نزول عيسى عليه السلام

د. منصور الصقعوب

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-30 - 1447/11/13
عناصر الخطبة
1/وجوب الإيمان بكل الأنبياء والرسل 2/موقف العدل والإنصاف من سيدنا عيسى عليه السلام 3/نزول سيدنا عيسى من علامات الساعة 4/من أعمال سيدنا عيسى بعد نزوله 5/من أسباب ذكر علامات الساعة.

اقتباس

ما بين غلُوِّ قومٍ رفعوه إلى مرتبة الألوهية، وجفاء قومٍ كفروا بآياته؛ وقف الإسلامُ موقفَ العدل والإنصاف... عبدٌ مكرَّمٌ، رسولٌ محترَمٌ، رفعه الله مكانًا عليًّا، وأيَّده بروح القدس، وأعطاه معجزةَ إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ومع ذلك بقي عبدًا لا يُعْبَد، وبشرًا لا يُؤلَّه... وحين تآمر الخَلقُ على قتله، دبَّرَ الخالقُ رَفْعه إلى السماء، فأنجاه من مكرِ الأعداء....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....

 

عباد الله: من تمام الإيمان، وكمال العرفان، أن نؤمن برسل الله جميعًا، لا نُفرِّق بين أحدٍ منهم، فهم سُلالةُ طُهرٍ، وسلسلةُ نورٍ، اصطفاهم ربُّهم فحملوا مشاعلَ الهدايةِ إلى البريّة.

 

وفي مقدِّمة هؤلاء النفر الكرام: روحُ الله وكلمتُه، عيسى ابنُ مريمَ -عليه السلام-، آيةُ الله القائمة، وحجته البالغة، والذي ولدته أُمّه من غيرِ أبٍ تقريراً لمعنى القدرة، وتحقيقاً لتفرد الخالق في التصوير.

 

يا كرام: ما بين غلُوِّ قومٍ رفعوه إلى مرتبة الألوهية، وجفاء قومٍ كفروا بآياته؛ وقف الإسلامُ موقفَ العدل والإنصاف، فجاء البيانُ القرآني ينفضُ غبارَ التحريف ويردُّ الإفك؛ (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)[المائدة: 75]؛ عبدٌ مكرَّمٌ، رسولٌ محترَمٌ، رفعه الله مكانًا عليًّا، وأيَّده بروح القدس، وأعطاه معجزةَ إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ومع ذلك بقي عبدًا لا يُعْبَد، وبشرًا لا يُؤلَّه.

 

معاشر المسلمين: ولقد نالَ عيسى -عليه السلام- حِفظًا لم ينله أحدٌ في زمانه؛ فحين تآمر الخَلقُ على قتله، دبَّرَ الخالقُ رفعتَه إلى السماء، فأنجاه من مكرِ الأعداء، فكان القولُ الفصل؛ (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)[النساء: 157]، وترك -سبحانه- خصومه في تلبيسهم يعمهون، حتى إذا دنا الموعد، وأشرقت شمسُ آخر الزمان، عادَ المُخْلِص المُخلَّصُ، والنبيُّ الصدِّيق، ليثبِّت التوحيد، ويُزهقَ الباطل.

 

إن نزولَ عيسى -عليه السلام- علامةٌ من علامات الساعة الكبرى كذلك، وفي الصحيح يقسمُ الصادقُ المصدوقُ: «والذي نفسي بيدِه ليوشكنّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا، فيكسِرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزير، ويَضعَ الجزية، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبله أحد».

 

وهذه بشارة نزول عيسى -عليه السلام-، عدلٌ يُبدِّد الجور، وتوحيدٌ يمحو الشرك، وغِنًى يُذهِب الفقر. ينزلُ نبيٌّ برسالةِ أخيه النبي، ليشهدَ بصدق الرسالات؛ (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)[النساء: 159].

 

عباد الله: سيهبِطُ عيسى -عليه السلام- واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، عند المنارة البيضاء شرقيَّ دمشق، حين يحاصر الدجالُ المؤمنين، في وقتٍ لم يبقَ على الحقِّ إلا قلةٌ، عندها تقام الصلاة، فيقول أميرهم حينها لعيسى -عليه السلام- تعالَ صلِّ لنا، فيقول: "لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة"(رواه مسلم).

 

فيصلي خلفَه؛ إعلانًا باتحاد الأئمة وامتداد الشريعة المحمدية إلى يوم القيامة، وتشريفاً لهذه الأمة أن يصلي نبي الله عيسى -عليه السلام- خلف رجل منها.

 

وحين يحكمُ؛ يحكم بالناس بشريعة الإسلام، فهي الشريعة الخالدة الباقية إلى آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويحكم بدين المسلمين.

 

ثم يخرج خلف الدجال، فيدركه عند باب لُدٍّ بفلسطين، فيحسمُ المعركةَ بضربةٍ يذوبُ عندها الدجال كما يذوب الملحُ في الماء.

 

وما إن يُقضى على الدجّال حتى يتوجَّه عيسى بالموحِّدين إلى بيتِ المقدس؛ وهناك يقومُ بتطهيرِ ساحاته من رجسِ الشرك، ويؤمُّهم في صلاتهم، مذكِّرًا بأنَّ هذا المسجدَ هو قبلةُ الأنبياء ومهوى أفئدةِ الأولياء.

 

"ثُمَّ يَأْتي عِيسَى -عليه السلام- إلى قَوْمٍ قدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ من الدجال، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إلى عِيسَى أنّي قد أخرجتُ عبادًا لا يدانِ لأحدٍ بقتالِهم، -أي: لا قدرة على قتالهم-، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور؛ فتُفتَحُ سدودُ يأجوج ومأجوج، (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ)[الأنبياء:96]؛ فيَعيثونَ في الأرض إفسادًا، حتى يقولون: قهرنا أهلَ الأرض فلنقهرنَّ أهلَ السماء، فيرمي أحدُهم سهمَه فيعودُ مخضَّبًا بالدماءِ فتنةً وابتلاءً".

 

في الصحيح قال -عليه السلام-: "ويُحاصَرُ عيسى ابنُ مَريَمَ وأصحابُه حَتَّى يَكونَ رَأسُ الثَّورِ لأحَدِهم خَيرًا من مِائةِ دينارٍ لأحَدِكم اليَومَ، فيَرغَبُ نَبيُّ اللهِ عيسى -عليه السلام- وأصحابُه إلى الله، فيُرسِلُ اللهُ عليهم النَّغَفَ في رِقابِهم، فيُصبِحونَ فَرْسَى كموتِ نَفسٍ واحِدةٍ، ثُمَّ يَهبِطُ نَبيُّ الله عيسى -عليه السلام- وأصحابُه إلى الأرض، فلا يَجِدونَ في الأرض مَوضِعَ شِبرٍ إلَّا مَلأه زَهمُهم ونَتْنُهُمْ، فيَرغَبُ نَبيُّ الله عيسى وأصحابُه إلى الله، فيُرسِلُ الله طَيرًا كأعناقِ البُختِ -أي الإبل- فتَحمِلُهم فتَطرَحُهم حَيثُ شاءَ اللهُ.

 

ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطرًا لا يستر مِنه بَيت مَدرٍ ولا وَبَرٍ، فيَغسِلُ الأرض حَتَّى يَترُكَها كالزَّلَفةِ، ثُمَّ يُقالُ للأرضِ: أنبِتي ثَمَرَتَكِ، ورُدِّي بركَتَكِ، فيومَئِذٍ تَأكُلُ العِصابةُ مِنَ الرُّمَّانةِ ويَستَظِلُّونَ بقِحْفِها، ويُبارَكُ في الرِّسْلِ -أي: اللبن- حَتَّى إنَّ اللِّقْحةَ مِنَ الإبلِ لتَكفي الفِئامَ مِنَ النَّاسِ، واللِّقحةَ مِنَ البَقَرِ لتَكفي القَبيلةَ مِنَ النَّاسِ، واللِّقحةَ مِنَ الغَنَمِ لتَكفي الفَخْذَ مِنَ النَّاسِ".

 

وبذلك يتمُّ على يدِ عيسى -عليه السلام- إهلاكُ أعتى فتنتَين عرفَتْهما البشرية: فتنةُ الدجّال، وفتنةُ يأجوجَ ومأجوج، ليبدأَ عهدُ الطمأنينةِ الكبرى، فيملأُ الله الأرض قسطًا وعدلًا، وتُرفعُ الفتنُ وتتضاعفُ الخيرات، فيصلِّي المؤمنون في أروقةِ الأقصى آمنين مطمئنين، ويكسر الصليب وتعلو راية التوحيد، وتزول الخلافات، ويفيض المال فلا يقبله أحد، ولكن: كل هذه إرهاصات بقرب قيام الساعة، فالأشراط الأخرى باتت متتابعة.

 

اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ وحده...

 

أما بعد: يبقى عيسى -عليه السلام- في الأرض سبع سنين، ثم يُتوفَّى ويُصلِّي عليه المسلمون.

 

وبعد ذلك "يرسل الله ريحًا باردة من جهة الشام، تقبض أرواح كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول: "الله، الله" ولا يبقى إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة".

 

أيها المؤمنون: لماذا نذكر كل هذا، لماذا نذكر نزول عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان؟

لنعلم بعض علامات الساعة الكبرى ونتهيأ لها، ولنعلم أننا في دار ممر لا دار قرار، ويوشك أن تقوم الأحداث الكبار.

 

لنعلم أن الله إذا أراد تغيير الأحوال ونصرة أهل دينه؛ فهو قادر في طرفة عين، لكنه حين يبتلي فلحكمة، وحين يُؤخّر النصر فبقَدَر، وحين يشتد البلاء بالمؤمنين فبأجر عظيم.

 

نذكر خبر عيسى -عليه السلام- لنعلم كذب مزاعم اليهود الذين ادّعوا أنهم قتلوا عيسى وصلبوه، ولو كان كما زعموا لما رجع بعدما مات.

 

وكَذِبَ النصارى الذين غلوا فيه وألّهوه، فإنه حين ينزل لا يقبل إلا الإسلام ويكسر الصليب، ثم في آخر الأمر يموت كما يموت البشر، وليدفن في الأرض كالبشر.

 

وحينها تعلم أنه لا دين باقٍ بلا تحريف إلا الإسلام، ولا يقبل الله من أحد بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا الإسلام، وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار".

 

هذا الحق بلا امتراء، فالدين عند الله الإسلام؛ كما قرر الملك العلام.

 

وبعد: فنحتاج -يا كرام- للفقه في ديننا، والتعرف على أعلام الساعة وأشراطها، كي نتهيأ للنقلة ونُعِدّ للدار الحقة.

 

اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

نزول عيسى عليه السلام.pdf

نزول عيسى عليه السلام.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات