الصحة النفسية - خطب مختارة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2026-04-06 - 1447/10/18
التصنيفات:

اقتباس

فما من شيء يبعث في القلب الطمأنينة وفي الصدر الانشراح وفي النفس السكون وفي الروح البهجة مثل سجدة مخلصة يخرج فيها المرء من دنياه ويناجي فيها مولاه ويتخيل فيها أمر أخراه، فتدمع عيناه وتخشع جوارحه ويخبت قلبه، ويلقي همومه وآلامه ويطرح آماله وأحلامه على أعتاب خالقه...

كثيرًا ما نهتم بصحة أجسادنا وأجساد أولادنا وأهلينا، لكن القليل هم من يهتمون بصحتهم النفسية وأولادهم، مع أن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، بل قد تزيد عليها.

 

ومصدر الصحة النفسية وانشراح الصدر وطمأنينة القلب وراحة البال وهناءة الضمير يكمن في ظل الإسلام مع الإيمان وما يتضمن ذلك من طاعة الرحمن ومجانبة النفس والشيطان، يقول الله -تبارك وتعالى-: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)[طه: 123-125]، ويقول -سبحانه-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الأنعام: 82].

 

ومخطئ من ظن أن الماديات هي من تجلب الطمأنينة والسعادة النفسية؛ بل قد يمتلك الإنسان من الأموال ما ملكه قارون، ومن السلطان ما امتلك فرعون، لكنه -بغير الإيمان- يعيش معذب النفس ممزق الفؤاد خاوي الوجدان يعصف به القلق ويقعده الحزن وتحوطه التعاسة من كل مكان، وسل عن ذلك أغنى أغنياء الأرض وأقواهم سلطانا وقوة وشهرة؛ فإن منهم من عاش تعيسًا ومات حزينًا، ومنهم من كان يشكو خواء الروح وفراغ النفس، ومنهم من قتل نفسه فمات منتحرًا كارهًا لدنياه...

 

فهذا الملياردير الروسي "ديمتري بوسوف" وهو من أغنى رجال الأعمال في روسيا، ويمتلك اثنتين من أكبر شركات الفحم هناك، يقتل نفسه بمسدسه ويموت منتحرًا.

 

وهذه "كريستين أوناسيس" ابنة الملياردير اليوناني أوناسيس ووريثته الوحيدة، والتي ورثت من والدها الجزر والأساطيل البحرية والطائرات والمليارات، عُثر عليها على أحد الشواطئ الأرجنتينية منتحرة وقد ابتلعت كمية كبيرة من الحبوب المنومة، وهي لم تتجاوز السابعة والثلاثين من عمرها!

 

وهذا "لورنس سميدلي" أغنى أغنياء بريطانيا، اختار أن يموت هو الآخر منتحرًا رغم نعيمه وثرائه وشهرته...

 

ثم القائمة بعد ذلك طويلة من "الفنانين" والمشاهير والأثرياء ممن اختاروا إنهاء حياتهم بأيدهم رغم ما يملكون من متاع دنيوي يتمناه كثيرون من أهل الأرض: (يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[القصص: 79]!

 

***

 

وأسباب تحصيل الطمأنينة والصحة النفسية كثيرة، نذكر منها هذه الأمور:

 

ثانيًا: البعد عن المعاصي: ويكفينا هنا قول عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما-: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق"(الداء والدواء، لابن القيم).

 

ثالثًا: الإقبال على الآخرة والإدبار عن الدنيا: فعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من جعل الهموم همًا واحدًا؛ هم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك"(رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، فمن كانت الآخرة همه صغُرت عنده جميع هموم الدنيا، فارتاح قلبه.

 

رابعًا: حسن التوكل والإيمان بالقضاء والقدر: فكم من الراحة والتسليم يسكن ويستقر في قلب المؤمن حين يعلم أن كل شيء بقدر الله وبأمره، وأنه مقضي منذ الأزل، فهذا عبادة بن الصامت يقول لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة".

 

ويفسر عبد الله بن مسعود قول الله -تعالى-: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)[التغابن: 11]، فيقول: "هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي وعرف أنها من الله"(رواه البخاري).

 

خامسًا: الإحسان إلى خلق الله، لوجه الله: فكل عمل صالح يوطد في نفس المؤمن التفاؤل والثقة في موعود الله للطائعين: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97]، ولما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ أجاب -صلى الله عليه وسلم-: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة، شهرًا"(رواه الطبراني).

 

وفيما يلي عدد من الخطب المنتقاة تؤصِّل للأمر وتفصِّله وتجلِّيه:

العنوان

الصحة النفسية

2015/06/02 8498 994 28

إن حياتهم لا طعم لها، ولا مذاق، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات، بحث قوم عن السكينة وطمأنينة النفس في المال، في المناصب، في المركبات الفارهة، في الشهرة الزائفة، في الانغماس في أوحال الشهوات، في تجرع كؤوس الخمر، في احتساء سموم المخدرات، فلم يشبعوا، ولم يهنؤوا، ولم تطمئن نفوسهم، واصطلوا بناء القلق النفسي، والتوتر العصبي، يقض...

المرفقات

النفسية


العنوان

السعادة النفسية

2012/10/10 10253 2074 49

ودور التدين في توازن شخصيته ووقايتها وعلاجها من الأمراض والأزمات النفسية، فالإيمان يجعل لوجود الإنسان المتدين في هذه الحياة معنى وهدفًا، بخلاف غير المتدين الذي يعيش دون هدف سامٍ، مقتصرًا على أهداف دنيوية فانية، ويعاني من فراغ روحي يؤدّي ..

المرفقات

النفسية


العنوان

الإيمان وأثره في علاج الأمراض النفسية

2017/03/18 5019 61 21

إن المتأمل لحال بعض الناس يرى عندهم من الاضطراب، من القلق والهم والحزن، وإذا نظر إلى المجتمعات الغربية وما فيها من وسائل الراحة والرفاهية، وما وصلوا إليه من التقنية الحديثة إلا أنهم يعيشون في ضنك وهم، نرى الانتحار بأشكاله وصوره حتى أوجدوا في مستشفيات بما...

المرفقات

وأثره في علاج الأمراض النفسية


العنوان

العقد النفسية عند الشباب وأسبابها

2016/08/28 4577 891 7

ثم ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن من علامات صحة القلب أنه لا نعيم ولا سرور ولا فرح إلا بذكر الله والأنس به، فبه يطمئن، وإليه يأوي ويسكن، ففي القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال على الله، وفي القلب مرض لا يشفيه غير عبادة الله، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أنعم ولا أسرّ من الأنس به...

المرفقات

النفسية عند الشباب وأسبابها


العنوان

الأمن النفسي أين نجده

2014/12/11 10988 1177 46

لم توفر الحضارة الحديثة للإنسان الأمن النفسي، والشعور بالسعادة والطمأنينة، وراحة الضمير، ولم تعالج القلق والاضطرابات النفسية التي حوّلت الحياة إلى جحيم.. كل شيء متوفر.. طعام وعلاج، ومال، ووسائل ترفيه، وراتب شهري، وتعليم جيد، وحقوق مصانة، والتزام بالنفقة على الأولاد، ورعايتهم، وتعليمهم وتأمين مستقبلهم، ومع هذا كله دمَّر القلق النفسي حياتهم، وغزتهم الأمراض النفسية، وتفككت الأسر، وانتشرت الجرائم، وارتفعت معدلات الانتحار ...

المرفقات

النفسي أين نجده


العنوان

الحياة الطيبة

2024/01/19 4683 1368 29

ما أجملَ الحياةَ في رحاب الإيمان! وما أطيبَ العيشَ في طاعة الرحمن! فالمستجِيبون لله ولرسوله هم أهل الفَلَاح، وهم الأحياء وإن ماتوا، وغيرُهم أمواتٌ وإن كانوا أحياءَ الأبدان؛ ولهذا كان أكملُ الناس حياةً أكملَهم استجابةً لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّ كلَّ ما دَعا إليه ففيه الحَياةُ...

المرفقات

الحياة الطيبة.doc

الحياة الطيبة.pdf


العنوان

الفَهم الصحيح للحياة

2023/08/22 5557 1418 17

ومن قواعد الفهم الصحيح للحياة الدنيا: أنها تتقلب وتتبدل، ولا تبقى على حال، ولا تستقر على قرار؛ فلا أمان لعزِّها من الذل، ولا لقوتها من الضعف، ولا لقدرتها من العجز، ولا لغناها من الفقر، ولا لصحتها من المرض...

المرفقات

الفَهم الصحيح للحياة.doc

الفَهم الصحيح للحياة.pdf


العنوان

مجالات تربية الشباب (3) التربية البدنية والصحية والنفسية

2022/06/13 1435 1249 1

اعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ تَرَابُطًا وَثِيقًا بَيْنَ الصِّحَّةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ؛ فَإِنْ سَاءَتِ الْحَالَةُ النَّفْسِيَّةُ لِلشَّابِّ وَاعْتَرَاهُ الْقَلَقُ وَالتَّوَتُّرُ وَغَزَاهُ احْتِقَارُ النَّفْسِ وَرَكِبَهُ الْهَمُّ وَالْحَزَنُ، نَتَجَ عَنْ ذَلِكَ -لَا مَحَالَةَ- وَهْنُ الْبَدَنِ وَالْقُعُودُ عَنِ الْعَمَلِ، بَلْ وَقَدْ تُودِي الشِّدَّةُ النَّفْسِيَّةُ بِصِحَّةِ الْجَسَدِ حَتَّى يَفْنَى...

المرفقات

مجالات تربية الشباب (3) التربية البدنية والصحية والنفسية.pdf

مجالات تربية الشباب (3) التربية البدنية والصحية والنفسية.doc


العنوان

التربية الصحية

2022/01/17 2040 1508 0

وَيَنْبَغِي عَلَى الْآبَاءِ أَنْ يَحُثُّوا أَوْلَادَهُمْ عَلَى التَّرْبِيَةِ الصِّحِّيَّةِ لِيَجْعَلُوهَا جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ؛ فِي الْمَسْكَنِ وَأَمَاكِنِ الْعَمَلِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْحَدِيقَةِ؛ فَالصِّحَّةُ تَاجٌ عَلَى رُؤُوسِ الْأَصِحَّاءِ، لَا يَرَاهُ إِلَّا الْمَرْضَى، وَالْوِقَايَةُ خَيْرٌ مِنَ الْعِلَاجِ...

المرفقات

التربية الصحية.doc

التربية الصحية.pdf


العنوان

سكينة القلب

2020/07/16 8348 944 28

والسَّكينةُ نعمةٌ من اللهِ يُنْزِلُها على مَنْ يشاءُ من عبادهِ؛ فإذَا حلَّت بالقلبِ سَكَنَ واطمئنَّ، فأصبحَ هادئَ النِّفسِ، منشرحَ الصدرِ، مرتاحَ البالِ، مُستقِرَّ التفكيرِ، وعلى قدرِ رُسوخِها يكونُ مقامُ العبدِ عندَ المحنِ والبلاءِ. والشعورُ بالسكينةِ محضُ عطاءٍ من اللهِ...

المرفقات

سكينة القلب


العنوان

الأساليب النفسية المؤثرة في نفس الطفل -1

2019/08/24 2339 693 6

وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- تَجِاهَ نُفُوسِ الْأَطْفَالِ الرَّقِيقَةِ: أَنْ نُنَمِّيَ ثِقَتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَوَسَائِلُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ أَهَمَّهَا وَأَكْثَرَهَا بَرَكَةً مَا كَانَ يُمَارِسُهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ الْأَطْفَالِ مِنْ حَوْلِهِ، وَمِنْهَا: تَقْدِيرُ الطِّفْلِ، وَعَدَمُ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِهِ الْأَدَبِيَّةِ...

المرفقات

الأساليب النفسية المؤثرة في نفس الطفل -1


إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات