سلوا الله العفو والعافية

الحسين أشقرا

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-03-03 - 1447/09/14
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/أهمية السلامة من أسقام الدنيا وفتنها 2/أجلّ نعمة بعد الهداية للإسلام والإيمان 3/تأملات في نعمة العافية والمعافاة 4/فضل العفو عن الناس 5/مزايا العفو والعافية وآثارها على حياة الأفراد والمجتمع

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العفو الغفور، لا تُعدّ نِعَمه ولا تُحْصَى على مرّ الدهور، يتجاوز عن خَلْقه أنواع الشرور، ويزيد من إنعامه وفضله لكل عبد شكور، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].

 

أيها المسلمون والمسلمات: مَن لم يخرج من هذه الدنيا لم يخرج من امتحاناتها وابتلاءها، والسعيد فيها: المعافى من أسقامها وفتنها، ولهذا وجب على المسلم أن يحمد خالقه على أن عافاه مما ابتلى به كثيرًا من عباده. وكان رسول الله يُوصي أصحابه بقوله: "اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية"(رواه الترمذي).

 

ولهذا كانت العافية أجل نعمة بعد الهداية للإسلام والإيمان. وخيرٌ للعبد أن يُعْطَى العافية فيشكر، من أن يُبْتَلَى فيصبر. وقد كان العفو من شِيَم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث كان يعفو عمن ظلمه، ويُعطي مَن حرمه، ويصل مَن قطعه. ويُحْسِن إلى مَن أساء إليه. فكان نموذجًا ومثالاً وقدوة للمتقين والصالحين ورحمة مهداة من رب العالمين.

 

وعلى من يجهل معنى العافية والمعافاة أن يزور المستشفيات ليرى العجائب من الابتلاءات: مريض على فراشه يئن من الألم، وآخر يصرخ ويستغيث من الضرّ، وثالث في غيبوبة وقد امتدت نحوه أنابيب التغذية والتنفس لإنعاشه، ورابع ينزف منه الدم من أطرافه... وغيرهم.

 

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

       

وقد أثنى رب العالمين على العافين فقال: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 134]؛ فليحمد الله حمدًا كثيرًا مَن رُزِقَ المعافاة، ويشكر المنعم على نعمه التي لا تُعدّ ولا تُحْصَى، و"مَن أصبح مُعافًى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه؛ فقد حِيزَت له الدنيا بحذافيرها".

 

وينبغي للمُعافَى أن يعذر المبتلى، وأن ينظر دومًا لمن هو أدنى منه، ولا ينظر إلى مَن هو أعلى فيزدري نعمة الله عليه، وما أحوج المسلمين اليوم حين قست القلوب -حتى صارت كالحجارة أو أشد قسوة-، ما أحوجهم إلى مَن ينهض أحوالهم للتقرب إلى الله والتحلي بالعفو ليكون سلوكًا عامًّا بينهم: أقارب وأسر، جماعات وشعوبًا ودولاً حتى تظهر آثاره في سلامة الصدور، وطمأنينة القلوب، وسكينة النفوس ليتحقق لهم العز في الدنيا والفلاح في الآخرة.

 

يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع عبدٌ إلا رفعه اللهُ". وهكذا، فإن العافية تاج الأصحاء، وأُنْس السعداء، وبغية الأتقياء وزينة الأولياء، وبها صلاح الدنيا والدين. وحري بالمسلم أن يستيقظ من نومه على سؤالها وقبل أن ينام. ويطلبها بين السجدتين في الصلوات فيقول: "رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني"، ويدعو الله بدوامها باستمرار، وفي كل وقت وحين قائلاً: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك".

 

وتبقى العافية مطلوبة لما فيها من أمن الأوطان، وصحة الأبدان، وتذوق حلاوة الإيمان، وراحة عند خروج روح الإنسان، ولهذا ندعو للميت بقولنا: "اللهم عافه واعف عنه". وينبغي الحذر من أن يُصاب المعافى بالعُجْب فيشمت بالمبتلى أو يسخر منه؛ ففي الحديث: "مَن رَأَى مُبتَلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البلاءُ".

نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين، وبكلام المبعوث رحمة للعالمين، ويغفر الله لي ولكم ولمن قال آمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على الصادق الأمين الموصوف بالخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله: ما أحوجنا إلى دعاة ومربين يُدركون مزايا العفو والعافية وآثارها على حياة الأفراد والمجتمع. فبالعفو تنمحي آثار الجراح النفسية، وتتبدد مظاهر الكراهية، وتسود بوادر المحبة والصفاء، ويحيا بها الناس حياة السعداء، ليدخلوا في آخرتهم جنان عرضها الأرض والسماء. ومن معاني عفو الله -تعالى-: الفضل منه -سبحانه- بكثير العطاء، ومحوه للسيئات وتجاوزه عن المعاصي.

 

وقد قال الشاعر:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً *** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ *** فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً *** فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا *** وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ.

 

ونحن نستقبل شهر تجديد التوبة وشهر المغفرة، والذي أنزل الله فيه القرآن، في ليلة عظيمة القدر، من حُرمها فقد حُرم، وقد اهتمت بها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فلجأت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقولها: قلتُ: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي".

 

الدعاء....

 

المرفقات

سلوا الله العفو والعافية.doc

سلوا الله العفو والعافية.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات