العين وعلاجها
محمد صبيح
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة: العين وعلاجها، أ.د.صالح دعكيك، مسجد آل ياسر، حضرموت، المُكَلاَّ، 24/4/2026م
*الحمدلله رب العالمين.
أخرج الإمامان مالك في موطئه (1678) وأحمد في مسنده (15980) وغيرهما من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف - رضي الله عنهما - قال: «مر عامر بن ربيعة - رضي الله عنه - بسهل بن حنيف - رضي الله عنه - وهو يغتسل، فنظر إليه فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، - وكان سهل رجلا أبيض حسن الجسم والجلد - قال: فوعك سهل مكانه، واشتد وعْكه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل؟ والله ما يرفع رأسه وما يفيق، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تتهمون فيه من أحد؟ فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟، هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت؟ إن العين حق،" ثم قال له: توضأ له، فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه، يصبه رجل على رأسه، وظهره من خلفه، يكفئ القدح وراءه، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس».، وفي رواية عبد الرزاق في المصنف (19766): «وحسبته قال: فأمره فحسا حسوات ـ أي شرب منه ـ فراح مع الركب». الصحيحة (2572).
هذا حديث جليل، وهو أصل في باب العين، وفيه بيان لأمر الإصابة بالعين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف عالج عليه الصلاة والسلام هذه المرض الخطير، ونتطرق بإجمال إلى مهمات في داء العين من خلال النقاط الآتية:
أولا: العين كما يقول: ابن حجر نظر باستحسان، مشوب بحسد، من خبيث الطبع، تحصل للمنظور منه ضرر. فتح الباري (210).
ويقول ابن القيم عن العين الحاسدة: (هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفاً لا وقاية عليه، أثَّرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه). زاد المعاد (4/149).
فالعين
فهي في الغالب الأعم نظرات من قلوب حاسدة تصيب المعيون المكشوف عن التحصين بعد قدرة الله تعالى، فمنها عين حاسدة، ومنها عين معجبة.
ثانيا: أن الإصابة بالعين حقيقة واقعة، ثبتت بها النصوص الشرعية، والوقائع والحوادث، وهي أمر معروف في المجتمعات منذ القدم، ومن النصوص حديث «العين حق»، كما في البخاري (5299) ، وثبت في صحيح مسلم (2188):« العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا». أي لو كان هناك شيء يخرج عن قدر الله لكانت هي العين، من شدة وسرعة تأثيرها، ولكن لا شيء في الكون خارج عن قدر الله وإرادته.
قال النووي: (فيه إثبات القدر ... فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى . وفيه صحة أمر العين، وأنها قوية الضرر). شرح مسلم (14/ 174).
ثالثا: غالب العيانين أصحاب نفوس خبيثة، وأعين حارة، يضمرون الحسد في قلوبهم النجسة، فينظرون إلى من أنعم الله عليه بشئ من نعم الحياة نظر حقود حسود، وتصادف قدر الله تعالى فيصاب المعيون بالمرض على ما كتب عليه.
كما تقع العين أحيانا من بعض الأخيار استحسانا وإعجابا للشيء من غير إرادة العين والشر بالشخص، كما وقع ذلك في الحديث السابق من الصحابي الجليل عامر بن ربيعة العدوي، وهو من السابقين الأولين، أسلم قبل عمر بن الخطاب، ومن أهل بدر رضي الله عنه، قال كلمة في حق أخيه الصحابي الجليل سهل بن حنيف البدري ولم يبرك، فصادفت قدرا مقدورا.
قال العلماء: من الإعجاب بالشيء واستحسانه من بعض الأقارب، بل ربما يقع ذلك من الأب والأم لأولادهما من غير شعور، لذا جاء في الحديث : «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يحب فليبرِّك، فإن العين حق». رواه الحاكم (7500) وصححه ووافقه الذهبي.
قال الحافظ: رحمه الله:(إن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وإن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة؛ فيكون ذلك رقية منه). فتح الباري ( 10/205).
وكان لأحدهم ابنة جميلة، فدخل عليها ذات يوم فنظر إليها، ولم يذكر الله وقال: يا بخت من ستكونين من نصيبه .. وما هي إلا ساعات وترتفع حرارة البنت المسكينة، ولم تطلع عليها الشمس إلا وقد أفضت إلى رحمة الله تعالى.
رابعا: ومن عجائب العين أن الرجل قد يصيب نفسه بالعين! حينما ينظر إليها إعجابا، إذا لم يكن متترسا بالأذكار المانعة بإذن الله من الأذى، قال ابن القيم:(وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته) زاد المعاد (4/149).
ونقل المناوي عن الخليفة سليمان بن عبد الملك أنه نظر إلى نفسه في المرآة فأعجبتْه، فقال: "كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وأبو بكر صديقا، وعمر فاروقا، وعثمان حبيبا، وأنا الملك الشاب"، فما دار عليه الشهر حتى مات. فيض القدير (2/ 477).
خامسا: العين كما تقع من الأنسي تقع أيضا من الجان، فللجان نظرات خبيثة أو نظرات إعجاب تصيب بالعين، ثبت عند الترمذي (1984) وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من الجان وعين الإنس حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ماسواهما».
وفي الصحيحين خ (5739)، م (2197) عن أم سلمةَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سفعةً، يعني: صفرةً، فقال: «بها نظرةٌ، استرقُوا لها».. يقال به نظرة: إذا أصابته العين من الجن.
سادسا: من المهم جدا أن يبرك الأنسان في كل كلام يقوله مع الإعجاب والاستحسان، وينبغي أن يُذَكَّر العائن بذلك عند النسيان، والتبريك أن يقول تبارك الله أو اللهم بارك فيه ونحوهما، وهو بعون الله أحد موانع وقوع العين، كما سبق في الأحاديث، وجاء عند البزار: «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ماشاء الله لاقوة إلا بالله لم يضره». والحديث فيه ضعف كما مجمع الزوائد (2/ 294).
واعلموا عباد الله أن لا ينبغي للإنسان أن يعيش في هاجس الخوف والهلع، وأن يتغلب عليه وسواس العين، ويخشى في كل شيء من العين، ويفسر كل ما يحدث له من مكروه أنه بسبب العين، فهذه مبالغات ووساوس تفسد على الانسان معيشته، وتجعله في رعب وهم دائم مستمر، ويعيش في أزمات نفسية، فالتوسط محمود، والتوازن في هذه الأمور مطلوب، وعليه ببذل الأسباب، والتحصينات الشرعية، وأن يثق بالله وحفظه، ويتوكل عليه، فلن يصيبه إلا ما كتب الله له، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. التوبة (51) ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يونس (107).
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ....
((الخطبة الثانية))
من أصيب بالعين يُتطلب له العلاج، فما أنزل الله داء إلا جعل له دواء، ومن علاج العين ما يأتي:
1- إذا عرف العَائِنُ فيؤمر أن يتوضأ ثم يغتسل منه المصاب بالعين، وهو من أفضل أنواع العلاج، كما مر في حديث سها بن حنيف، وتقول عن عائشة رضي الله عنها: «كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين». رواه أبو داوود, (3880) السلسلة الصحيحة (2522)، ويصب الكاء على المريض من خلفه.
ولا ينبغي على العائن أو من طلب منه الوضوء أن يرفض أو يستنكف، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به بقوله: «وإذا استغسلتم فاغسلوا»، قال الإمام العيني شارح البخاري: ( يؤمر العائن بالاغتسال ويجبر إن أبى، لأن الأمر حقيقة للوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ماينتفع به أخوه ولا يضره هو، لاسيما إذا كان سببه وهو الجاني عليه). عمدة القارئ (17/405).
2- وإذ لم يعرف العائن تشرع الرقية للمعيون، وذلك إما برقيته لنفسه لحديث عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده فلما اشتكى في وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه». رواه البخاري (4439)، أو يرقية غيره، ولا حرج في ذلك.
3- الإكثار من قراءة "قل هو الله أحد" والمعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، والأدعية المشروعة في الرقية مع النفث ومسح موضع الألم باليد اليمنى.
4- "يقرأ في ماء مع النفث ثم يشرب منه المريض ويصب عليه الباقي، أو يقرأ في زيت ويدهن به، وإذا كانت القراءة في ماء زمزم كان أكمل إن تيسر، أو ماء السماء.
5- لا بأس أن تكتب للمريض آيات من القرآن ثم تغسل ويشربها، ومن ذلك الفاتحة، وآية الكرسي، والآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، وقل هو الله أحد، والمعوذتان وأدعية الرقية. زاد المعاد لابن القيم (4/157).
ونختم بقول الإمام ابن القيم في هذا الباب؛ حيث قال: (ومن جرَّب هذه الدعوات والتعوّذات عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوة إيمان قائلها، وقوّة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه لا بحدّه). زاد المعاد (4/ 156).
نسأل الله العظيم أن يصرف عنا وعن جميع المسلمين كل شر وضير، اللهم اكفنا عين العائنين، وحسد الحاسدين، وسحر الساحرين، وكيد الكائدين، وشر الشياطين، وشر كل ذي شر يا رحمن يا رحيم.
والحمد لله رب العالمين.
المرفقات
1777443234_خطبة العين وعلاجها 111.docx