عناصر الخطبة
1/الانشغال بالهواتف وضياع الأوقات 2/أثر الجوالات في إضعاف العبادة وتفكك الحياة اليومية 3/الفتن الرقمية وخطر الاستغراق في الاستخدام 4/التقنية الحديثة بين النفع والضرر 5/حماية الأبناء من الإدمان الرقمي 6/وجوب ضبط استعمال الهواتف واستثماره فيما ينفع.اقتباس
اجعلوا هواتفكم جسورا للخير لا بوابات للضياع، ولتكن وسيلة للعلم والذكر وصلة الرحم، لا أداة لقتل الوقت وإضعاف القلب، واحذروا من تسليم أبنائكم إلى أغلال الهواتف الذكية فتفسد فطرهم، وتنحرف...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
معاشر المسلمين: إن من أعظم النعم التي امتن الله بها على الإنسان نعمة الوقت، وهو رأس ماله في هذه الحياة، وهو العمر الحقيقي الذي تُبنى به النجاة أو الخسارة، وقد أقسم الله به تنبيهًا على عظيم شأنه؛ (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1-2].
وإن من أعظم ما ابتلي به الإنسان في هذا العصر؛ صرف وقته في الوسائل الحديثة، وعلى رأسها الهواتف الذكية التي أصبحت سببًا في سلب الوقت، وتشتيت القلب، وإضعاف العبادة، وإهمال كثير من الواجبات.
عباد الله: إن الهاتف في أصله نعمة من نعم الله، لكنه حين يتحول إلى إدمان؛ فإنه ينقلب إلى فتنة تصرف القلب عن ذكر الله وعن الصلاة وسائر الواجبات حتى يغدو المرء أسيرًا لشاشة صغيرة تستنزف عمره فيضيع عليه وهو لا يشعر، وقد قال بعض السلف -رحمه الله-: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك". فكيف بمن تمر عليه الساعات الطوال في تصفح لا ينتهي، ومشاهدة لا تنقطع، ورسائل لا تنقضي؟
أيها المؤمنون: لقد أصبحنا نرى من يضيع صلاته أو يؤخرها بسبب هاتفه، ومن يجلس مع أهله وقلبه مع شاشة، ومن ينام ويصحو على إشعارات لا تنتهي، وهنا يبرز الخطر الأكبر: ضعف الصلة بالله، وتفكك الحياة اليومية، ضياع نعمة الفراغ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"(رواه البخاري)، فأي غبن أعظم من وقت يُهدر وعمر يُستهلك وقلب يُستنزف بلا طائل؟
عباد الله: إن من فقه الحياة أن التقنية سلاح ذو حدين؛ فإن أُحسن استخدامها كانت نعمة نافعة، وإن أُسيء استخدامها كانت نقمة مدمرة.
أيها المسلمون: لقد دخلت علينا الفتن الرقمية من أبواب متعددة، تتداخل فيها الشبهات وتُفتح فيها أبواب الشهوات عند سوء الاستخدام، وتشتت الانتباه وتضعف التركيز، حتى صار كثير من الناس يعيش في عالم افتراضي أكثر من واقعه. والحل ليس ترك التقنية، ولكن ضبطها وتقنينها وتوجيهها لما ينفع في الدين والدنيا.
ومن أعظم مخاطرها: إطلاق البصر بلا ضابط، وكثرة التنقل بين الصور والمقاطع، حتى يضعف التركيز ويقل حضور القلب، وتعتاد النفس ما لا ينبغي النظر إليه شيئًا فشيئًا.
وقد قيل:
كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها *** في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته *** لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
أيها المسلمون: إن مسؤولية الأسرة عظيمة في حماية الأبناء؛ فكم من طفل ضاع وقته وضعف تحصيله وتغير سلوكه بسبب جهاز صغير بلا رقابة؛ وإن من أخطر ما تفعله الهواتف أنها تنقل الابن من عالمه الواقعي إلى عالم افتراضي موهوم؛ فتضعف ارتباطه بأسرته، وتشتت تفكيره، وتفتح له أبوابًا لا يدرك عواقبها في مرحلة تتشكل فيها شخصيته.
عباد الله: فالواجب أن تُربى النفوس على ضبط الوقت، وأن يُغرس في الأبناء أن الهاتف وسيلة لا غاية، وأن الحياة أكبر من شاشة؛ فمن أراد النجاة فليجعل له وِردًا من القرآن، ويحفظ الصلاة في وقتها، ويعطي الأسرة حقها، والعلم نصيبه، والنفس راحتها؛ فمن لم يملك هاتفه ملكه هاتفه، وصار الهاتف هو الذي يقوده، وكما قيل:
والنفس كالطفل إن تُهمله شبَّ على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم:6].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أما بعد:
عباد الله: إن أعظم ما يُبتلى به الإنسان في هذا العصر ليس وجود التقنية، بل فقدان السيطرة عليها، ومن هنا تظهر خطورتها على هذه الوسائل؛ فمن ملك وقته ملك حياته، ومن ضيع وقته ضاعت دنياه وآخرته، وقد قال ابن القيم -رحمه الله-: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة"؛ فكيف إذا اجتمع ضياع الوقت مع ضياع الطاعة؟
أيها المسلمون: إن الواجب اليوم هو التوازن؛ فلا إفراط ولا تفريط، ولا منع مطلق ولا انغماس مفرط، وإنما ضبطٌ يحفظ الدين والعقل والوقت، ومن أعظم وسائل الإصلاح: مراقبة النفس، وتحديد أوقات الاستخدام، وإغلاق ما يضر، وتفعيل ما ينفع؛ ومن لم يشغل نفسه بالنافع شغلته نفسه بالضار، قال -صلى الله عليه وسلم-: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز"(رواه مسلم)، وهذا يشمل كل ما يقرب إلى الله، وما يصلح حال العبد في دنياه وأخراه.
أيها المؤمنون: اجعلوا هواتفكم جسورًا للخير لا بوابات للضياع، ولتكن وسيلة للعلم والذكر وصلة الرحم، لا أداة لقتل الوقت وإضعاف القلب، واحذروا من تسليم الأبناء لهذه الأجهزة بلا توجيه ولا ضبط؛ فإن الإهمال في هذه المرحلة قد يفسد الدين والخلق والمستقبل.
فاتقوا الله في أبنائكم، واعلموا أن أعينكم عليهم أمانة، وأن تركهم بلا توجيه خطر عظيم؛ فكونوا لهم عونًا على الخير، وسدًّا أمام أبواب الشر قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ثم إن من أهم ما يعين على ذلك: شغل الأبناء بالنافع من العلم، وغرس الطموح في نفوسهم، وتربيتهم على معالي الأمور؛ فإن النفس إن لم تُشغل بالحق شُغلت بالباطل، واعلموا أن الوقت هو العمر، ومن ضيعه فقد خسر نفسه، ثم اعلموا أن البركة في الوقت ليست بكثرته، بل بحسن استثماره؛ فمن وفقه الله لحسن استعمال وقته فقد فاز فوزًا عظيمًا.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأصلح أعمالنا واحفظ شباب المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ كما أمركم الله -تعالى- فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم