضانِنا هذا تحقيقَ معنى صومِهِ إيمانًا واحتسابًا؛ يعني تصديقًا باللهِ الوهابِ، وتحريًا لطلبِ الثوابِ؛ ليغفرَ لنا ما تقدمَ من ذنوبِنا الكثيرةِ بين رمضانينِ.

 

ثانيًا: لنعزمْ على عدمِ تفويتِ تكبيرةِ الإحرامِ طوالَ الشهرِ؛ فأمامَكَ مئةٌ وخمسونَ صلاةَ فريضةٍ، فتحدَّ نفسَكَ ألا تصلِّيَها كلَّها إلا جماعةً بالمسجدِ.

 

ثالثًا: لنحرصْ قبلَ رمضانَ على جدولةِ الوقتِ لختماتٍ قرآنيةٍ. أوما علمتَ أن الختمةَ الواحدةَ يحصلُ بها ثلاثةُ ملايينَ حسنةٍ؟!

ثم أما علمتَ أن قراءةَ القرآنِ بالليلِ أفضلُ من قراءتِهِ بالنهارِ؟! وكذلكَ كان يفعلُ نبيُّك -صلى الله عليه وسلم-.

 

رابعًا: كلمةُ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لتكنْ على بالِكَ دومًا؛ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183]؛ فالتقوى مقصدٌ رئيسٌ للصيامِ، بأن يُعبَدَ اللهُ؛  فلا يُعصَى، ويُذكرَ؛ فلا يُنسَى، ويُشكرَ فلا يُكفَرَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على خيرِ مصطفى، وصحبِهِ ومن اقتفى، أما بعدُ:

 

فعندَ قربِ مجيءِ رمضانَ يتكررُ السؤالُ التالي؛ كيف أستقبلُ رمضانَ؟

 

فيقالُ: يُستقبلُ بأمورٍ كثيرةٍ، لكن إليكَ ثلاثًا يُغفلُ عنها كثيرًا:

الأولى: لنُصفِّ قلوبَنا من التباغضِ والتدابرِ والتحاسدِ، ولنجاهدْ نفوسَنا، بأن نعتذرَ لمن عاديناهُ قبلَ أن يموتَ أو نموتَ، ولنسامحْ كلَّ من أخطأَ علينا أو ظلمَنا؛ فسنجدُ لهذهِ المسامحةِ لذةً لا تعدلُها لذةٌ؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت:35].

 

ثانيًا: لنكثرْ من الدعاءِ؛ أما قالَ اللهُ -جلَّ في عُلاهُ- ضمنَ آياتِ الصيامِ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[البقرة: 186]؛ ألا ما أجملَهما من كلمتينِ: (قَرِيبٌ أُجِيبُ)؛ فهو قريبٌ يسمعُ نداءَكَ فيُجيبُ دعاءَكَ.

 

ثالثاً: المجاهدةُ لإصلاحِ فسادِ قلوبِنا، وقد يجاهِدُ الإنسانُ نفسَهُ على الصيامِ؛ بل على قيامِ الليلِ، ولكنَّه يضعُفُ عن مجاهداتِ القلبِ، وينسَى أن التعبُّدَ للهِ بأعمالِ القلوبِ أفضلُ من تعبُّدِهِ بأعمالِ الجوارحِ.

 

 فاللهم أصلِحْ فسادَ قلوبِنا.

 

 اللهم أقبِل بقلوبِنا في رمضانَ، ومُنَّ علينا فيه بالرضوانِ.

 

 اللهم سلِّم لنا رمضانَ الماضيَ، وسلِمْنا لرمضانَ الآتي.

 

 اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أعْمَارِنَا أواخِرَهَا، وخَيْرَ أعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وخَيْرَ أيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاك.

 

 اللهم ارحمْنا ولا تحرِمنا، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا خَيْرَ ما عِنْدَكَ بِشَرِّ ما عِنْدَنَا.

 

 اللَّهُمَّ صُبَّ عَليْنا الخَيْر صَبَّاً صَبَّاً، ولا تَجْعَل عَيْشَنَا كَدَّاً.

 

 اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أعْمَارِنَا أواخِرَهَا، وخَيْرَ أعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا.

 

 اللهم كَمَا هَدَيْتَنا لِلإِسْلاَمِ فلاَ تَنْزِعْهُ مِنّا حَتَّى تَتَوَفَّانا وَنحن مُسْلِمون.

 

 اللهم واحفظْ علينا دينَنا، وأعراضَنا، وباركْ في أرزاقِنا واقضِ ديونَنا.

 

 اللَّهُمُّ اِحْفَظْ بِلَادَنَا بِالْأَمْنِ وَالْإيمَانِ، وبالسَّلامَةِ والإسلامِ. واحْفَظْ مَلِكَنَا ووَلِيَّ عَهْدِهِ وَسَدِّدْهُم وَارْزُقْهُم بِطَانَةً صَالِحَةً نَاصِحَةً.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم صلِ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

 

 

المرفقات

استقبلوا ضيفكم ليكرمكم.doc

استقبلوا ضيفكم ليكرمكم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات