عناصر الخطبة
1/معنى معرفة الله -تعالى- 2/ثمرات معرفة الله -سبحانه- 3/طرق معرفة الله.اقتباس
فإن من جهل معرفة الله جهل نفسه ومصالحها، وفوَّت على نفسه أسباب راحتها وسلامتها، وما جاءت الشرائع والسنن -التي هي مدار الدين- إلا للتعريف بالله -تعالى-؛ لأن من عرف الآمر...
الخطبة الأولى:
إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
أيها المسلمون: مهما كانت المعارف الإنسانية الدنيوية نافعة، وللمصالح الحياتية جامعة؛ فإن هناك معرفة لا تساويها تلك المعارف كلها، ولن تصل في ثمراتها إلى ما تصل إليه هذه المعرفة وحدها، وإذا كانت تلك المعارف تُطلَب لغيرها، فإن هذه المعرفة تُطلب لذاتها؛ لأنها غاية الغايات، ومنزلتها في العلم أسمى المنازل العاليات.
وهذه المعرفة هي: المعرفة بالله ربنا ومعبودنا، وخالقنا ورازقنا، ومالك أمرنا، ومدبِّر شؤوننا -جل جلاله-؛ قال الله -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12].
فقد أخبر -سبحانه- أنه خلق السموات والأرض، ونزَّل الأمر بينهن ليعرف عباده أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.
عباد الله: إن الله -تبارك وتعالى- قد ميز الإنسان بالعقل، وأكرمه بوسائل اكتساب علوم العقل والنقل، فكم لهذا العقل الإنساني من ثمرات، وكم له من آثار نافعات؛ غير أن أشرف ثمراته، وأجل آثاره: معرفته لربه -سبحانه وتعالى-، على ما هو عليه من العظمة والجلال، والجمال، وحسن الفعال؛ قال بعض أهل العلم: "أشرف ما في الآخرة، وأجل المقاصد: معرفة الله ومحبته، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تُطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء، وفارق الدنيا، ودخل الآخرة".
فإن من جهل معرفة الله جهل نفسه ومصالحها، وفوَّت على نفسه أسباب راحتها وسلامتها، وما جاءت الشرائع والسنن -التي هي مدار الدين- إلا للتعريف بالله -تعالى-؛ لأن من عرف الآمر سهلت عليه الأوامر؛ ولذلك قامت دعوة الرسل -عليهم السلام- على أساس معرفة الله وتوحيده، ودلالةِ الخلق عليه، ثم بيانِ الطرق الموصلة إليه وهي شريعته، ثم ذكرِ الثواب لمن عرف ربه وأطاعه، والعقابِ لمن جهل قدره وعصى أمره.
فما أعظم العلم بالله -معشر المسلمين- وما أشد حاجة الخلق إليه، وما أخسر من لم يكن له حظ من هذا العلم والمعرفة به! ولو حصَّل مِن غيره من العلوم ما حصل، ونبغ فيها ما نبغ فأيَّ شيء عرف من لم يعرف الله ورسله، وأيَّ حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة، وأيَّ علم أو عمل حصل من فاته العلم بالله والعمل بمرضاته، ومعرفة الطريق الموصلة إليه ومآله بعد الوصول إليه.
أيها الإخوة الكرام: إن معرفة الله -تعالى- تعني: أن يُعمَر قلبُ الإنسان بتعظيم الله وإجلاله، فلا يكون فيه أعظم من الله ولا أجل، وأن تكون محبة الرب -سبحانه- تملؤ القلب كله، فلا تزاحمها محبة أحد من الخلق مهما كان للنفس فيه رغبة ومصلحة.
أُحبُّكَ يا ربي العظيمَ محبةً *** خلتْ من ودادٍ للأنام يزاحِمُ
وأن يكون الأُنس به -تعالى- هو حياة القلب التي يعيش بها في الخلوة والجلوة، والعوض الذي لا يطلب سواه في كل خوف ووحشة.
ومن معرفة الله -أيضًا-: معرفة شرعه، والوقوف عند حدوده، والانقياد التام لأوامره ونواهيه، عن قبول ورضا، ونشاط وحب. قال -سبحانه-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)[الأحزاب:36].
وتعني معرفة الله -أيضًا-: الشوق إلى لقاء الله في الدار الآخرة؛ فالعارف بالله يعيش في الدنيا غريبًا مسافراً ليس له قرار؛ لأن الله -تعالى- لم يرضها له دار وطن، بل جعلها دار ظعن، يرتحل منها إلى الدار التي جعلها ربه دارَ أحبابه الخالدة؛ فلذلك يظل في هذه الحياة القصيرة مشتاقًا لا يغادره الحنين حتى ينزل في تلك الدار السعيدة فيلقى مولاه الحبيب -سبحانه-؛ فقد أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَنْكِبِ ابن عمر -رضي الله عنهما-، فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ"(رواه البخاري).
وحَيَّ على جناتِ عدْنٍ فإنها *** منازلُك الأُولى وفيها المخيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل ترى *** نعودُ إلى أوطاننا ونُسلَّمُ
أيها الفضلاء الكرام: إن معرفة الله -تعالى- إذا ظفر بها العبد، ونال وسامها الشريف، وحل في منزلها العالي المنيف؛ أثمر له ذلك فضلاً عظيمًا، وجنى منه خيراً كريما؛ فمن عرف الله معرفة راسخة حصل على نعمة الأُنس بالله -تعالى-، وامتلاء قلبه بمحبته.
وما أعظمها من نعمة -معشر الكرام- يوم يجد العبد الأنس بربه في خلوته وجلوته، فلا يجد بينه وبينه وحشة تكدر عليه حاله، حتى تمنعه من كثرة التقرب إليه، والتلذذ بطاعته.
وما ذلك الأُنس وعدم الاستحياش إلا أثر امتلاء القلب بمحبته تبارك و-تعالى-؛ فإن القلب المملوء بحب الله يجعل صاحبه يرى أن أحسن أنسه وأعظم راحته يوم يخلو بمناجاة ربه: صلاةً، ودعاءً، وقراءة، وتفكراً، فلا يجد في تلك الوحدة وحشة كما تجدها القلوب الفارغة من محبة ربها.
وقال هرم بن حيان: "المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه، وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة"؛ فهذه الحياة تحت ظلال معرفة الله حياة طيبة، وعيشة متسعة، وصدق الله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[النحل:97].
ومن آثار معرفة الله على العارف: نيل اللذة في أداء طاعة الله -سبحانه-، ووجدان حلاوة الإقبال عليه، وكراهة مفارقة العبادة؛ فأنتم ترون -عباد الله- أن لذات شهوات الدنيا لذاتٌ مكدَّرة، والإحساس المريح بها مؤقت لا يدوم، غير أن اللذة الناتجة عن معرفة الله لذة نقية غير مكدرة، ومستمرة ما استمرت المعرفة، ومن زادت معرفته زادت لذته.
قال ذو النون بن إبراهيم: "من عرف ربه وجد طعم العبودية، ولذة الذكر والطاعة".
لقد وجد هذه اللذة في الإقبال على الله، وحب الاستمرار في طاعته ذلك الأنصاري في صلاة الليل، يوم أن جعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حارسًا لظهور المسلمين مع أحد المهاجرين؛ فنام المهاجري، فقام الأنصاري من الليل يصلي، فرماه أحد المشركين بسهم فأصابه به، فنزعه وهو مستمر في صلاته، حتى رماه المشرك بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد ذلك الصحابي الجليل، ثم انتبه صاحبه المهاجر من نومه، فلما رأى ما بالأنصاري من الدم قال: "سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟، قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها، حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت. وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا"(رواه أبو داود).
ومن ثمرات معرفة الله على العارف: الرضا بقضاء الله وقدره؛ فمن عرف الله -تعالى- وعلم به لم يتسخط قضاءه وقدره، ولم يتضجر مما نزل به من المكاره؛ بل يقابل ذلك كله بالرضا والتسليم؛ لأنه يعلم أن أفعال مَن عرفه -سبحانه- كلها حميدة، وأقضيته كلها عدل وحكمة،
قال -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)[التغابن:11].
قال بعض أهل العلم: "إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة؛ فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مراراتٌ يجد بعض طعمها الراضي؛ أما العارف فتقل عنده المرارة؛ لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة، كما قال القائل:
عذابه فيك عذْبُ *** وبعده منك قُرْبُ
وأنت عندي كروحي *** بل أنت منها أحب
حسبي من الحُبِّ أني *** لما تُحب أُحبُّ
وقال بعض المحبين في هذا المعنى:
ويقبُحُ من سواك الفعلُ عندي *** فتفعلُه فيحسنُ منك ذاكا
فمن رُزق معرفة الله -تعالى- استراح؛ لأنه يستغني بالرضا بالقضاء؛ فمهما قدر له رضي، وإن دعا فلم ير أثر الإجابة لم يختلج في قلبه اعتراض؛ لأنه مملوك مُدبَّر.
ومن ثمرات معرفة الله على العارف -أيضًا-: حلاوة العيش، وهدوء البال، واستقرار النفس؛
فمعرفة الله -تعالى- تصرف عن نفس صاحبها الكدر والاضطراب والشتات، حتى يحيا سعيداً وهو في جوف الأخطار، مبتسمًا وهو بين أشداق الأضرار، ناعمًا وهو في حضن الأكدار.
قال بعض العلماء: "من عرف الله -تعالى- صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأَنِس بالله؛ ومن عرف الله قرّت عينه بالله، وقرّت به كلُّ عين، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدّنيا حَسَرَاتٍ، ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ فيما سواه".
وقال بعضهم: "ليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة".
أيها المؤمنون: لقد ربح العارفون بالله ذهاب الحزن عنهم، وبعد الضيق منهم؛ فمن ذاق حلاوة معرفة الله والقرب منه والأنس به؛ لم تدم لديه مرارات الحياة، ولا تطيل عنده الإقامة؛ قال بعض الصالحين: "من عرف الله اتَّسَع عليه كلُّ ضيق".
لهذا نقول: معرفة الله جلا نورُها كلَّ ظلمة، وكشف سرورُها كل غمة، وانقشعت عن صاحبها سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم، وعمر قلبَه بالسرور والأفراح؛ ولهذا قال الله حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه أبي بكر -رضي الله عنه-: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة:40]؛ فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما لَه والحزن، وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله؛ فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن، ومن فاته الله فبأي شيء يفرح؟ قال -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)[يونس:58].
بما يفرح به؛ من حبيب أو حياة أو مال أو نعمة أو ملك يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا.
ما أجمل معرفة الله -تعالى- حين تجعل صاحبها يقلل من شأن نفسه، ويستصغر ما تقوم به من العمل الصالح، ولا يستعظم مكانها في ميدان العبودية؛ لأنه إذا أحسن الظن بها اغتر وتكبر، وتملكه الإعجاب بها، ويا خسارة من صار كذلك!
فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف خالقه بالعلم المطلق عرف نفسه بالجهل المطلق. ومن لم يعرف ربه وخالقه لن يعرف نفسه.
ولو حمل الإنسانَ -معشر الكرام- الشعورُ بتقصير نفسه، وفتورها في ميدان العبودية؛ لدعاه ذلك إلى الاستزادة من عمل الصالحات، والمسابقة إلى القُربات، وعدم القناعة بما يقدِّم من الأعمال الطيبات، وحينئذ يسمو إلى المنازل العاليات؛ فطوبى لمن نال هذه الثمرات، ولقي الله بها عند الممات، أولئك (لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[الزمر:17-18].
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة، وجعلنا من أهل الجنة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها المسلمون: إن معرفة الله -تعالى- لما كانت بهذه المنزلة من الشرف والأثر؛ كان جديراً بالعاقل أن يبحث عن الطريق إلى تحصيلها، وتكريم نفسه بنيلها، وجعله من أهلها.
فمن طرق ذلك: معرفة الإنسان حقيقة نفسه؛ فمعرفة النفس بالعيوب والنقائص والحاجات، طريق إلى معرفة الله بنعوت الكمال، وصفات الجلال والجمال، وحسن الفعال.
من أنت أيها الإنسان؟
إنك مخلوق ضعيف عاجز جاهل، وربك خالق قوي قادر محيط بكل شيء علما؛ قال -سبحانه-: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)[النساء:28].
وقال: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)[الانفطار:6-8].
وقال: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[الأنعام:59]. وقال: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء:85].
وعَنْ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَزَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "قَالَ اللهُ: ابْنَ آدَمَ، أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ"(رواه أحمد).
فمفتاح معرفة الله -يا عباد الله- هو معرفة النفس؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (سَنُريهِم آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ)[فصلت:53].
ونقول: وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟
والواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خُلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك؟
ومن طرق معرفة الله -تعالى- كذلك: التفكر في آيات الله في الكون؛ فانظر-أيها الإنسان-إلى هذا الكون الفسيح: سماوته وأرضه، بره وبحره، جبالها وسهوله؛ تجد فيه مشاهد تدل على عظمة الله وقدرته وتوحيده، وقوته وحكمته وحسن خلقه، وإتقان ما أوجد وإحكامه؛ ولهذا دعا اللهُ -تعالى- وأمر في آيات عديدة من القرآن الكريم بالنظر في مخلوقات الله -تعالى-؛ قال -تعالى-: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)[يونس:101].
وقال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[العنكبوت:20].
وصدق من قال:
فيا عجباً كيف يُعصى الإلهُ *** أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كل تحريكة ***وفي كل تسكينة شاهدُ
وفي كل شيءٌ له آيةٌ *** تدل على أنه واحدُ
ومن طرق معرفة الله -سبحانه- أيضًا: العلم بدين الله -تعالى-، والعمل به في الباطن والظاهر، ومن ذلك: قراءة كلام الله وتدبره ووعيه، والعمل به؛ فالقرآن العظيم تضمن الأدلة المعرِّفة بالله -تعالى-، المبرهنة على كماله وجماله وجلاله، وذلك يدعو إلى معرفته والعلم به.
فكم في هذا الكتاب العزيز من آيات تصف الله -تعالى- بما يستحقه من صفات الكمال ونعوت الجلال، التي إذا تأمل فيها القارئ دعاه ذلك إلى معرفة ربه العظيم؛ فاسمع آية الكرسي قال -تعالى-: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)[البقرة:255].
قال بعض العارفين: "لَا تُطْلَقُ رُوحُ الْعَبْدِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ نَفْسُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ".
عباد الله: لنعرف ربنا معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والإنابة إليه وخشيته، والأنس به، والفرار من الخلق إليه، والشوق إلى لقائه، وقوة الاعتقاد بأنه حكيم في قضائه، قادر على الانتقام من أعدائه.
فهو فعّال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمرٌ ناهٍ، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين.
سبحانه ما أعظمه *** سبحانه ما أكرمه
سبحانه ما أرحمه *** سبحانه ما أحلمه
خلقَ الحياةَ مع الفنا *** وبراْ الوجودَ فأحكمَه
نسأل الله أن يجعلنا من أهل معرفته وخشيته، والإنابة إليه، والتوكل عليه.
وصلوا وسلموا على نبينا المختار...
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم