رمضان الأخير

راكان المغربي

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-17 - 1447/08/29
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/موعد النهاية المصيري المحتوم 2/أوشك رمضان أن يصل 3/لابد أن نتعامل مع رمضان القادم أنه المحطة الأخيرة لفصول حياتنا.

اقتباس

إِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ؛ فَذَاكَ يَعْنِي أَنَّ أَعْظَمَ هَمِّكَ سَيَكُونُ التَّخَلُّصَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْبَةَ مِنَ الْآثَامِ، وَالرَّحِيلَ إِلَى اللهِ طَاهِرًا قَلْبُكَ، مُبْيَضَّةً صَحِيفَتُكَ، مَمْحُوَّةً سَيِّئَاتُكَ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: كَثِيرٌ مِنَّا يَسْتَخْدِمُ تَقْوِيمَ الْجَوَّالِ، لِيُسَجِّلَ فِيهِ مَوَاعِيدَهُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ الْهَامَّةَ؛ وَبِذَلِكَ يَتَذَكَّرُ مَوْعِدَ الْمُسْتَشْفَى، وَتَارِيخَ الْمُنَاسَبَةِ، وَوَقْتَ الرِّحْلَةِ، وَسَاعَةَ الِاجْتِمَاعِ؛ وَلَكِنَّ ثَمَّةَ مَوْعِدًا مُسْتَقْبَلِيًّا أَشَدَّ أَهَمِّيَّةً، وَأَعْظَمَ شَأْنًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَنْ تَجِدَهُ مُسَجَّلًا فِي التَّقَاوِيمِ، وَلَا مَعْرُوفًا فِي الْأَذْهَانِ.

 

مَوْعِدٌ مَصِيرِيٌّ سَيَأْتِي عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا، وَسَنَتَفَاجَأُ بِهِ بِدُونِ إِشْعَارٍ مُسْبَقٍ، وَلَا نَغْمَةِ تَنْبِيهٍ؛ إِنَّهُ مَوْعِدُ الْمَوْتِ -يَا عِبَادَ اللهِ-، ذَاكَ الْمَوْعِدُ الَّذِي نَحِيدُ مِنْهُ وَهُوَ مُدْرِكُنَا، نَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ لَاقِينَا؛

(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[الجمعة: الآية 8].

 

هَذَا هُوَ الْمَوْعِدُ الْمَحْتُومُ، وَالْأَجَلُ الْمَحْسُومُ؛ مَوْعِدٌ لَا نَسْتَطِيعُ التَّنَبُّؤَ بِوَقْتِهِ، وَلَا تَوَقُّعَ تَارِيخِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سِنِينَ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُبَاغِتُنَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ فِي كُلِّ آنٍ وَحِينٍ؛ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- يَمْشِي يَوْمًا؛ فَمَدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ الشَّرِيفَةَ وَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدَ اللهِ، كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ".

 

أي: اجْعَلْ حَالَكَ فِي الدُّنْيَا كَحَالِكَ فِي الْغُرْبَةِ، تَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَمْكُثَ طَوِيلًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى وَطَنِكَ وَمُسْتَقَرِّكَ، أَوْ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ، مَكَثْتَ يَسِيرًا فِي مَحَطَّةِ تَوَقُّفٍ تَتَرَقَّبُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ النِّدَاءَ لِإِكْمَالِ رِحْلَتِكَ إِلَى وِجْهَتِكَ النِّهَائِيَّةِ؛ هَكَذَا فَلْيَكُنْ حَالُكَ فِي الدُّنْيَا، تَعِيشُ مُتَرَقِّبًا لِنِدَاءِ الِانْتِقَالِ، وَإِكْمَالِ الرِّحْلَةِ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ.

 

وَلِذَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ -لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَزُورُكَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ-، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ -لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَزُورُكَ قَبْلَ أَنْ تُمْسِيَ-، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ".

 

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: هَا نَحْنُ عَلَى مَشَارِفِ أَشْرَفِ شُهُورِ الْعَامِ، وَأَعْظَمِ لَيَالِي الْعُمُرِ، وَأَوْفَرِ فُرْصَةٍ لِلِاسْتِعْدَادِ قَبْلَ النِّدَاءِ الْأَخِيرِ؛ فِي رَمَضَانَ الْفُرَصُ مُوَاتِيَةٌ، وَأَبْوَابُ الْخَيْرِ مُفَتَّحَةٌ، وَنَوَازِعُ الشَّرِّ مَكْبُوتَةٌ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: الآية 183]، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)[البقرة:185]، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذاريات: 15–18]، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة: الآية 186]، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[العنكبوت:57–58]

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عباد الله: إِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ رَمَضَانُكَ الْأَخِيرُ؛ فَذَاكَ يَعْنِي أَنَّ أَعْظَمَ هَمِّكَ سَيَكُونُ التَّخَلُّصَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْبَةَ مِنَ الْآثَامِ، وَالرَّحِيلَ إِلَى اللهِ طَاهِرًا قَلْبُكَ، مُبْيَضَّةً صَحِيفَتُكَ، مَمْحُوَّةً سَيِّئَاتُكَ.

 

إِذَا اسْتَشْعَرْتَ ذَلِكَ؛ فَلَنْ يَصْعُبَ عَلَيْكَ تَرْكُ الْمَعَاصِي، وَهِجْرَانُ الذُّنُوبِ، وَلَنْ تَهْتَمَّ حِينَهَا بِمُشَاهَدَةِ الْمُسَلْسَلَاتِ الْمَاجِنَةِ، وَالْأَفْلَامِ الْخَلِيعَةِ، الَّتِي تَجْمَعُ لَكَ مِنْ ذُنُوبِ مُشَاهَدَةِ الْعَوْرَاتِ، وَسَمَاعِ الْمُحَرَّمِ مِنَ النَّغَمَاتِ، مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ.

 

سَيَكُونُ كُلُّ هَمِّكَ الْإِقْبَالَ عَلَى اللهِ، وَتَحْصِيلَ الْمَغْفِرَةِ مِنْ أَبْوَابِهَا الْمُشْرَعَةِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ"، "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ، مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

 

فَصِيَامُ الشَّهْرِ كَامِلًا بَابٌ، وَقِيَامُهُ كَامِلًا بَابٌ، وَقِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بَابٌ؛ فَمَنْ شُرِعَتْ لَهُ الْأَبْوَابُ، وَفُسِحَتْ لَهُ الطُّرُقُ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِلَى طُرُقِ الْمَعَاصِي؛ فَهَذَا وَاللهِ هُوَ الْمُبْعَدُ، الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ، وَيُؤَمِّنَ عَلَى ذَلِكَ خَيْرُ الْبَشَرِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْتُ: آمِينَ".

 

فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ.

 

أَقْبِلْ! قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْأَجَلُ، وَيَزُولَ الْأَمَلُ، وَيُغْلَقَ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[لقمان: 33]، (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[لقمان: 34].

 

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْفَائِزِينَ الْمَقْبُولِينَ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

المرفقات

رمضان الأخير.pdf

رمضان الأخير.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات