الحق واحد

مركز حصين للدراسات والبحوث

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-07 - 1447/10/19
عناصر الخطبة
1/ماهيَّة الحقِّ ومصدرُه 2/مقولة نسبيَّة الحقيقة وبيان بطلانها 3/الاجتهاد البشريُّ الذي يُقبل فيه الخلاف.

اقتباس

إن المبطلين أرادوا بكل سبيل نشر باطلهم لطَمس الحق، ومن أخطر تلك السبل تسويغ الباطل؛ أي جعلُه سائغًا مقبولًا، ولهم في ذلك سبل كثيرة، إلا أن من أخطرها قديمًا وحديثًا، وأكثرها رواجًا على...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الحقِّ المبينِ، يُحِقُّ الحقَّ ويُبطِلُ الباطلَ ولو كَرِهَ المجرمونَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- حقَّ التَّقوى، وراقبُوه في السرِّ والنجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

عبادَ اللهِ: مشهدٌ عظيمٌ، ذكر اللهُ في شأنه سورةً كاملةً، إنه مشهد أصحاب الأخدود، ملكٌ طاغٍ يزعُمُ أنَّه إلهٌ من دون الله، ويحمِلُ الناسَ على عبادته، بل ويخلع على نفسه ثوب الربوبية زورًا وباطلًا، إلا أن الله شاء أن يخرج تلك الأمة من باطل الكفر والشرك إلى التوحيد والحق، وبعدما أفلس الطاغية من حجته وبان للناس بُطلانُهُ أجّج النيران وأمر بإحراق أهل الإيمان، وفي نهاية المشهد بينما يُلقى المؤمنون واحدًا تِلْوَ الآخر، يحصل ما أخبرنا نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- عنه، إذ ذكر امرأةً منهم فقال: "جَاءَتْ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ! اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ"(رواه مسلم).

 

"اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ".

هُمَا سبيلان: الحق وأهله، والباطل وأهله، معركة قائمة ما تعاقب الليل والنهار، قال -تعالى-: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)[محمد:1-3].

 

فيمَا سمعت السبيل والمآل، فأمَّا من اتبع الحق فجزاؤه صلاح الدين والدنيا، وأمَّا من اتبع الباطل فمآلُه الخسران والبار.

 

عبادَ اللهِ: إن المبطلين أرادوا بكل سبيل نشر باطلهم لطَمس الحق، ومن أخطر تلك السبل تسويغ الباطل؛ أي جعلُه سائغًا مقبولًا، ولهم في ذلك سبل كثيرة، إلا أن من أخطرها قديمًا وحديثًا، وأكثرها رواجًا على كثير من الناس ما أسموه "نسبيّة الحقيقة"، فهل هذه المقولة حق أم باطل؟ تعالوا لنعلم الحقيقة من الأكاذيب الباطلة.

 

أولًا: ما الحق، وما مصدره، وكيف نعرفه؟

الحق هو الشيء الثابت الموجود حقيقةً في الواقع صدقًا لا كذبًا، والباقي النافع الذي لا يزول ولا يضمحل، وأمَّا الباطل فهو الشيء المزيَّف المزور الذي لا حقيقة له في الواقع، ومآلُه السقوط والزوال والبار.

 

وكل من ادعى عقيدة أو حكمًا أو شريعة أو فكرة أو منهج أو سبيلًا؛ فإما أن يكون ذلك حقًّا أو باطلًا؛ في هذه الدنيا إله واحد هو الحق ومن سواه باطل، وفيها دين الحق وما سواه باطل، وفيها شريعة الحق وما سواها باطل، وفيها منهج الحق وما سواه باطل.

 

أمَّا الحق؛ فهو الله الحق المبين، يقول الحق، ويقص الحق، ويقضي بالحق، وكل أقواله وأفعاله حق وبحق، ويهدي إلى الحق، خلق السماوات والأرض بالحق، وأنزل كتابه بالحق، وله دعوة الحق، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، قال الله -تعالى-: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)[النمل: 79].

وقال -سبحانه-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)[الحج: 62]، وقال -سبحانه-: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ)[يونس: 35]، وقال -سبحانه-: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامَ الْغُيُوبِ)[سبأ: 48]، وقال -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[التوبة:33].

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في ثنائه على ربه إذا قام من الليل: "ولكَ الحمد أنت الحق، ووعدُك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق"(رواه البخاري ومسلم).

 

كتاب الله كله حق، لا يعتريه الباطل بحال، قال -تعالى-: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)[الإسراء: 105]، وقال -سبحانه-: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فصلت: 41-42].

 

وكل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو حق، فلا ينطق عن الهوى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ)[النساء: 170].

 

يقول عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه والرسول بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب؛ فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فأومأ بأصبعه إليه، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"(رواه أبو داود).

 

عباد الله: إن الله جعل كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فرقانًا بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين الخير والشر، بين الطيب والخبيث، بين المعروف والمنكر، إلا أن من الخلق أممًا جحدوا الله وألوهته وحكمه فألَّهوا الإنسان دون الله، وجعلوا العقل الإنساني وفكره معيارًا وفلكًا يدورون حوله، فلما رأوه مختلفًا متفاوتًا قالوا: فالحقيقة إذًا نسبية؛ أي ما تراه أنت حقًا ليس حقًا مطلقًا، وإنما هو كذلك بالنسبة إليك، وما يراه غيرك حقًا فهو كذلك بالنسبة إليه، فلم يعد الحق شيئًا صلبًا، بل صار مائعًا هلاميًا، وصارت الحقيقة هباء منثورًا، بل لا حقيقة في الوجود، فليس في الإلهية حق وباطل، ولا في الأحكام ولا الشرائع ولا المناهج، ولا الأفكار ولا الأخلاق ولا القيم، وإنما كل شيء نسبي.

 

عباد الله: إن من العجب في زماننا ظهور من يزعم أن كل الحقائق نسبية، وأنه لا توجد حقيقة مطلقة أصلاً! وما علموا أن القائل بهذا قد ناقض نفسه وأبطَل قوله بلسانه؛ فلَوْ سألناه: هل مقولتك (إنه لا توجد حقيقة مطلقة) هي حقيقة مطلقة؟ فإن قال: "نعم"، فقد كذب نفسه، وأثبت وجود حقائق مطلقة، وانهدَم مذهبه! وإن قال: "لا"، فقد سقطت مقولته باعترافه، ولم تعد تلزم أحدًا!

 

ثم لو كانت الحقائق كلها نسبية مائعة، لكانت المتناقضات والمتضادات متساوية، وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل؛ فهل يستوي الوجود والعدم؟ وهل يستوي الطيب والخبيث؟ وهل يستوي العدل والظلم، والخير والشر، والإحسان والعدوان؟

 

معشر العقلاء: هل وجود السماوات والأرض، والشمس والقمر، حق مطلق أم شيء نسبي؟ ماذا لو زعم إنسان أن وجود هذه الأشياء، أو أن كون النار محرقة، هي مجرد حقائق نسبية، تختلف من شخص لآخر؟ أليس ظاهرًا لجميع الناس أنه مجنون خرِف قد فقد عقله؟

 

وكما أن في هذا الكون حقائق مادية لا تتبدل؛ فكذلك فيه حقائق أخلاقية لا تتغير، غرس الله في النفوس فطرة تدركها، فماذا لو اعتدى شخص على إنسان معصوم فقتلَه تلذذًا واستمتاعًا، أو سرق أموال الناس وأتلفها بدعوى أنه محروم منها، هل يمكن لعاقل أو قاض أن يقول: إن جريمته تلك مسألة نسبية فيها وجهات نظر؟

 

إن الإنسان أدرك بحواسه وبفطرته قدرًا كبيرًا من الحقائق التي لا يتمارى عاقلان في كونها حق مطلق، فالشيء لا يكون حقًا بمجرد اعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطُل باعتراض من اعتقد أنه باطل، إنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا مؤيدًا بالبراهين، سواء أرضي الناس أم سخطوا؛ (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)[المؤمنون:71].

 

ولأن الله -تعالى- خلق الناس، وهو يعلم ضعفهم، ويعلم ورود الاختلاف وتلبيس الأهواء عليهم، لم يتركهم لنسبيّة العقول وتخبُّط الأفهام، بل أنزل إليهم الوحي المسطور، بالحق المعصوم، ليكون ميزانًا يزنون به أفعالهم، وفرقانًا يفرّقون به بين الحق والباطل، قال -تعالى-: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[البقرة: 213].

 

وقد شرَّف الله هذه الأمة بالنبع الصافي الذي لم تكدره تحريفات الفاسدين؛ فقال -سبحانه-: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)[الأعراف: 181]؛ فلا هدى ولا عدل إلا بالحق، وإنما كره هؤلاء المبطلون الحق لما حال بينهم وبين شهواتهم، حال بينهم وبين الخبائث والظلم والعدوان، فوضعوا تلك المقولة الجاهلة حتى يكون الكفر والفسق والشذوذ والعدوان مسألة نسبية، قال ربنا: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)[الزخرف: 78].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد:

 

عباد الله: مع وجود القطعيات التي لا تقبل التبديل والنسبية، لا يُنكَر أن في غيرها مساحة طبيعية لاختلاف العقول وتعدد الأفهام، يقبل فيها العقلاء وجهات النظر المختلفة إذا كانت مبنية على فقه واستدلال صحيح؛ فالله قد جعل برحمته في بعض الأحكام سعة لاجتهاد العلماء، يختلفون في فهم الدليل، فيكون رأي العالم صوابًا يحتمل الخطأ، ويعذر فيه من خالفه، ولكن من الخطأ أن تُخلط الأمور؛ فهذا الاختلاف المسموح إنما يكون لأهل الفقه، في بعض التفاصيل والفروع، لا في أصول الدين وقطعياته ومحكماته التي لا تقبل المساومة ولا التبديل، كالعقيدة ووجوب الصلاة، وتحريم الربا، والفواحش.

 

ولنا في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة؛ فقد قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب: "لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: "بل نصلي، لم يُرَد منا ذلك؛ فذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يعنّف واحدًا منهم"(رواه البخاري ومسلم).

 

فهذا الاختلاف من الصحابة -رضي الله عنهم- كان سائغًا لاحتمال كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لكلا الأمرين، وهكذا تتسع الشريعة لاختلاف الفقهاء في مسائل اجتهادية منها، وتبقى صلبة راسخة في محكماتها وحقائقها الكبرى!

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأهلِك الكفرة المجرمين، اللهم وأنزل السكينة في قلوب المؤمنين، وارفع راية الدين بقوتك يا قوي يا متين.

 

اللهم كف أيدي الظالمين عنا، واجعل لنا من لدنك وليًّا، واجعل لنا من لدنك نصيرًا.

 

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

 

المرفقات

الحق واحد.doc

الحق واحد.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات