تأملات في آيات سورة الحج

د. منصور الصقعوب

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-20 - 1447/11/03
عناصر الخطبة
1/أعظم نعمة على الأمة المسلمة 2/الربط بين الحج ورحلة الآخرة 3/الحج وتذكر الآخرة 4/تأملات في آيات سورة الحج ومعانيها العظيمة 5/ تعظيم حرمات الله

اقتباس

الكائنات كلها تسجد لله، والمخلوقات كلها تُذعن له، والكون يذل له، ما في السماء والأرض من خلائق، والشمس والقمر والنجوم والكواكب. فما بال بعض بني آدم لا يسجد لله، ولا يذل لله. وإنه نتيجة لترك السجود سيحل بالمرء الهوان من الملك العزيز، ولذا قال في ختم هذه الآية حين ذكر من ترك السجود (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)؛ فمن ذا الذي يكرمه إذا أهانه الله؟!

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

وبعد: عباد الله: يظل كتاب الله أعظم نعمةٍ على هذه الأمة؛ هو دستورها وعزّها وشرفها، وفيه من العِبَر ما يجدر بالمسلم أن يتأمله على الدوام.

 

ونحن ننتظر بعد أيام موسم الحج، ففي كتاب الله سورة سميت بسورة الحج، فدعونا نقف مع بعض آياتها يا كرام.

 

أول ما يستوقفك في هذه السورة العظيمة أن الله لم يذكر فيها أحكام الحج إلا قليلاً، إنما استفتحها بآيةٍ تربط بين الحج ورحلة الآخرة، بآيةٍ تهز القلوب، وترتجف لها النفوس؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)[الحج: 1]؛ شيء عظيم وأمر كبير، وخطب جليل وحادث هائل، وهو وصف للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم.

 

ويأتي التفصيل، فإذا بالأمر أشدُ هولاً؛ (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الحج: 2].

 

إنه يوم سيمر بي وبك، وأحوالٌ سنكون مِن ضمن مَن سيعانيها، ومواقفُ لا تُقاس إلا بِشدَّةِ وقعها على الناس.

 

فالمرضعةُ -لو ثمّة مرضعة هناك- تذهل عن رضيعها، والحامل تُلقي حملها، والصغير يشيب رأسه، والناس كلهم تظنهم سكارى وما هم بسكارى ولكنهم رأوا ما أذهب عقولهم وأفزعهم.

 

يصير الناس فيها كالفراش المبثوث، والجبال كالعهن المنفوش، في شدائد لا يملك الأنبياء معها إلا أن يقولوا: اللهم سلِّم سلِّم.

 

عند الترمذي عن عمران بن حصين أن هاتين الآيتين نزلتا على رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وهو في سفر فحدّثهم، وقال: "أتدرون متى ذلك؟ ذلك يوم يقول الله فيه لآدم: ابعث بعث النار؛ فقال: يا ربي، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة"، فأنشأ الصحابة يبكون فما ترى ضاحكاً.

 

مثِّل وقوفك أيها المغرور  *** يوم القيامة والسماء تمور

فماذا أعددنا لذلك الموقف يا أيها الفضلاء؟

 

والحجاج يجتمعون في عرفات قد اختلفت ألوانهم، وتساوت ملابسهم، عليهم هناك أن يتذكروا يوم العرض على رب السماوات، وعلينا جميعًا أن نُعِدّ لنجاتنا أعمالاً تبيض وجوهنا هناك.

 

أيها المسلمون: وآية أخرى يسوقها الله في هذه السورة، تُشعرك وأنت تقرأها بكمال قدرة الله وبضعف ابن آدم؛ فيوم أن ترى ذلك المخلوق الآدمي يتجبّر وينسى حق ربه، ويترفع على خلقه، فاقرأ هذه الآية.

 

حينما ترى مَن ينازع في مُلك الله وقدرته فاذكر هذه الآية؛ إنها قول الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)[الحج: 5].

 

إن أول ابن آدم نطفة، يظل الله يرعاها وهي تتقلب في مراحل عدة ليخرج بعد ذلك من تلك النطفة آدمي له حواس ومشاعر، وعقل وتفكير والآم وآمال، ويظل الله يرعاه حتى يبلغ أشده.

 

فيا ابن آدم، اعرف من أين أنت، وماذا كنت، ولقد رأى أحدُ العُبَّاد أحدَ الخلفاء فقال له الخليفة أما عرفتني؟ فقال: بلى، أنت الذي خرجت من مخرج البول مرتين.

 

وأنتقل بعد ذلك إلى آية في سورة الحج؛ آية لا يملك المؤمن وهو يقرأها إلا أن يذل لله وينطرح بين يديه، فأرعِ السمع لقول الله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)[الحج: 18].

 

الكائنات كلها تسجد لله، والمخلوقات كلها تُذعن له، والكون يذل له، ما في السماء والأرض من خلائق، والشمس والقمر والنجوم والكواكب. فما بال بعض بني آدم لا يسجد لله، ولا يذل لله.

 

وإنه نتيجة لترك السجود سيحل بالمرء الهوان من الملك العزيز، ولذا قال في ختم هذه الآية حين ذكر من ترك السجود (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)؛ فمن ذا الذي يكرمه إذا أهانه الله؟!

 

يا كرام: ولئن كان الناسُ منقسمين في الدنيا بين مؤمن وكافر، فالنهاياتُ أسعد للمؤمن وأسوأ للكافر.

 

ولقد ذكر الله في هذه السورة نهاية السعداء ونهاية الأشقياء، ليرى كلُّ امرئٍ النهايةَ الحقيقية، ولِيُقدِّمَ لنفسه ويختار؛ إما الجنة وإما النار.

 

لقد ذكر الله في هذه السورة طرفاً من عذاب النار (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)[الحج: 19]؛ فهم في نار، وثيابهم من نار، ويُصَبُّ عليهم من فوقهم الحميم الذي يَصهر والجلود، ويحاولون المفر فلا مفر. (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)[الحج: 22].

 

وعلى الطرف الآخر أصحاب النعيم يصف الله طرفاً مما هم فيه؛ فيقول بعده: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)[الحج: 23- 24].

 

هما محلان ما للمرء غيرهما *** فانظر لنفسك ماذا أنت مختار 

فالدار جنة عدن إن عملت بما *** يرضي الإله وإن فرطت فالنار

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده...

 

عباد الله: وتتوالى آيات سورة الحج بمعانيها العظيمة التي تهز القلوب وتأخذ بمجامع النفوس.

وفي تلك السورة يقول الله: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الحج: 26]؛ لقد أسكن اللهُ إبراهيم -عليه السلام- في ذلك الوادي الخالي من كل أمور الحياة، فلا ماء ولا زرع ولا إنس ولا ضرع، ويهيئ اللهُ الأسبابَ لتأتي الجموع تؤم تلك الهضاب؛ إجابةً لدعوة إبراهيم -عليه السلام- (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)[إبراهيم: 37].

 

وها هي نفوس المؤمنين تهوي إلى تلك البقاع إلى هذه الأزمان، فما يأتي موسم إلا وتتحرك المشاعر شوقاً وحُبّاً لتلك البقاع والمشاعر.

 

ويبني إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- البيت، وكان من أول تلك المقاصد لذلك؛ (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) التوحيد ونبذ كل ضلال وشرك في حق الحميد المجيد.

 

 (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) لتأتي الجموع ملبيةً؛ (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)[الحج: 27- 28]؛ فكلٌّ سينهل من منافع الحج على اختلاف المشارب، الباحث عن الدنيا والباحث عن الدين.

 

ثم يقول الله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)[الحج: 30]؛ قال ابن كثير: أي ومَن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، فله على ذلك خير كثير.

 

وما أحوجنا إلى أن نُعظِّم حرمات الله، فهو ميزان التفاضل وعلى قَدْر ما في القلب من تعظيم الله يكون القرب؛ قال ابن منده: "والعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب، والإجلالِ له، والمراقبة له في السر والعلانية".

 

والصالحون عظّموا حرمات الله؛ فأتوا أوامره وتركوا نواهيه، وإذا زلَّ أحدهم فوقع في ذنبٍ ظلَّ أثر الذنب عليه، فيستغفر الله منه ويتوب وهو مشفق وَجِل.

 

وحينما ضعف تعظيم حرمات الله في قلوب البعض أصبح يعصي ربه وكأن شيئاً لم يكن، ولو أنه خالف أمراً دنيوياً أو نظاماً من أنظمة البشر لوجل قلبه وخاف، وهذا علامة على ضعف تعظيم الله في القلوب.

ولو عُظِّم الآمر لَعُظِّمت الأوامر. ولو عرفنا الله حق معرفته لما أقدمنا على معصيته.

 

أيها الفضلاء: وفي زمن تسلط الأعداء يتساءل البعض عن نصرة الله لعباده، ويقول بلسان حاله أو مقاله: أين نصرة الله للمؤمنين، وأين موعوده لهم؟

 

وفي سورة الحج جوابٌ لهذا التساؤل (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)[الحج: 40]؛ فالله ناصرٌ من ينصره، فمن هم الذين ينصرون الله؟ وصفهم بقوله (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)[الحج: 41].

 

امتثلوا أمره وحقّقوا شرعه، حافظوا على الصلوات وأدوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكرات، فبهذا تتم نصرة الله وتحل، (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)؛ فهو الحاكم والمدبر، له في تقديره الحكمة، وهو على كل شيء قدير.

 

وبعد: فما هذا التطواف في ظلال آيات سورة الحج إلا شذرة وقطرة من بحر، وما هي إلا لفتة ولمحة لبعضٍ من آي القرآن، ولعل في تأملها حادياً لنا لنتأمل كلام ربنا، ولأن نستحضر قلوبنا إذا الآيات مرّت بنا.

 

 والله أسأل أن يرزقنا الفقه في دينه والعمل في كتابه، وأن يوفقنا لتدبر آياته. 

 

المرفقات

تأملات في آيات سورة الحج.doc

تأملات في آيات سورة الحج.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات