أَقْبَلَ رَمَضَانُ.. فَأَيْنَ الْمُشَمِّرُونَ؟

أ.د عبدالله الطيار
1447/09/18 - 2026/03/07 10:52AM

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وَجَعَلَهُ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَوْدَعَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: 155].

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ضَيْفٌ عَزِيزٌ أَيَّامُهُ مَعْدُودَةٌ، وَأَوْقَاتُهُ مَحْدُودَةٌ، هُوَ مِنْحَةٌ وَغَنِيمَةٌ، وَفُرْصَةٌ ثَمِينَةٌ، قَالَ ﷺ: (إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) [أخرجه البخاري (2277) ومسلم (1079)]. وَرَمَضَانُ شَهْرُ الْأُجُورِ الْمَوْعُودَةِ، وَالْجَوَائِزِ الْمَرْصُودَةِ، لَا يَقْبَلُ التَّسْوِيفَ وَالْأَجَلَ، وَلَا يُجْدِي بَعْدَهُ النَّدَمُ، فَدُونَكُمْ هَذَا الشَّهْرَ، لَا تَبْرَحُوا، حَتَّى تَبْلُغُوا، قَالَ ﷺ: (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) [رواه الترمذي (2545) وصححه الألباني].

عِبَادَ اللَّهِ: وَرَمَضَانُ مِضْمَارُ السِّبَاقِ، وَشَهْرُ الْجُودِ وَالْإِنْفَاقِ، فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا رَاجِيَ الْجِنَانِ أَنْفِقْ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجُودَ هُوَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي، لِمَنْ يَنْبَغِي، وَإِيصَالُ الْحَقِّ لِلْمُسْتَحِقِّ، فَتَعَبَّدُوا لِلَّهِ بِصَدَقَاتِكُمْ، وَتَحَرَّوْا مُسْتَحِقِّيهَا، وَابْحَثُوا عَنِ الْمُحْتَاجِينَ لَهَا، الَّذِينَ وَصَفَهُمْ رَبُّنَا بِقَوْلِهِ: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [البقرة: 273]. وَابْدَؤُوا بِأَرْحَامِكُمْ وَأَقَارِبِكُمْ وَجِيرَانِكُمْ، قَالَ تَعَالَى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) [الإسراء: 26] وَقَالَ ﷺ: (الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) [أخرجه ابن ماجه (1844) وصححه الألباني]. وَاحْذَرُوا الْمُتَسَوِّلِينَ، وَالَّذِينَ يَفْتَرِشُونَ الطُّرُقَاتِ، وَيَطْلُبُونَ الصَّدَقَاتِ، وَبَعْضُهُمْ أَدْعِيَاءُ كَاذِبُونَ يَمْتَهِنُونَ التَّسَوُّلَ.

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: احْذَرُوا التَّبْذِيرَ، فَإِنَّهُ آفَةٌ مَقِيتَةٌ وَعَادَةٌ بَغِيضَةٌ تَمْحَقُ النِّعَمَ وَتُوجِبُ النِّقَمَ، قَالَ رَبُّنَا: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].

وَاعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ قَيْدِ الشَّهَوَاتِ، لَا حَشْدِ الْمَلَذَّاتِ، وَتَصْوِيرُ الْوَلَائِمِ وَالْمَوَائِدِ الْمُزَيَّنَةِ بِأَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَنَشْرُهَا عَلَى مِنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِتَتَلَقَّفَهَا عُيُونُ الْحَاسِدِينَ، وَتُرَاقِبَهَا مُقَلُ الفقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، مِمَّا يَتَنَافَى مَعَ أَهْدَافِ الصِّيَامِ وَغَايَاتِهِ، فَاسْتَشْعِرُوا مَكَانَةَ النِّعْمَةِ بِعَدَمِ الِاسْتِهَانَةِ بِقَلِيلِهَا، فَمَنِ اسْتَهَانَ بِقَلِيلِ النِّعْمَةِ حُرِمَ كَثِيرَهَا، وَمَنْ أَهْدَرَ كَثِيرَهَا، حُرِمَ دَوَامَهَا، وَمَنْ أَلِفَ وُجُودَهَا، لَمْ يَأْمَنْ زَوَالَهَا، وَالنِّعْمَةُ إِذَا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وَإِذَا كُفِرَتْ فَرَّتْ، قَالَ ﷺ: (يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهَا قَلَّ مَا نَفَرَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) أخرجه ابن ماجه (3353).أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 183-184]. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه، وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الْإِنْجَازَاتِ، وَالْفُتُوحَاتِ، لَا مَوْسِمُ التَّقَاعُسِ وَتَأْخِيرِ الْوَاجِبَاتِ، وَالتَّقْصِيرِ فِي الْوَظَائِفِ وَالْمُهِمَّاتِ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ أُنَاسٍ إِذَا صَامُوا، فَتَرَتْ هِمَّتُهُمْ، وَقَعَدَتْ عَزِيمَتُهُمْ، فَعَطَّلُوا مَصَالِحَ الْعِبَادِ، وَتَعَلَّلُوا بِالصِّيَامِ، وَتَنَاسَوْا أَنَّ رَمَضَانَ مَدْرَسَةُ الصَّبْرِ، لَا مِظَلَّةُ الْعَجْزِ.

فَيَا أَيُّهَا الطَّالِبُ فِي مَيْدَانِكَ، وَيَا أَيُّهَا الْمُوَظَّفُ فِي دِيوَانِكَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمَانَتِكَ، وَلَا تَجْعَلْ صِيَامَكَ سَبِيلًا لِكَسْبٍ حَرَامٍ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، وَاجْتِمَاعٍ وَوَحْدَةٍ، وَاكْتُبْنَا فِيهِ مِنْ عُتَقَائِكَ، وَبَلِّغْنَا فِيهِ مَرْضَاتِكَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَاصْرِفْ عَنْهُمَا كُلَّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، وَاحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَارْحَمْهُمْ كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَنَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.                                                                                         الجمعة 3 رمضان 1447هـ

المشاهدات 57 | التعليقات 0