عناصر الخطبة
1/ليلة القدر أعظم الليالي 2/من فضائل ليلة القدر 3/اهتمام السلف بالليالي الفاضلة 4/الحث على اغتنام ليلة القدر 5/ما ينبغي أن يكون فيها من الأعمالاقتباس
إن الوقت في هذه الليالي ليس دقائق تُحصى، بل هو أنفاسٌ تُثمن، الثانية فيها بمقام دهر، والسجدة فيها تعدل عُمر عابدٍ أفنى في المحاريب ثمانين عاماً، فما أقسى الحرمان أن تطلع شمس صبيحتها والعبدُ غارقٌ في لُجج الغفلة، أو مأسورٌ لفضول الكلام...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الذي جعل القلوب لِجلاله محلاً، ولأنوار طاعته قِبْلةً ومُصلّى، أحمده -سبحانه- حمدَ عبدٍ يعلمُ أن النعمة منه ابتداء، والفضل منه انتهاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، جعل الزمان أوعيةً للنفحات، واصطفى من الليالي ليلةً هي سرُّ القُربات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كحيلُ العين بجمال المشاهدة، وشديدُ المئزر في أوان المجاهدة، صلى الله عليه وعلى آله الذين سلكوا مسالك العارفين، وصحابته الذين شربوا من مَعين اليقين.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].
أما بعد: إنكم في ليالٍ هي "خلاصة الوجود"، وفي ليلة هي "بيتُ القصيد" من دهركم، ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟! هي الليلة التي جرى فيها القلمُ بمقادير الخلائق، وانكشفت فيها حُجب الغيب عن أسرار الحقائق، يقول الإمام ابن القيم: "لو علم السائرون إلى الله ما في هذه الليلة من كنوز الألطاف، لقطعوا إليها فيافي الشوق على أحداق العيون، لا على أقدام الأبدان".
تأملوا قوله -تعالى-: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[الدخان: 4]، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: "يُكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق"، فيا لله! أيُّ هيبةٍ تغشى القلب وهو يعلم أن اسمَه في هذه اللحظات قد يُسطر في صحائف السعداء، أو يُثبت في ديوان الأتقياء؟ إنها ليلةُ "تجديد العهد"، فمن صدق مع الله في الإقبال، قلبَ الله له صفحة الآجال من الشقاء إلى الكمال.
معاشر المؤمنين: يقول الغزالي: "إن ليلة القدر سرٌّ مطويّ، لا يظهر نوره إلا لقلبٍ صُقِلَ بمرآة التقوى"، فلا كمال لها بكثرة الركوع مع غفلة القلوب، بل هي حالٌ يقع بين العبد وربه، الملائكةُ تتنزل، والروحُ القدس يطوف، ولكن هل صادفت الملائكةُ منك قلباً طاهراً لتنزل فيه؟ أم وجدت قلباً مثقلاً بحب الدنيا، مشحوناً بالغل والخصومة، فاستحيا طُهرُ الملائكة أن يجاور دنس الخطايا؟.
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا)[القدر: 4]، يقول المحدثون في شرح عِظَم هذا التنزل: إن الأرض لتضيق بالملائكة حتى تزحم جنباتها، فاستحِ -يا عبد الله- أن يراك الملكُ الكريم وأنت في لهوٍ أو غفلة، أو تلاحٍ مع أخيك؛ فقد رُفعت ليلة القدر بتلاحي رجلين، فكم من خيرٍ يُحرمه العبدُ بسبب كدر نفسه وفساد طويّته.
أيها المؤمنون: لقد كان سلفكم الصالح يعظمون هذه الليالي تعظيماً يَذهل العقول، كان ثابت البناني يلبس أحسن ثيابه ويتطيب بأغلى طيبه، لا لخلق الله، بل احتفاءً بليلةٍ يرجو فيها نظر الله.
فيا من ضاعت أعماركم في التواني: أدركوا بقية العمر في هذه الليالي، إن سجدةً بصدقٍ في سحر هذه الليالي، تزنُ كفة الميزان بثمانين عاماً من الطاعات.
يا عباد الله: ارفعوا أكفّ الافتقار، وانطرحوا بباب العزيز الغفار، نادوا بما علّم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أحبَّ الخلق إليه عائشة -رضي الله عنها- حين قال لها: "قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عني"، قال ابن القيم: "إنما جُعل العفوُ نهاية المطلب في ليلة القدر؛ لأن الذنب هو الحجاب بين العبد وبين ربه، فإذا عفا الله عنك؛ ارتفع الحجاب، وانكشف الجمال، ووصلتَ إلى غاية الآمال".
اللهم يا من تنزلتَ في ليلتنا هذه إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلالك: انظر إلينا نظرةَ رحمةٍ لا نشقى بعدها أبداً، اللهم اجعلنا ممن وافق ليلة القدر، فقامها إيماناً واحتساباً، وغفرتَ له ما تقدم من ذنبه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وفتح لعباده من أبواب فضله نهجاً وغنماً، والصلاة والسلام على من كان يحيي ليله بالتبتل صمتاً وجَهراً، ويرجو لربه في ليلة هي خير من ألف شهر، وعلى آله وصحبه الذين جعلوا التقوى لهم شعاراً ودثاراً.
أما بعد: فيا باغي الخير في مواسم القربات، إنك في لحظات هي درة التاج في عمر الزمان، وفي ساعاتٍ تتضاءل أمام جلالها الأيام والأوان.
ليلة القدر تلك الليلة التي انحنى فيها الغيب ليعانق الشهادة، وتنزل فيها الروح الأمين بفيض السعادة، هي ليلةٌ يضيق فيها فضاء الأرض بزحام الملائكة، كأنما الكوكبُ كله محفورٌ في كفِّ الرحمة، ينتظر صكَّ العتق ومحو الخطايا.
لقد أخفاها الله في ليالي العشر؛ لتكون مضماراً لصدق الطلب، فلا ينالها إلا من هجر مخدعه، وجافى جنبه عن المضجع، ووقف بباب العزيز منكسراً يرجو الفضل والمآب، تأملوا في سرِّ قوله -تعالى-: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 5]؛ فليس السلام فيها مجرد انقطاع للأذى، بل هو سكونٌ يسري في مفاصل الروح، وطمأنينةٌ تمسح عن القلوب المنهكة شقاء عامٍ كامل.
إنها الليلة التي يُعاد فيها رسمُ المصائر، ويُفرق فيها كل أمر حكيم، فكم من شقيٍّ كُتب في ساعاتها سعيداً، وكم من محرومٍ غدا بدمعة سحرٍ مقبولاً مجيداً.
يا عباد الله: إن الوقت في هذه الليالي ليس دقائق تُحصى، بل هو أنفاسٌ تُثمن، الثانية فيها بمقام دهر، والسجدة فيها تعدل عُمر عابدٍ أفنى في المحاريب ثمانين عاماً، فما أقسى الحرمان أن تطلع شمس صبيحتها والعبدُ غارقٌ في لُجج الغفلة، أو مأسورٌ لفضول الكلام وفضول الطعام!.
لقد كان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يوقظ أهله ويشد مئزره؛ إيذاناً بأن لحظات الوصل لا تحتمل التواني، وأن ساعات القرب لا تقبل القسمة على اللهو، فليكن طيبكم في هذه الليالي صفاء القلوب، وثوبكم طهارة السرائر من الأحقاد والكروب.
إنها فرصة العمر المختصر، والفرار الأخير إلى رحاب العفو، فمن لم يدرك القافلة الآن، فمتى يدركها؟! ومن لم يغسل قلبه بدموع الأسى في هذه الليالي، فبأي ماءٍ يطهره؟!.
يا أيها المقصر -وكلنا ذاك الرجل-: ألحَّ في السؤال، وانطرح بباب العفو، واجعل نداءك "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني"، فإذا عفا الملك؛ سقطت التبعات، وانمحت الجنايات، وصار العبدُ كأنما وُلد من جديد، استبقوا الخيرات، وجاهدوا النفس في هذه السويعات الباقية؛ لعلَّ نظرةً من الله تجبر كسيرنا، وتُعتق رقابنا، وتجعلنا في زمرة الناجين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اختم لنا ليلتنا بالرضوان، واجعل نصيبنا منها العتق من النيران، واجعلنا ممن وافقها فقامها إيماناً واحتساباً.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم