اقتباس
فالخطيب الناجح يلزمه النزول إلى ميدان الحياة، وإبصار واقع الناس، معرفة مشاكلهم ومعاناتهم وما يشغل بالهم، ويهدد واقعهم، كما يلزمه معرفة النصوص التي يمكن تنزيلها على واقعهم في ضوء المستطاع والمتاح اليوم، وما يمكن تأجيله لتوافر...
ما الذي يجعل خطيباً مَلَك أدوات الأداء، واستكمل مقومات النجاح، وتحرر من آفات الإلقاء، ودانت له ناصية القوافي والبيان، وحَسُن مظهره وكَمُلت هيئته، وأحسن انتقاء موضوعه، وأجاد في صياغته، ثم بعد ذلك كله لا يجد تأثيراً في قلوب الحاضرين، ولا إصغاءً في نفوس السامعين؟!!
انتقى التربة، وأجاد الزرعة، ولكن ما طابت له ثمرة، وما أينعت له زهرة!!
ما الذي جعل قلوب السامعين وعقولهم تشرد عنه، وتعرض عن كلامه؟! ما الذي جعلهم حضروا بجسومهم، وغابت عنه فهومهم؟!
كلمة السر: الفصام النكد!!
ما هو الفصام النكد؟ وما هي صوره ومظاهره؟ وكيف يؤثر بهذه الصورة الكبيرة على أهم غايات الخطيب، ويسلبه رسالته بالكلية؟!
تعريف الفصام النكد
الفصام النكد باختصار هو مباينة العلم للعمل، تناقض الإيمان مع السلوك، ومجافاة الفهم للواقع. حيث يعيش المسلم مظاهر التدين مع انفصال جوهري بين الدين والحياة، مع التركيز على الشعائر مع إهمال تطبيق الإسلام في كافة مناحي الحياة، وهو ما يصفه البعض بالتدين المشوه، في مقابل "الفصام" بمعناه النفسي الذي يصف اضطراباً عقلياً له أعراض مثل الذهان والهلاوس، بحيث يصبح للإنسان شخصيتان مختلفتان تماماً عن بعضهما، بصورة محيرة لكل من يتعامل مع هذا الإنسان.
والخطابة مثلها مثل باقي أبواب الدعوة وخدمة الدين، يُصاب القائمون عليها بمرض الفصام النكد فيسلبهم التأثير، وينصرف الناس عنهم، وتفقد الخطابة معه دورها في المجتمع، وينقطع التواصل مع الناس، وفي النهاية يدفع الجميع الثمن.
صور فصام الخطيب
لفصام الخطيب عدة صور تتجلى فيها معاني غياب الأثر وضياع الرسالة الخطابية، من أبرزها:
أولاً: الفصام بين القوة العلمية والقوة العملية
فإن مما يحزّ في القلب ويؤلمه أشد الألم أن يجد الخطيب نفسه مبصرًا للطريق ولكنه يضعف عن السير فيه، أو يجد نفسه عالمًا بما ينبغي أن يقوم به من عمل ولكنه لا يجد في نفسه همّةً للفعل والأداء، أو يجد نفسه عالمًا بصفات المؤمنين وأحوال قلوبهم من الطمأنينة والرضى والصبر والثبات وغير ذلك ولكنه لا يجد قلبه كذلك في المواقف التي يحتاج فيها لتلك المعاني، أو يجد نفسه قادرًا على ذكر ما ينبغي للمسلم من الخلق ومن قول كلمة الحق ولو على نفسه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بحقوق الآخرين في الإسلام، ومن النشاط في الدعوة وغير ذلك ثم لا يجد في نفسه قوة في القيام بشيء من ذلك. وفي المقابل تجد كثيرًا ممن لا يعلمون مثل علمه ولا يقولون مثل قوله، وليس لديهم فصاحة كفصاحته، تجدهم أقوى منه قلبًا وأكثر منه عملاً وأشد منه خشية لله وحماسة للدين وغيرةً عليه.
الإمام ابن القيم-رحمه الله-كان أول من أشار إلى هذا التباين بين القوة العلمية والقوة العملية في كتابه الماتع" طريق الهجرتين" إذ يقول: "قاعدة: السائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية؛ فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرًا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية؛ فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة".
والخطيب المصاب بالفصام النكد تقوى عنده القوة العلمية على القوة العملية، فيكون كلامه في واد، وسلوكه وأخلاقياته وتعاملاته مع الناس في واد آخر، ينير الطريق للناس ولا يسير فيه، يصف لهم الدواء وداؤه يقتله، يصدق فيه قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عـــظيم.
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فـــــإذا انتهت فأنت حــكيم.
فهناك يُسمع ما تقول ويُشتفي *** بالقول منك وينفع التعليم
وهذا النوع من الفصام عند الخطباء يقتل صاحبه ويورده المهالك في الدنيا والآخرة. في الدنيا ينصرف عنه الناس، وتبغضه قلوب الخلق، ويعرض عنه العقلاء. وفي الآخرة ينتظره ما هو أشد وأخطر؛ فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه"(رواه مسلم). تندلق أقتابه: تخرج أمعاؤه. صورة مرعبة تقشعر لها الأبدان والأذهان.
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: "رأيت ليلة أسري بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"(أخرجه أحمد وصححه الألباني). وعند البيهقي: "أتيت ليلة أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به"(رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني). وعن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه"(رواه الطبراني بإسناد حسن).
ثانياً: الفصام عن قضايا الواقع والبيئة المحيطة
الخطيب الناجح؛ هو الخطيب الذي يعالج قضايا الواقع ويقف عند مستجدات العصر، ويتصدى لنوازل المجتمع والأمة. أما الخطيب الذي يدفن نفسه في بطون الكتب والمراجع التي يحضر منها خطبه ودروسه، ويجتر مسائل وقضايا لم يعد أثر في الحياة ولا وجود مثل قضية القول بخلق القرآن وما كان على شاكلتها من نوازل القرن الثالث الهجري والتي مضى عليه أكثر من ألف سنة، فهو الخطيب المحكوم عليه بالفشل الذريع، فهو كالذي يخاطب الأحياء بقضايا وهموم الأموات. وهذا هو الفصام النكد بين الخطيب وقضايا واقعه ومستجدات نوازل مجتمعه.
فالناس يحتاجون لمن يحدثهم عن أزماتهم ومشاكلهم وهمومهم اليومية ومستجداتهم التي لا تنتهي، فيصف لهم الداء ويكتب لهم روشتة الدواء، والعصر الذي نعيشه اليوم يعاني من تسارع في وتيرة الأحداث، وكثرة في المستجدات والنوازل والأزمات والتحديات، وعصر العولمة وما بعد العولمة يمتاز بكثرة المخرجات في شتى مجالات الحياة، بعضها نافع وهام وقد لا يستغنى عنه، وبعضها الآخر سم زعاف وداء عضال. وانفصال الخطيب عن كل هذا الزخم المجتمعي يجعل الناس ينفرون من خطبته، وينصرفون عن مسجده، فالملل شعاره، والتكرار دثاره، والغفلة عن نوازل المجتمع ومستجداته خلاصة كلامه.
فالخطيب الناجح يلزمه النزول إلى ميدان الحياة، وإبصار واقع الناس، معرفة مشاكلهم ومعاناتهم وما يشغل بالهم، ويهدد واقعهم، كما يلزمه معرفة النصوص التي يمكن تنزيلها على واقعهم في ضوء المستطاع والمتاح اليوم، وما يمكن تأجيله لتوافر شرط الاستطاعة. فتنزيل النصوص هو ثمرة فقه الواقع وتفاعل النص مع الواقع. بالجملة الخطيب يلزمه الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية حتى يخرج من حالة الفصام النكد مع واقعه ومجتمعه.
ثالثاً: الفصام عن أحوال المستمعين
فالخطيب الذي لا يراعي طبيعة ثقافة الحاضرين ولا مستواهم التعليمي ولا إمكاناتهم العقلية ولا درجة استيعابهم، فخطبته ستكون فتنة لهم، ومصدر ضرر وخطر وتعجيز لا مصدر إثراء وإرشاد وتيسير لهم.
والسيرة النبوية زاخرة بالمواقف التي تبين مراعاة الواقع وتباين أحوال المستمعين والمخاطبين. فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُسئل السؤال نفسه من عدة أشخاص، فيجيب كل واحد منهم بإجابة مختلفة. فمثلا سئل عن أي الأعمال أفضل؟ فأجاب بإجابات مختلفة تجعل من لا يفهم طبيعة السنة النبوية يشعر بالتناقض، فتارة يجيب: الصلاة على وقتها، وتارة: إيمان بالله وبرسوله، وتارة: الجهاد في سبيل الله. وكذلك لما سُئل: عن أي الناس أفضل؟ وسئل: أوصني أو طلب منه الإشارة على عمل ينتفع به أو يتشبث به. فاختلاف أحوال السائلين ومعرفة أحوالهم والاطلاع على واقعهم، وما يحتاجونه فعلا، قاد إلى هذه الإجابات المختلفة التي تناسب واقع كل واحد منهم.
كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أدرى الخلق بأفهام الناس ودرجات استيعابهم ومستوى وعيهم، ومن ثم كان الخطاب على حسب هذه الدرجات والأفهام، وقد أخرج البخاري موقوفا عن علي-رضي الله عنه-: " حدثوا الناس بما تعرفون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله". وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رجل: يا رسول الله، حدثني بحديث واجعله موجزاً؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: " صل صلاة مودع، فإن كنت لا تراه، فإنه يراك، وايأس مما في أيدي الناس تعش غنياً، وإياك وما يعتذر منه" فالرجل طلب حديثاً موجزاً لعدم قدرته على الاستيعاب أكثر من ذلك، فجاء الخطاب النبوي مراعيا هذه القدرة الاستيعابية، فلم يزده على ثلاث كلمات فقط.
أيضا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخاطب الناس حسب قدراتهم وطاقاتهم. فعن أم هانئ -رضي الله عنها- قالت:" أتيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله دلني على عمل فإني كبرت وضعفت. فقال: كبري الله مائة مرة، وأحمدي الله مائة مرة، وسبحي الله مائة مرة، خير من مائة فرس ملجم مسرج في سبيل الله، وخير من مائة بدنة، وخير من مائة رقبة ". وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: " يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أولا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور". فالمرأة لم تحرم ثواب الجهاد، فالحج المبرور لها أفضل الجهاد. وقال كعب: لما نزلت: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) أتيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقلت: ما ترى في الشعر؟ قال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه".
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم