الزواج المبارك
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله سوَّانا من العدم، وأفاض علينا من النعم، خضعت له الرقاب من عُرب ومن عجم، وأشهد ألَّا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سقى الله به القلوب العطشى، ولمَّ به شمل النفوس الثكلى، هو القدوة وهو الأسوة وهو السراج وهو الهادي بإذن ربه إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ... وبعد:
فأوصيكم -أيها الناس- بتقوى الله -عز وجل- (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)
أيها المؤمنون:
سيدة نساء العالمين هي فاطمة بنت محمد بشرها رسول الله قبل موته بأيام بأنها سيدة نساء الجنة أو سيدة نساء العالمين، تزوجها المبشَّر بالجنة وصاحب رسول الله وربيبه وابن عمه علي بن أبي طالب، كان يحدّث عليٌ نفسه كثيراً بخِطبة فاطمة وزواجها ويمنعه الحياء من الحديث مع رسول الله ، فاستشار بعض الأنصار فأشاروا عليه أن ائت رسول الله وحدِّثه فليس مثلك يُرد، فدخل على رسول الله فسلم عليه وجلس فأراد أن يتحدث إليه فكأنما أُلجم حياءً ومهابة، فقال رسول الله ( ما حاجة ابن أبي طالب ) فسكت علي، فقال رسول الله ( لعلك جئت تطلب فاطمة؟ ) فكأنما انتشل رسول الله علياً من الغرق، فقال: أجل يا رسول الله، فقال الحبيب ( مرحباً وأهلاً ) لم يزده على ذلك، فخرج علي على أولئك الأنصار وهم ينتظرونه، فقالوا ما وراءك؟ فقال ما أدري ولكنه قال لي: ( مرحباً وأهلاً ) فقالوا: يكفيك من رسول الله إحداهما أعطاك الأهل وأعطاك المرحب.
ثم دعا رسول الله علياً وقال ( هل لك من شيء ؟ ) يقول علي: فتذكرتُ رسول الله وكرمه وعائدته فقلت: ما لي من شيء فكيف؟ فقال : ( فأين درعك الحُطَميّة؟ ) فقال: هي عندي يا رسول الله، فقال: ( فأعطنيها ) فذهب إلى بيته فأخذ الدرع وباع بعض متاعه فلم يبلغ أربعمائة وثمانين درهما فقط، فأمر رسول الله أن يجعل ثلثيه في الطيب وثلثاً في الثياب، فقال سعد بن عبادة: عليَّ كبش يا رسول الله وليمة علي، وجاء أنصاري بالذرة، وأقيم الزواج المبارك....
فلما دخل عليٌ بزوجته فاطمة قال رسول الله ( لا تحدث شيئا حتى تلقاني ) فدعا رسول الله بماء فتوضأ منه ثم أفرغه على علي ثم قال ( اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما )
أيها المسلمون:
هذا رسول الله وهذا علي وتلك سيدة نساء العالمين، وهل شرفٌ أعظم من هذا الشرف؟ وهل نسبٌ أعلى من هذا النسب؟ هذا زواجهم سمعتم كيف تم، سمعتم كيف كانت تفاصيله، تيسير ما بعده تيسير، ورفق ليس بعده رفق، هكذا عقل العقلاء وفهم النبلاء، هذا عين الصحة والصواب:
( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) دينه وخلقه صلاته وطاعته بره واستقامته أدبه وتعامله، ما قال رسول الله وظيفته دخله راتبه بيته وغير ذلك من زخارف الدنيا، قال دينه وخلقه، لأن الله هو الرزاق القائل عمَّن أراد العفاف: ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) ورسول الله قد أخبرنا فقال: ( ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم الناكح الذي يريد العفاف ) حق على الله عونه ورزقه وتيسير أمره ... ومن أوفى بعهده من الله..
يعلمنا القدوة والأسوة درساً عملياً تطبيقياً بالغ الأهمية عظيم النفع، علمنا بأن بناتنا ليسوا سلعًا نغالي في مهورهنّ ونتفاخر بكسوتهن، درع حطمية ودراهم معدودة زوجت بنت سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لأن أعظم النساء بركة أقلهن مهرا ومؤونة، أعظم النساء بركة أقلهن مهرا ومؤونة.
وقد قالت الحكماء: ( العجلة في خمسة أشياء محمودة ومنها: الكريمة إذا خطبها الكفء )
علمتنا القصة أن الزواجات لا يحتاج لها كلفة ومشقة، كبش وذرة جمعت نفراً قليلاً وتم الزواج المبارك، وما نعيشه اليوم عند الكثير وللأسف الشديد من مظاهر البذخ والمباهاة، كلها والله ليست من الدين في شيء، إنما هو البطر الذي جعل نسبة العنوسة في المجتمعات تتزايد كل عام، وجعلت شبابنا يعزفون عن الزواج وربما وللأسف اضطروا للحرام.
في يوم الخِطبة يجتمع العشرات وتذبح الذبائح ذوات العدد، وعند النساء في الملكة زواج إلا قليل، ويتكلف الزوج بأموال وهدايا لا طاقة له بها، وإذا جاء الزواج لم يُترك آدمي في شرق الأرض ولا غربها إلا دُعي، وخذ ما شئت من التكاليف التي والله ليسألنّ كل ولي وولية عنها، حتى ما تسمى بالشيلات أصبحت بالألوفات ويتراقص العقلاء قبل غيرهم وربما جُعلت قبل العشاء فكانت صوتاً ملعونا شؤما على الزوج وأهله مزمار عند نعمة، حيلة شيطانية وأغاني بمسمى آخر...
بالله عليكم عباد الله: بالله عليكم عباد الله:
أليس من الأولى أن تكون هذه المبالغ الطائلة في جيب هذا الزوج فتسد دينه، وتقر بزوجته عينه، وتبني بيته، وتريحه من أعباء الحياة ومتاعبها..
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، وصلى الله وسلم على خير الورى، وعلى آله وصحبه ومن بسنته اقتدى . . وبعد :
أيها المسلمون:
قد يخالف البعض فيما قلنا في الخُطبة الأولى، ويعتبرها مثالية زائدة لا يُستطاع عليها في هذا الزمان، لكن من رأى بعين بصره وبصيرته وجد أن هذا هو عيْن السنة وهذا هو عين العقل حتى تُبنى البيوت مستقرة، لأن اختيار الرجل الذي لا يُرضى دينه ولا خلقه ثم الهاجس الماديّ والديون المؤرقة هذان أكثر ما يهدم بيت الزوجية، والواقع أمامكم يشهد...
هذه بنت الحبيب المصطفى تُزوجُ بدرع، مهرها درع فقط، لا مغالاة ولا تكاليف ولا ديون ولا مشقة، هكذا يَبني أهل العقل بيوتهم...
في دراسة أجريت من هيئة الإحصاء قبل عام تقريباً عن عدد العوانس في بلادنا تبين أن عددهن أكثر من ربع مليون بنت بلغت سن الثلاثين ولم تتزوج حتى الآن، وعدد المطلقات أكثر من ثلاثمائة وخمساً وسبعين ألف مطلقة، أعداد مهولة ونسب مخيفة، وأغلبها إن لم يكن كلها من عدم ضبط البوصلة العقلية للمجتمع، البنت لها مطالب تقصُر دونها أحلام الشباب، والشاب قد أُغرق هماً وقلقاً وفتناً، وربما ساهم الوالد فعضل ابنته ومنعها من الزواج لأي سبب من الأسباب، والمجتمع وللأسف الشديد لا يُرى فيه القدوات العاقلة التي تزن الأمور بموازينها وتقدرها حق قدرها...
والله إنا لنفرح إذا سمعنا بمثل هؤلاء القدوات المباركون في مجتمعاتنا اليوم، وهم ولله الحمد موجودون نماذج تستحق أن تذكر وتشكر، يكتفي بالمهر المقرر ولا يزيد عليه، يرفض الكسوة رفضاً، وربما أعطى ابنته زوجها وهما أولى بالأموال التي تنفق في زواجهما، هؤلاء قد أصابوا العقل والسنة والفطرة، فرحم الله من كان للمجتمع قدوة وأسوة فيسر واختصر وأعان، رحم الله من كان للمجتمع قدوة وأسوة فيسر واختصر وأعان، في زمانٍ أُغرق بالمقارنات والتفاهات، ورحم الله من لبَّى داعي الله ورسوله فكان سبباً في تسهيل زواج الشباب، وتقليل العنوسة، وبناء الأسرة.
فاتقوا الله عباد الله: ويسروا أمر الزواج، واحرصوا على من ترضون دينه وخلقه، وإياكم من الرغبة في المال دون الدين، فالمال عرَض زائل وعارية مستردة، والبقاء للدين، يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، "إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"
المرفقات
1769334978_الزواج المبارك.docx