مشاهد من سورة القارعة

صغير بن محمد الصغير

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-28 - 1447/11/11
عناصر الخطبة
1/خطورة الغفلة عن الآخرة 2/تأملات في سورة القارعة 3/تفسير آيات سورة القارعة

اقتباس

وبعدَ هذه المشاهد التي صورَتها لنا سورةُ القارعة.. أيبقى لمتأملٍ ركضٌ خلفَ سرابِ الدنيا؟ أم يُتَصوّر من مسلمٍ أن يترك فريضةً أو بعد هذا يقطع مسلمٌ رحِمَه؟ أو يلهث شابٌ خلف شهواته؟ فكيف لمؤمنٍ أن يعصي ربَّه وهو يسمعُ ويقرأُ مثلَ هذه المواعظ.. لكنه الرَّانُ الذي يغشى القلوب؟

الخُطْبَة الأُولَى:

 

 

الحمد لله القائل: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)[ق: 45]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه؛ خيرُ من قرأ القرانَ وتأَّثرَ به، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

وبعد: فاتقوا الله عباد الله.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر: 18].

 

أيها الأحبة: ونحن مع المدنية المعاصرة وفي خِضمِّها والركضِ خلف سراب الدنيا، نسينا أنها أقصرُ مما نتصور؛ إذ في يوم من الأيام سننتقلُ إلى دارٍ لا عمل فيها، بل هي دارُ حسابٍ وجزاءٍ وقرارٍ، إمّا إلى جنَّةٍ وإما إلى نار.. وفي سورة من سور القرآن يُخبرنا اللهُ -جل جلاله- عن جزءٍ يسير ٍمن مشاهد تلك الدار، فيقول جل شأنه: (الْقَارِعَةُ)[القارعة: 1]. القارعة تَقرَعُ القلوب بالفزع، وهذا فقط اسمٌ واحدٌ مهول.. لا ينقصُ هولاً عن غيرِه من أسماءِ القيامة؛ كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية.

 

ثم قال -سبحانه وتعالى- مرةً أخرى معظمًا أمرَها ومُهّوِلاً لشأنها: (مَا الْقَارِعَةُ)[القارعة: 2]، ثم مرةً أخرى مذّكرًا بشدةِ قَرعِها الذي يصيبُ النفوس بالهولِ الشديد فيقول: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ)[القارعة: 3]؟! كلمةُ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها المخيفِ المرعب.. حقًّا إنَّ القلبَ الحيّ ليحتقرُ الركضَ للدنيا حينما تقرَعُ أذنه أمثالَ هذه الآيات.

 

ثم تخيَّل هذا المشهدَ المخيفَ بهذِه الصورةِ البليغةِ.. وتأمل؛ (يَومَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث)[القارعة: 4]؛ أي في انتشارِهم وتفرَّقهم وذهابِهم ومجيئِهم من حيرتِهم مما هم فيه كأنهم فراشٌ مبثوث.. كما قال -تعالى- في الآية الأخرى: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ)[القمر: 7]. لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ولماذا عبّر اللهُ -تعالى- بالفراش؟ الجواب والله أعلم: لأنها حيواناتٌ لا تكون إلا في الليل، يموجُ بعضُها ببعض لا تدري أين تتوجه؟ فإذا أُوقِدَ لها نارٌ تهافتت إليها لضعفِ إدراكها، فهذه حالُ الناسِ أهلِ العقول  في "صحيح مسلم" عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي»؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

وأمَّا الجبالُ الصمُّ الصِّلابُ، فتكون (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)[القارعة: 5]؛ أي: كالصوفِ المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًّا، تطيرُ به أدنى ريح، قال -تعالى-: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)[النمل: 88]، ثم بعد ذلك، تكون هباءً منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيءٌ يُشاهَد، فحينئذ تُنصبُ الموازين، وينقسم الناسُ قسمين: سعداءُ وأشقياءُ، (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)[القارعة: 6]، أي: رجحت حسناتُه على سيئاته. (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)[القارعة: 7]، مرضيّةٍ في الجنة ذاتُ رضا يرضاها صاحبُها.

 

فالعيشةُ كلمةٌ تجمعُ النعمَ التي في الجنة، فهي فاعلةٌ للرضا؛ كالفرشِ المرفوعة، وارتفاعُها مقدارُ مائةِ عام، فإذا دنا منها وليُّ الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفعُ كهيئتِها، ومثلُ الشجرةِ فرعُها، فإذا اشتهى وليُّ الله ثمرتَها تدَّلت إليه، حتى يتناولُها وليُّ الله قاعدًا وقائمًا، وذلك قولُه -تعالى-: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)[الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكانٍ إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوًا وسُفلاً، وذلك قولُه -تعالى-: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا)[الإنسان: 6].

 

فيُروى في الخبر: "إنه يشير بقضيبِه فَيَجْرِي مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ حَيْثُ شَاءَ مِنْ قُصُورِهِ وَفِي مَجَالِسِهِ".

 

فهذه الأشياءُ كلُّها عيشةٌ قد أعطت الرِّضا من نفسِها، فهي فاعلةُ للرضا، وهي انذلت وانقادت بذلاً وسماحة.

 

(وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)[القارعة: 8]؛ أي: رجحت سيئاتُه على حسناتِه (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ)[القارعة: 9]؛ أي: مسكنه النار، سُمَّي المسكنُ أُمًّا، لأنَّ الأصلَ في السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من أسماء جهنم، وهو المهواةُ لا يُدرك قَعرُها، وقيل: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ)؛ أرادَ أمَّ رأسِه.. منحدرةً منكوسةً.. يعني أنهم يهوون في النارِ على رءوسِهم.

 

(وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ)[القارعة: 10]؛ وهذا تعظيم لأمرها والعياذ بالله. (نَارٌ حَامِيَةٌ)[القارعة: 11]؛ أي: شديدةُ الحرارة، قويةُ اللهيب والسعير، قد زادت حرارتُها على حرارةِ نارِ الدنيا سبعينَ ضعفًا.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ». قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا»(متفق عليه)؛ أجارنا الله وإياكم والمسلمين منها.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه ‏إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

وبعدُ: فاتقوا الله عباد الله؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)[البقرة: 197].

 

وبعدَ هذه المشاهد التي صورَتها لنا سورةُ القارعة، وهي جزءٌ يسيرٌ مما صورَّه لنا القرآنُ الكريم عن مشاهدِ ذلك اليومِ العظيمِ، أيبقى لمتأملٍ ركضٌ خلفَ سرابِ الدنيا؟ أم يُتَصوّر من مسلمٍ أن يترك فريضةً أو بعد هذا يقطع مسلمٌ رحِمَه؟ أو يلهث شابٌ خلف شهواته؟ فكيف لمؤمنٍ أن يعصي ربَّه وهو يسمعُ ويقرأُ مثلَ هذه المواعظ.. لكنه الرَّانُ الذي يغشى القلوبَ؟ والذي سبَبُه الذنوب؛ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين: 14].

 

عباد الله؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

مشاهد من سورة القارعة.doc

مشاهد من سورة القارعة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات