سر العناية الإلهية في الخلق والقلوب

أ زياد الريسي

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-06 - 1447/10/18
عناصر الخطبة
1/نعمة الهداية أعظم النعم وأجلها 2/بيان معنى الهداية وأمثلة لها 3/هداية الله تعالى تشمل جميع المخلوقات 4/هداية القلوب هي الهداية الكبرى 5/بعض أسباب نيل هداية القلوب

اقتباس

إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا عَرَفُوا قَدْرَ الْهِدَايَةِ فَحَفِظُوهَا، وَخَافُوا زَوَالَهَا فَسَأَلُوا رَبَّهُمُ الثَّبَاتَ عَلَيْهَا، وَعَلِمُوا أَنَّ أَعْظَمَ الْحِرْمَانِ أَنْ يُحْرَمَ الْعَبْدُ نَيْلَهَا، وَأَنْ يُتْرَكَ لِنَفْسِهِ فَتَهْوِي بِهِ إِلَى الرَّدَى؛ فَاحْذَرُوا أَنْ تُسْلَبُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الثَّبَاتَ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ إِذَا زَاغَتْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَشَرَعَ السَّبِيلَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ. صَوَّرَ فَمَا أَجْمَلَ، وَقَدَّرَ فَمَا أَهْمَلَ، وَهَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى مَا بِهِ يَكْمُلُ. أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ أَبْصَرَ فِي مَلَكُوتِهِ عَظِيمَ التَّدْبِيرِ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرَ مَنْ غَرِقَ فِي بِحَارِ فَضْلِهِ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْهِدَايَةَ أَجَلَّ الْمِنَنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي كُلِّ نَفَسٍ تَتَرَدَّدُونَ فِي فَضْلِ اللَّهِ، وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ تَتَقَلَّبُونَ فِي هِدَايَتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجَلَّ عَطَايَا الرَّبِّ لَيْسَتْ مَالًا يُجْمَعُ، وَلَا جَاهًا يُرْفَعُ، بَلْ هِيَ "الْهِدَايَةُ"؛ تِلْكَ الْيَدُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي تُمْسِكُ بِقَلْبِكَ فِي دُرُوبِ الْحَيْرَةِ، وَالنُّورُ الَّذِي يَأْخُذُ بِجَوَارِحِكَ يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ التِّيهِ؛ (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ)[الْأَنْعَامِ: 125].

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ سِرًّا، وَفِي كُلِّ مِنَّةٍ أَثَرًا، وَإِنَّ أَعْظَمَ النِّعَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَجَلَّهَا قَدْرًا، وَأَعَمَّهَا أَثَرًا: نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ؛ بِهَا تَحْيَا الْقُلُوبُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَتُبْصِرُ بَعْدَ عَمَاهَا، وَتَسْتَقِيمُ بَعْدَ اعْوِجَاجِهَا؛ قَالَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ)[الْبَقَرَةِ: 213]، وَقَالَ: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[فُصِّلَتْ: 17].

 

اعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- أَنَّ هِدَايَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُورٍ لِلْقُلُوبِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ قِيَامُ الْوُجُودِ بِأَسْرِهِ؛ هِدَايَةٌ تُصْلِحُ الرُّوحَ فِي مِحْرَابِهَا، وَتُصْلِحُ الْبَدَنَ فِي مَعَاشِهِ. انْظُرُوا كَيْفَ تَجَلَّى لُطْفُهُ فِي إِرْشَادِ الْخَلَائِقِ إِلَى أَرْزَاقِهَا، وَسَوْقِ الْكَائِنَاتِ إِلَى مَصَالِحِهَا، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[طه: 50]؛ فَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- هَذَا اللَّفْظَ الرَّبَّانِيَّ: (هَدَى)، كَأَنَّهُ سِرٌّ يَسْرِي فِي أَوْصَالِ الْوُجُودِ، وَنُورٌ مُمْتَدٌّ فِي كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ، بَلْ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ، هِدَايَةٌ تَبْدَأُ مِنْ أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ، وَتَمْتَدُّ إِلَى أَعْظَمِ الْغَايَاتِ.

 

وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَذِهِ الْهِدَايَةَ الْكَوْنِيَّةَ بِأَنَّهَا: تَوْفِيقُ الْمَخْلُوقِ لِمَا يُصْلِحُهُ فِي وُجُودِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ: إِلْهَامُهُ طَرِيقَ الزَّوَاجِ وَالسَّكَنِ، وَمَعْرِفَةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صَلَاحَهُ، وَهَدَاهُ لِمَا يُصْلِحُهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "فَهَدَى كُلَّ نَفْسٍ لِجَلْبِ مَا يُصْلِحُهَا وَيَنْفَعُهَا، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهَا وَيُفْسِدُهَا"، ثُمَّ خَصَّ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ بِنَوْعٍ أَجَلَّ مِنْ هَذَا: هُدَى الْبَيَانِ وَالنُّطْقِ، الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ مُرَادُ اللَّهِ وَمُرَادُ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ، وَلِذَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)[الذَّارِيَاتِ: 23].

 

عِبَادَ اللَّهِ: مَنْ تَأَمَّلَ فِي هِدَايَةِ الْخَالِقِ لِخَلْقِهِ، أَدْرَكَ كَمَالَ الْحِكْمَةِ وَتَمَامَ التَّدْبِيرِ، وَظَهَرَ لَهُ جَلَالُ الرُّبُوبِيَّةِ فِي صَغِيرِ الْمَخْلُوقَاتِ وَكَبِيرِهَا، إِنَّهَا آيَاتٌ تَشْهَدُ أَنَّ الْهِدَايَةَ صُنْعُهُ وَحْدَهُ، وَلُطْفُهُ فِي خَلْقِهِ، وَأَثَرُ رُبُوبِيَّتِهِ الْمُطْلَقَةِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: الْإِنْسَانُ، ضَعِيفٌ فِي مُبْتَدَئِهِ، عَجِيبٌ فِي نَشْأَتِهِ: يُخْلَقُ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، ثُمَّ يُهْدَى طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، حَتَّى يَسْتَوِيَ خَلْقُهُ، وَتَتِمَّ صُورَتُهُ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الدُّنْيَا اسْتَقْبَلَهَا بِصَيْحَةِ الْحَيَاةِ، كَأَنَّهَا إِعْلَانُ الْفِطْرَةِ الْأُولَى.

 

ثُمَّ يُهْدَى إِلَى رِزْقِهِ، فَيَلْتَقِمُ الثَّدْيَ بِلَا مُعَلِّمٍ، وَيَهْتَدِي إِلَى غِذَائِهِ بِلَا تَجْرِبَةٍ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْإِدْرَاكِ: يُبْصِرُ بَعْدَ ظُلْمَةٍ، وَيَسْمَعُ بَعْدَ خَفَاءٍ، وَيَتَكَلَّمُ بَعْدَ عَجْزٍ.

 

ثُمَّ تَتَّسِعُ دَوَائِرُ هِدَايَتِهِ: فَيُهْدَى إِلَى مَصَالِحِهِ، وَيُرْشَدُ إِلَى مَنَافِعِهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا يَضُرُّهُ، وَكَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً تَقُودُهُ، وَعِنَايَةً رَبَّانِيَّةً تَرْعَاهُ.

 

فَمَنِ الَّذِي عَلَّمَهُ كُلَّ هَذَا؟ وَمَنِ الَّذِي قَادَهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ؟ إِنَّهُ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)[الْأَعْلَى: 2-3].

 

وَلَيْسَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، بَلْ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ تَشْهَدُ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ:

الطَّيْرُ تَشُقُّ السَّمَاءَ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى أَوْكَارِهَا وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ خَرِيطَةً فِي صَدْرِهَا، وَالنَّمْلُ يَسْلُكُ طُرُقَهُ الْمُحْكَمَةَ، لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى، وَالنَّحْلُ يَبْنِي بُيُوتَهُ بِدِقَّةٍ تُعْجِزُ الْعُقُولَ، وَيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهِ شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ، وَقُلْ: مِثْلُهَا الْحَشَرَاتُ وَالزَّوَاحِفُ، وَهِدَايَتُهُ لِلْحَيَوَانَاتِ وَالسِّبَاعِ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَكُلٌّ مَهْدِيٌّ بِإِلْهَامِ رَبِّهِ.

 

فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ! إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ كَفَلَ لِلْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ هِدَايَةً تَحْفَظُ بِهَا دُنْيَاهَا، أَفَيَتْرُكُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ يَتَخَبَّطُ فِي سُدَفِ الْمَعَاصِي بِلَا نُورٍ؟! بَلْ خَصَّكُمُ اللَّهُ يَا بَنِي الْإِنْسَانِ بِهِدَايَةٍ أَعْظَمَ؛ هِدَايَةِ الْبَيَانِ، وَنُطْقِ اللِّسَانِ، ثُمَّ تَوَّجَهَا بِهِدَايَةِ التَّوْفِيقِ لِلْإِيمَانِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْهِدَايَةُ فِي شُؤُونِ الْمَعَاشِ وَالْجَسَدِ، فَكَيْفَ بِهِدَايَةِ الْقُلُوبِ إِلَى الْإِيمَانِ؟! إِنَّهَا الْهِدَايَةُ الْكُبْرَى، الَّتِي هِيَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ فَضْلًا، وَيَمْنَعُهَا مِمَّنْ يَشَاءُ عَدْلًا؛ قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[الْقَصَصِ: 56]، وَقَالَ: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[يُونُسَ: 25]. وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، لَا يُنَالُ بِالْقُوَّةِ، وَلَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ بِالِافْتِقَارِ، وَيُرْجَى بِالصِّدْقِ، وَيُحْفَظُ بِالطَّاعَةِ.

 

فَجِدُّوا -عِبَادَ اللَّهِ- فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ، وَتَعَلَّقُوا بِأَسْبَابِهَا:

وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَعْظَمُ أَسْبَابِهَا، كِتَابُ الْهُدَى وَالنُّورِ؛ (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ ‌نُورًا ‌نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)[الشُّورَى: 52]، وَمِنْ أَسْبَابِهَا الدُّعَاءُ، كَمَا كَانَ نَبِيُّكُمْ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُرَدِّدُ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ، وَالِابْتِعَادُ عَنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ؛ (‌وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[الْكَهْفِ: 28].

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا عَرَفُوا قَدْرَ الْهِدَايَةِ فَحَفِظُوهَا، وَخَافُوا زَوَالَهَا فَسَأَلُوا رَبَّهُمُ الثَّبَاتَ عَلَيْهَا، وَعَلِمُوا أَنَّ أَعْظَمَ الْحِرْمَانِ أَنْ يُحْرَمَ الْعَبْدُ نَيْلَهَا، وَأَنْ يُتْرَكَ لِنَفْسِهِ فَتَهْوِي بِهِ إِلَى الرَّدَى؛ فَاحْذَرُوا أَنْ تُسْلَبُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الثَّبَاتَ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ إِذَا زَاغَتْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا.

إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتَى *** فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُوَاجِهُ الْعَبْدَ الْيَوْمَ هُوَ "التِّيهُ" وَسْطَ ضَجِيجِ الْمَادِّيَّاتِ، وَظُلْمَةِ الشُّبُهَاتِ. وَالسِّرُّ الَّذِي نَنْشُدُهُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ هُوَ: الِافْتِقَارُ؛ فَالْهِدَايَةُ لَا تُنَالُ بِذَكَاءِ الْعَقْلِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا تُنَالُ بِـ "سَجْدَةِ انْكِسَارٍ" تَقُولُ فِيهَا بِصِدْقٍ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

 

فَيَا مَنْ ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلُ، وَيَا مَنْ حَارَ فِي قَرَارِهِ، وَيَا مَنْ غَلَبَهُ هَوَاهُ: اطْرُقْ بَابَ الْهَادِي، فَمَا رُدَّ عَبْدٌ اسْتَهْدَاهُ؛ وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ".

 

قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَلِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُنَالُ الْهِدَايَاتُ، أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَحَذَّرَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

 

أَمَّا بَعْدُ: اتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى دَوَامِ الْهِدَايَةِ: أَنْ تَشْهَدُوا فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ، وَتَعْرِفُوا لَهُ لُطْفَهُ فِي كُلِّ مَعْرُوفٍ وَمِنَّةٍ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى طَاعَةٍ فَتِلْكَ هِدَايَتُهُ وَفَضْلُهُ، فَأَدُّوا شُكْرَهُ وَلَا تُعْجَبُوا بِأَعْمَالِكُمْ فَالْفَضْلُ لِمَوْلَاكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ غَيْرَكُمْ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُمُ التَّوْفِيقَ وَاشْكُرُوهُ أَنْ عَافَاكُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَأَضَلَّكُمْ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.

 

تَذَكَّرُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا غِنَى لَهُ عَنْ هِدَايَةِ رَبِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ وَالنَّفْسُ تَتَغَيَّرُ وَالْعَبْدُ بَيْنَ فَضْلِ اللَّهِ وَعَدْلِهِ، فَوَاللَّهِ، مَا ثَبَتَ مَنْ ثَبَتَ إِلَّا بِتَثْبِيتِ اللَّهِ، وَلَا اهْتَدَى مَنِ اهْتَدَى إِلَّا بِهِدَايَتِهِ.

 

وَلَا تَغْتَرُّوا بِطَاعَةٍ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةٍ، بَلْ عِيشُوا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَبَيْنَ الِانْكِسَارِ وَالِافْتِقَارِ.

الْقَلْبُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ مُنْقَلِبٌ *** فَاسْأَلْ هُدَاكَ، وَلَا تَأْمَنْ تَقَلُّبَهُ

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ سِرَّ الْعِنَايَةِ بِالْقُلُوبِ يَكْمُنُ فِي إِدَامَةِ الِاتِّصَالِ بِالْقُرْآنِ، وَمُلَازَمَةِ الصَّادِقِينَ، وَالْهَرَبِ مِنْ مَوَاطِنِ الْفِتَنِ؛ فَالْهِدَايَةُ نُورٌ، وَالْمَعْصِيَةُ دُخَانٌ يُطْفِئُ ذَلِكَ النُّورَ.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الْهُدَى، الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ.

 

اللَّهُمَّ يَا هَادِيَ الضَّالِّينَ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُهْتَدِينَ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ... فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

المرفقات

سر العناية الإلهية في الخلق والقلوب.doc

سر العناية الإلهية في الخلق والقلوب.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات