اقتباس
ثم تسلل حب الدنيا إلى قلوبهم، حتى طغى على نفوسهم، فأحبوا خضراءها، فلما خلدوا إلى الملذات والشهوات وكنزوا الكنوز: كرهوا الموت الذي يقطعهم عنها، فتحقق فيهم الوهن بشقيه: "حب الدنيا وكراهية الموت"، وعندها فقط صاروا لقمة سائغة طرية بين أنياب أعدائهم بعد أن كانوا شوكة قاسية في حلوقهم...
لَكَمْ أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- عن أشياء من المغيبيات، وتنبأ -صلى الله عليه وسلم- بشيء كثير من مستقبل دنيانا ومن مستقبل هذه الأمة التي نحن من أفرادها... ولقد رأينا بالفعل بعضًا مما تنبأ به النبي -صلى الله عليه وسلم- واقعًا متحققًا متجسدًا.
ومن ضمن تلك النبوءات النبوية التي تحققت ونحن نعيشها في زماننا هذا، تلك النبوءة التي نقلها إلينا الصحابي الجليل ثوبان -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت"(رواه أبو داود، وصححه الألباني).
ولا أشك أننا نحيا الآن في تلك النبوءة النبوية؛ فلقد كانت أمتنا أمة واحدة زمن الخلافة الراشدة ثم الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، وكان الشعار الغالب في كل تلك العصور تجاه الأعداء: "جئناكم بقوم يحرصون على الموت أشد من حرصكم على الحياة"، فكانوا أقوياء مهابين، لا يُغلبون ولا يُقهرون، دنياهم تحت أقدامهم.
ثم تسلل حب الدنيا إلى قلوبهم حتى طغى على نفوسهم فأحبوا خضراءها ونسوا أنهم بها يُبتلون ويُمتحنون: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا..."(رواه مسلم)، فلما خلدوا إلى الملذات والشهوات وكنزوا الكنوز كرهوا الموت الذي يقطعهم عما هم فيهم من متاع، فتحقق فيهم الوهن بشقيه: "حب الدنيا وكراهية الموت"، وعندها فقط صاروا لقمة سائغة طرية بين أنياب أعدائهم بعد أن كانوا شوكة قاسية في حلوقهم، فوقعت أغلب دول الوطن العربي والإسلامي تحت الاحتلال البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي أو الأسباني... وتمزقت أوصال الأمة؛ كل عدو من أعدائها يقتطع منها قطعة، فتحقق التصوير النبوي: "كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"!
وتحقق فينا أيضًا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل"، وانظر حولك؛ فها هم أكثر من مليار مسلم لا يستطيعون رفع الحصار المضروب على أهل غزة! لا يستطيعون تحرير مسجدهم الأقصى! لا يستطيعون أن يقفوا في وجه الغطرسة المتجبرة من عدوهم الواضح البين!!
وانظر حولك لترى كيف تحقق فينا وعيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"(رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فالمقصود: أنهم اشتغلوا بالدنيا وتكاثرها، وتهربوا من الجهاد الذي يعرضهم للقتل! فكانت بداية الانهيار هي هي نفسها: "حب الدنيا وكراهية الموت"!
***
ودعونا نلقي نظرة سريعة على زمان العزة والسؤدد؛ كيف كان حالهم مع الدنيا؟ هل عرف الوهن طريقًا إلى قلوبهم؟... نجيب: أما قائد هذه الأمة -صلى الله عليه وسلم- فقد دخل عليه ابن مسعود -رضي الله عنه- فرآه مضطجعًا على حصير قد أثر في جلده، فقال: بأبي وأمي، يا رسول الله لو كنت آذنتنا ففرشنا لك عليه شيئًا يقيك منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أنا والدنيا! إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها"(رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
ودخل عمرُ بن الخطاب هو الآخر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآه على نفس الحصير "ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظًا [ورق شجر يدبغ به] مضبورًا [مجموعًا في كومة]، وعند رأسه أهبًا [جلود حيوانات لم تدبغ] معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبكيت، فقال: "ما يبكيك؟" فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا، ولك الآخرة"(متفق عليه).
وكانت أخر وصايا الخليفة أبي بكر -رضي الله عنه- لما احتضر أن قال: "يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مت فاردديه إلى عمر"(الطبراني في الكبير).
ويقص أنس بن مالك ما رأته عيناه فيقول: "رأيت عمر بن الخطاب، وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه.. أربع رقاع بعضها فوق بعض"(الزهد، لأبي داود)... وهذا علي بن أبي طالب كان -وهو أمير المؤمنين- إذا أتى بيت المال قال: "غري غيري"، فيقسمه حتى لا يبقى منه شيء، ثم يكنسه ويصلي فيه ركعتين(فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل)... أما رابعهم عثمان بن عفان -رضي اللهم عنهم أجمعين- فيقول عنه شرحبيل بن مسلم: "كان عثمان بن عفان يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت"(الزهد لأحمد، والجوع لابن أبي الدنيا).
وهذا الملقب بخامس الخلفاء يقول عنه جاره: "لقد سمعت عمر بن عبد العزيز لما أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو يتململ كالسقيم، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: "يا دنيا إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوقت، هيهات هيهات غري غيري، قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك؛ فعمرك قصير، وغنيك فقير وعيشك حقير وخطرك كبير""(شرح البخاري، للسفيري)...
شعار الجميع قول الله -تعالى-: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[لقمان: 33]... فلا تتعجب إذًا حين تسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فالصالحون من الدنيا يحذرون وللموت في سبيل الله يتوقون، أتدري كيف ينظرون إلى هذه الدنيا؟! أتدري كيف يخاطبونها إذا تعرضت لهم؛ إن كل واحد فيهم يزجرها قائلًا:
خلي يداي فلست من أسراك *** أنا يا حياة علوت فوق علاك
خلي يداي فإن هدفي شامخ *** يحبو ويكبو في مداه مداك
لا تضربي قيدًا على حريتي *** رحب أنا كمدارج الأفلاك
سامٍ أنا حتى الخيـــال يكل عــــن *** دركي ويعي العقـــــل عن إدراكي
أنا إن حبـــوت عــلى ثراك فإن ذا *** قدري وإن صنعت خطاي خطاك
***
وإن كان الوهن الذي هو: "حب الدنيا وكراهية الموت" سببًا رئيسًا في ضعف المسلمين وهوانهم، فإنه ليس السبب الوحيد لهذا الضعف، بل هناك أسباب أخرى منها التفرق والتشرذم والتقطع بين أوصال الأمة؛ يقول -صلى الله عليه وسلم- قال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"(رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، لذا حذَّر القرآن فقال: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[الأنفال: 46].
لكن المتأمل المتأني يدرك أن هذا السبب الثاني لضعف المسلمين؛ "التفرق" إنما يرجع إلى السبب الأول "حب الدنيا"؛ فإن الناس عليها يتناحرون ومن أجلها يتباغضون ويتقاتلون، وفي هذا الحديث الدليل: "..فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"(متفق عليه).
وبقي من الكلام الكثير، ومن التحذيرات من الوهن وأسباب الأكثر، لذلك نفسح المجال لخطبائنا يفصِّلون ويؤصِّلون:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم