مَنْ يَبِيْعُن رمضان

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-12 - 1447/08/24
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/رمضان المحطة التجارية الكبرى 2/دعوة لاقتناص فرص رمضان قبل أن تذهب 3/احذر من الخسارة في رمضان الربح والعطايا 4/الرابحون في رمضان.

اقتباس

وحَدِيثُ النَّاسِ عَنِ الفُرَصِ -بَيْنَ مُسْتَثْمِرٍ لَهَا وَمُضَيِّعٍ- حَدِيثٌ ذُو شُجُونٍ؛ وحَدِيثُهُمُ اليَوْمَ عَنِ الذَّهَبِ الَّذِي تَضَاعَفَ ثَمَنُهُ خِلَالَ عَامٍ وَاحِدٍ بِمَا يَزِيدُ عَنْ سَبْعِينَ بِالمِائَةِ، وكَثْرَةُ المُتَحَسِّرِينَ عَلَى فَوَاتِ الفُرْصَةِ، وَتَمَنِّيهِمْ لَوْ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: للتَّجَارَةِ مَفَاتِيحُ، وللثَّرَاءِ أَبْوَابٌ، ولِلْكَسْبِ طُرُقٌ؛ ولا يَتَحَقَّقُ مَطْلَبٌ؛ إِلَّا بِبَذْلٍ، ولا تُدْرَكُ غَايَةٌ إِلَّا بِسَعْيٍ، ولا يُنَالُ كَسْبٌ إِلَّا بِسَبَبٍ؛ والكَادِحُونَ في طَلَبِ المَكَاسِبِ قَدْ أَعْيَاهُمُ التَّعَبُ.

 

وحِينَ تَلُوحُ فُرَصٌ لِلْكَسْبِ، تَشْرَئِبُّ أَعْنَاقُ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهَا، ويَتَسَابَقُ أَهْلُ الثَّرَاءِ إِلَى الظَّفَرِ بِهَا؛ ويَتَنَافَسُ أَهْلُ الأَمْوَالِ بِالاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا. وكَمْ فِي الفُرَصِ مِنْ كُنُوزٍ، وكَمْ فِي الفُرَصِ مِنْ مِنَحٍ، وكَمْ فِي الفُرَصِ مِنْ مَغَانِمَ.

 

اقْتِنَاصُ الفُرَصِ واسْتِثْمَارُهَا هُوَ دَيْدَنُ الفُطَنَاءِ المُبَادِرِينَ، وهُوَ سُلُوكُ الأَذْكِيَاءِ المُشَمِّرِينَ؛ كَمِ اغْتَبَطَ مُبَادِرٌ بِنَيْلِ مُرَادِهِ مِنْ سَبْقِهِ إِلَى الفُرَصِ؛ وكَمْ نَدِمَ مُفَرِّطٌ أَضَاعَ الفُرَصَ فَأَضَاعَ حَصَادَهَا. كَمْ تَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْ مُسَاهَمَاتٍ تَضَاعَفَتْ أَرْبَاحُهَا، وكَمْ تَمَنَّى مُتَمَنٍّ لَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ ضَارَبَ فِيهَا؛ كَمْ عَقَارٍ عُرِضَ بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، فَمَا لَبِثَ أَنْ تَضَاعَفَ ثَمَنُهُ؛ فَتَحَسَّرَ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِهِ يَوْمَ أَنْ كَانَ فِي العَرْضِ زَهِيدًا.

 

إِنَّهَا فُرَصُ المَكَاسِبِ فِي الحَيَاةِ، ولَيْسَ لِلْمَرْءِ فِي دُنْيَاهُ إِلَّا مَا قُسِمَ لَهُ؛ (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)[الأعراف: 188].

 

وحَدِيثُ النَّاسِ عَنِ الفُرَصِ -بَيْنَ مُسْتَثْمِرٍ لَهَا وَمُضَيِّعٍ- حَدِيثٌ ذُو شُجُونٍ؛ وحَدِيثُهُمُ اليَوْمَ عَنِ الذَّهَبِ الَّذِي تَضَاعَفَ ثَمَنُهُ خِلَالَ عَامٍ وَاحِدٍ بِمَا يَزِيدُ عَنْ سَبْعِينَ بِالمِائَةِ، وكَثْرَةُ المُتَحَسِّرِينَ عَلَى فَوَاتِ الفُرْصَةِ، وَتَمَنِّيهِمْ لَوْ أَنَّهُمْ اكْتَنَزُوا مِنَ الذَّهَبِ قَبْلَ غَلَائِهِ مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ؛ لِيَكُونُوا مِنَ الرَّابِحِينَ اليَوْمَ ويَغْنَمُوا.

 

تِلْكَ حَسَرَاتٌ، وتَأَوُّهَاتٌ عَلَى فَوَاتِ فُرَصٍ مِنْ فُرَصِ المَكَاسِبِ فِي الدُّنْيَا؛ فَمَا الظَّنُّ بِالحَسَرَاتِ وَالآهَاتِ وَالزَّفَرَاتِ الَّتِي سَيُلَاقِيهَا مَنْ ضَيَّعَ فُرَصَ الحَيَاةِ الَّتِي يَرْبَحُ بِهَا فَوْزَ الآخِرَةِ وَيَنْجُو بِهَا مِنْ عَذَابِهَا؛ مَا أَوْجَعَ النَّدَمَ يَوْمَئِذٍ، مَا أَفْجَعَ النَّازِلَةَ يَوْمَئِذٍ، مَا أَعْظَمَ الخُسْرَانَ يَوْمَئِذٍ؛ (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)[الفجر: 23-24]، (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)[النساء: 42]، (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ)[الزمر:56].

 

وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي النُّهَى؛ وحَيَاةُ المَرْءِ كُلُّهَا فُرْصَةٌ لِلْعَمَلِ بِمَا يُحَقِّقُ فَوْزَ الآخِرَةِ، وكَمْ أَضَاعَ فُرْصَةَ الحَيَاةِ مِنْ مَخْذُولٍ.

 

ومَوَاسِمُ مُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ أَعْظَمُ فُرْصَةٍ يُدْرِكُهَا المُؤْمِنُ فِي حَيَاتِهِ؛ تِجَارَةٌ مَعَ اللهِ رَابِحَةٌ، وفَوْزٌ فِي الآخِرَةِ مُحَقَّقٌ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[الصف: 10-12].

 

مَوَاسِمُ الخَيْرَاتِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ لِعِبَادِهِ؛ هِيَ أَزْمَانٌ مُبَارَكَةٌ شَرَعَ اللهُ فِيهَا لِعِبَادِهِ عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، ووَعَدَ العَامِلِينَ المُخْلِصِينَ فِيهَا ثَوَابًا مُضَاعَفًا، وجَزَاءً مَوْفُورًا.

 

وشَهْرُ رَمَضَانَ مِنْ أَكْرَمِ المَوَاسِمِ، ومِنْ أَعْظَمِ الفُرَصِ، ومِنْ أَفْضَلِ الأَزْمَانِ؛ كُنُوزٌ مِنَ الحَسَنَاتِ تُصَبُّ فِي مَوَازِينِ العَامِلِينَ؛ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ العِبَادَةِ، شَهْرُ التَّقَرُّبِ وَالتَّنَافُسِ وَالزِّيَادَةِ؛ فَمَنْ يَشْتَرِي فُرْصَةَ رَمَضَانَ الَّتِي أَقْبَلَتْ بِجَلَالِهَا؟

 

مَنْ يَشْتَرِي رَمَضَانَ؟ مَنْ يَأْخُذُ الشَّهْرَ بِحَقِّهِ؟ مَنْ يَشْتَرِي كَنْزَ الكُنُوزِ لِيَغْتَنِيَ؟! مَنْ يَشْتَرِي مِفْتَاحَ فَوْزٍ قَدْ ضُمِنَ؟ مَنْ يَشْتَرِي شَهْرًا بِهِ الأَرْبَاحُ ضُوعِفَ أَجْرُهَا؟! مَنْ يَشْتَرِي رَمَضَانَ؟ هَلْ تَشْتَرُونَ؟ هَلْ تَشْتَرُونَ؟ شَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ أُمْنِيَةُ أَهْلِ القُبُورِ لَوْ تَعْلَمُونَ، هُوَ أُمْنِيَةُ مَنْ شَاهَدُوا الآخِرَةَ فَتَمَنَّوْا لَوْ يَرْجِعُونَ؛ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِلشَّهْرِ فَضْلَهُ، ومَنْ لَمْ يُعِدَّ لِلشَّهْرِ عُدَّتَهُ، ومَنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ بِصَالِحِ العَمَلِ؛ هَلْ تَقْبَلُ العَرْضَ المُثِيرَ؟ مَنْ قَادِمٍ مِنْ عَالَمِ الأَمْوَاتِ أَسْرَعَ خَطْوَهُ نَحْوَ الحَيَاةِ وَأَقْبَلَ، وَعَلَى رُؤُوسِ القَوْمِ أَعْلَى صَوْتَهُ وَتَوَسَّلَ: مَنْ يَبِيعُنِي رَمَضَانَ بِأَثْمَانِ الذَّهَبِ؟ مَنْ يَبِيعُنِي رَمَضَانَ بِأَوْزَانِ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ؟ مَنْ يَبِيعُنِي رَمَضَانَ؟ وَلَهُ المَنَاصِبُ وَالمَرَاكِبُ وَالقُصُورُ الفَارِهَاتُ؛ مَنْ يَبِيعُنِي يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؟ أَعْمُرُهُ بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، أَسْتَثْمِرُهُ بِالحَسَنَاتِ الجَارِيَاتِ.

 

مَنْ يَبِيعُنِي سَاعَةً مِنْ رَمَضَانَ؟ هَلْ تَقْبَلُونَ؟ مَا لَكُمْ لَا تَقْبَلُونَ؟ فَلَقَدْ بَاعَ أُنَاسٌ شَهْرَهُمْ بِأَبْخَسِ الأَثْمَانِ، بَاعُوهُ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، بَاعُوهُ بِالتَّفْرِيطِ، بَاعُوهُ بِالإِعْرَاضِ، بَاعُوهُ بِالقُعُودِ عَنْ صَالِحِ العَمَلِ.

 

بَاعَ شَهْرَ رَمَضَانَ أُنَاسٌ بِأَبْخَسِ ثَمَنٍ، بَلْ بَاعُوهُ وَأَضَاعُوهُ بِلَا ثَمَنٍ؛ خَاسِرٌ صَفْقَةَ التِّجَارَةِ فِي رَمَضَانَ مَنْ أَضَاعَ لَيْلَهُ بِلَهْوٍ وَمُنْكَرٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَمَنْ أَضَاعَ نَهَارَهُ بِتَفْرِيطٍ وَتَجَاوُزٍ وَإِعْرَاضٍ، يَرْتَكِبُ المُوبِقَاتِ فِي زَمَنٍ تُضَاعَفُ فِيهِ الأُجُورُ لِمَنْ جَاءَ بِالحَسَنَاتِ، يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ، وَيَتَخَلَّفُ عَنْ حُضُورِ الجُمَعِ وَعَنِ الجَمَاعَاتِ، يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَرُبَّمَا جَمَعَ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَرُبَّمَا أَخَّرَهَا إِلَى مَا بَعْدَ وَقْتِهَا، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيمَا شَاءَ مِنَ الأَوْقَاتِ، وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي القُرْآنِ أَخْبَرَنَا؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)[النساء: 103].

 

وَتَوَعَّدَ مَنْ سَهَا عَنْ صَلَاتِهِ وَتَلَاعَبَ فِيهَا وَفِي أَوْقَاتِهَا، فَقَالَ: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون: 4-5]؛ قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ أَيْ: المُلتَزِمُونَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنَّهُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ أَيْ: مُضَيِّعُونَ لَهَا، تَارِكُونَ لِوَقْتِهَا، مُفَوِّتُونَ لِأَرْكَانِهَا).

 

بَاعَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِأَبْخَسِ ثَمَنٍ مَنْ لَمْ يَصُمْهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(رواه البخاري ومسلم)؛ وَمَا عَرَفَ قَدْرَ شَهْرِ رَمَضَانَ حَقًّا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ شَهْرًا لِلْقُرْآنِ؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)[البقرة:185].

 

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ"(رواه البخاري ومسلم).

 

أَمْسِكْ زِمَامَ نَفْسِكَ، وَعَنْ حِيَاضِ الشَّهَوَاتِ ذُدْهَا، وَإِلَى مَيَادِينِ المُنَافَسَةِ قُدْهَا، وَعَلَى مَرَاكِبِ الإِحْسَانِ سُقْهَا؛ فَلَعَمْرُ اللهِ إِنَّ الفَائِزَ غَدًا مَنْ فَازَ اليَوْمَ بِفُرْصَةِ الحَيَاةِ فَاسْتَثْمَرَهَا؛ (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران:133].

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، -صلى الله عليه وسلم- وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

 

أيها المسلمون: تَشْتَاقُ النُّفُوسُ لِمَنْ تَهْوَى، وَتَتَطَلَّعُ لِلِقَاءِ مَنْ تُحِبُّ؛ وَبَعْدَ طُولِ غِيَابٍ، وَبَعْدَ بُعْدِ لِقَاءٍ، تَبْتَهِجُ النَّفْسُ حِينَ تُبَشَّرُ بِاللُّقْيَا.

 

شَوْقُ النُّفُوسِ لِمَنْ تَهْوَى يُؤَرِّقُهَا *** لَا تَهْنَأُ النَّفْسُ إِلَّا حِينَ تَلْقَاهُ

 

جَاءَ البَشِيرُ فَمَا فِي القَلْبِ مِنْ أَلَمٍ إِلَّا انْقَشَعَ، وَمَا فِيهِ مِنْ هَمٍّ إِلَّا رَحَلَ، وَمَا فِيهِ مِنْ حُزْنٍ؛ إِلَّا تَزَحْزَحَ؛ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ؛ فَهَذَا الشَّهْرُ أَقْبَلَ، وَهُوَ زَادٌ لِمَنْ يَرْجُو كَرِيمَ اللِّقَاءِ غَدًا.

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ كُلُّ مُسْلِمٍ يَقُولُ: أَنَا؛ "تَقَبَّلَ اللهُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَمَلَهُمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَبِالمُضَاعَفَةِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ أَكْرَمَهُمْ".

 

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ هُوَ مَنْ يُعَظِّمُ الشَّهْرَ وَيَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ؛ (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32]؛ يَفْرَحُ بِقُدُومِهِ، وَيَحْزَنُ عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ، وَيَجْتَهِدُ فِيهِ بِصَالِحِ العَمَلِ.

 

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ هُوَ مَنْ يَصُومُ نَهَارَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَيَقُومُ لَيْلَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، هُوَ مَنْ يَحْفَظُ فِيهِ الجَوَارِحَ عَنِ الحَرَامِ، وَيَكُفُّهَا فِيهِ عَنِ الآثَامِ؛ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"(رواه البخاري).

 

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ هُوَ مَنْ يَعْمُرُ شَهْرَهُ بِذِكْرِ اللهِ وَبِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، هُوَ مَنْ يُسَارِعُ إِلَى فُرَصِ الخَيْرِ، وَيُبَادِرُ إِلَى مَنَازِلِ الإِحْسَانِ.

 

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ هُوَ مَنْ جَعَلَ الشَّهْرَ مُنْطَلَقًا لِعَزِيمَةٍ صَالِحَةٍ، يَحْمِلُ فِيهَا نَفْسَهُ عَلَى الرُّقِيِّ فِي مَنَازِلِ التَّقْوَى وَالتَّزَوُّدِ مِنْ زَادِهَا؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ هُوَ يُخْلِصُ العَمَلَ فِيهِ للهِ، وَيَدْعُو اللهَ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُ؛ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[البقرة: 127]؛

مَنْ يَأْخُذُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِحَقِّهِ؟ مَنْ يَهْجُرُ مَوَاقِعَ المُنْكَرِ وَقَنَوَاتِ الفُجُورِ وَمُنْتَدَيَاتِ البَاطِلِ، وَيُقْبِلُ عَلَى مَا يُصْلِحُ قَلْبَهُ وَيُرْضِي رَبَّهُ.

 

رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا وَالمُسْلِمِينَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي أَكْرَمِ حَالٍ، وَأَخْلَصِ عَمَلٍ، وَأَهْدَى سَبِيلٍ، وَأَقْوَى عَزِيمَةٍ، وَأَعِذْنَا وَالمُسْلِمِينَ مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

 

المرفقات

مَنْ يَبِيْعُن رمضان.doc

مَنْ يَبِيْعُن رمضان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات