حسن الخاتمة

هاني المطرفي

2026-02-06 - 1447/08/18 2026-03-08 - 1447/09/19
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/لا يدري الإنسان وقت أجله 2/إنما الأعمال بالخواتيم 3/خوف السلف من سوء الخاتمة 4/من أسباب سوء الخاتمة

اقتباس

اعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به -والحمد لله-؛ إنما تكون لمن كان له فساد في الفعل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت...

الخُطْبَةُ الأُولَى: 

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-؛ (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[العنكبوت: 17].

 

عباد الله: الموت لا يقرع باباً ولا يهاب حُجَّاباً ولا يأخذ كفيلاً، كتبه الله على الخلق ليحاسبوا على ما كلَّفهم به؛ فقد خلقهم لعبادته، وأخفى عنهم وقته ليكونوا دائما على أهبة الاستعداد؛ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[لقمان: 34].

 

تزوّد من التّقوى فإنّك لا تدري *** إذا جُنّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجر

كم من صحيح مات من غير علّة *** وكم من سقيم عاش حيناً من الدّهر

وكم من صبي يُرتجى طولُ عُمرِهم *** وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

 

أيها المسلمون: إن خاتمة الشيء هي الطابع الذي يعرف به، والعنوان الذي يلقب به، والحال التي يحكم بها، وقد جاء الشرع المطهر باعتبار الخواتم دليلا على حال الشخص، وعلامة على مصيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن رجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنّة"(رواه مسلم)، وعن سهل بن مسعود مرفوعاً: "إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنه من أهل النار؛ وإنما الأعمال بالخواتيم"(رواه البخاري)، وعن عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في دعائه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على طاعتك"، فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء، فقال: "وما يؤمنني -يا عائشة- وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبّار، يقلبها كيف يشاء".

 

وقد جعل الشارع الحكيم علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة، فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة!، وقد جمعهما أهل العلم في كتبهم، ومن ذلك ما جمعه العلامة الألباني -رحمة الله تعالى- في كتابه أحكام الجنائز، ولنسّمع لها يقول -رحمه الله-:

الأولى: من علامات حسن الخاتمة: نطقه بالشهادة عند الموت، وفيها أحاديث منها: عن معاذ مرفوعاً: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ دخل الجنّة"(أخرجه الحاكم بسند حسن)، ولأحمد وابن ماجه: "ما من نفسٍ تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن؛ إلا غفر الله لها".

 

الثانية: الموت برشح الجبين: لحديث بريدة ابن الحصيب -رضي الله عنه-: "أنّه كان في خراسان فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده بالموت وإذا هو يعرق بجبينه، فقال: الله أكبر! سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يَمُوتُ الْمُؤْمِنُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ"(أخرجه أحمد والنسائي بسند صحيح).

 

الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة؛ إلا وقاه الله فتنة القبر"(أخرجه أحمد بسند حسن).

 

الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال: قال -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[آل عمران: 169 - 170].

 

وفي ذلك أحاديث منها ما أخرجه الترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت مرفوعاً: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلّى حليّة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويُشَفّع في سبعين إنساناً من أقاربه".

 

ويرجى هذا الفضل لمن سأل الله الشهادة مخلصاً من قلبه، ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"(أخرجه مسلم).

 

الخامسة: الموت غازياً في سبيل الله: فقد اخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما تعدون الشهيد فيكم؟"، قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن شهداء آمتي إذاً لقليل"، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد"؛ ومعنى "مات في البطن" أي: بداء الاستسقاء وانتفاخ البطن.

 

السادسة: الموت بالطاعون: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعاً: "الطاعون شهادة لكل مسلم"(أخرجه البخاري)، وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون، فأخبرها نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمةً للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً، يعلمُ أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له؛ إلا كان له مثل أجر الشهيد"(البخاري).

 

السابعة: الموت بداء البطن: عن عبد الله بن يسار قال: "كنت جالساً وسليمان بن صُردَ وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي مات ببطنه، فقال أحدهم: ألم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره"، فقال الآخر صدقت"(أخرجهم النسائي بسند صحيح).

 

الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله"(متفق عليه).

العاشرة: الموت على عمل صالح: فقد أخرج أحمد في مسنده عن حذيفة قال: أسندت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى صدري، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنّة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة"، قال المناوي: "من ختّم له بصيام يوم، أي: من ختم عمره بصيام يوم بأن مات وهو صائم، أو بعد فطره من صومه، دخل الجنّة، أي: مع السابقين الأولين".

 

الحادية عشرة: ثناء الناس على الميت: عن أنس -رضي الله عنه- قال: "مَرُّوا بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، وَمَر بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِي عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَّبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، فَقَالَ: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ".

 

ثم يكمل الشيخ -رحمه الله- تلك العلامات حتى بلغت ثمانية عشر علامة لحسن الخاتمة، جعلنا الله وإياكم من أهلها.

 

عباد الله: لقد كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، فقد كان سفيان الثوري يبكي ويقول: "أخاف أن أكون في الكتّاب شقيّاً"، وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضاً على لحيته، يقول: "يا رب، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟".

 

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وسبب سوء الخاتمة دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، قال عبد العزيز ابن أبي راود: حضرت رجلا عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله، فقال آخر ما قال: هو كافر بها، ومات على ذلك، قال فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان يقول: اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعت".

 

ولذا أكثر النبي -صلى الله عليه وسلم- من دعاء الله تثبيت قلبه على الدين، وتصريفه على الطاعة، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال: "بلى قولي: اللهم رب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحيتني".

 

فنسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إن هو الوهاب، وأستغفر الله لي ولكم وسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وكونوا على حذر من الخاتمة؛ فإن الأعمال بخواتيمها، عن سهل بن سعد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يدع شاذةّ ولا فاذّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: "ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هو من أهل النار"، فقال رجل من القوم: "أنا صاحبه"، فاتبعه، فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على نفسه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أشهد أنك رسول الله"، وقص عليه القصّة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة -فيما يبدو للناس- وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار -فيما يبدو للناس- وهو من أهل الجنة؛ إنما الأعمال بالخواتيم"(متفق عليه).

 

قال القرطبي -رحمه الله-: "اعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به -والحمد لله-؛ إنما تكون لمن كان له فساد في الفعل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت، فيتصدى له الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة -والعياذ بالله-، فيقوم بذلك سبباً لسوء خاتمة وشؤم عاقبته".

 

فأكتر -أيها المسلم- من دعاء الله التثبيت، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صّرف قلوبنا على طاعتك.

 

هذا، وصلوا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم الله بذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، اللهم صل عليه، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله في نفسه، واجعل دائرة السوء عليه، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والرياء، والزلازل والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم انصر إخواننا الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان وعلى حدودنا، اللهم فرج هم المهمومين، وأقضي الدين عن المدينين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزيدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم مع تصنعون.

 

 

المرفقات

حسن الخاتمة.doc

حسن الخاتمة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات