القارعة

تركي بن عبدالله الميمان
1447/10/13 - 2026/04/01 15:34PM

 

سورة القارعة

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أما بعد: فأوصيكم ونَفْسِي بتقوى الله، فاتَّقُوا اللهَ يَحْفَظْكُم، واذْكُرُوه يَذْكُرْكُم، واشْكُرُوه يَزِدْكُم ﴿واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شديدُالعقاب﴾.

عِبَادَ الله: إِنَّهُ افْتِتَاحٌ مَهَوْلٌ مُرَوِّع! وبدَايَةٌ مُدَوِّيَةٌ رَهِيْبَة، وتَشْوِيقٌإلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ؛ إِنَّهُ الِافتِتَاحُ بِلَفْظِ القارِعَةُ، في سُورَةِ القَارِعَة!

و﴿القَارِعَةُ﴾ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ القِيَامَة، وسُمِّيَتْ بِذَلِك؛ لِأَنَّهَا تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِهَا؛ ولِهَذَا عَظَّمَ أَمْرَهَا وفَخَّمَهُ بِقَوْلِه: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. قال الطبري:(الساعةُ التي يقرعُ قلوبَ الناسِ هولُها، وعظيمُ ما ينزلُ بهم من البلاءِ عندَها، وذلك صبيحةٌ لا لَيْلَ بعدَها!).

ثُمَّ هَوَّلَ أَمْرَهَا، مُسْتَفْهِمًا عَنْهَا بِقَوْلِه: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾: أَيْ ما أَعْظَمَهَا وَأَفْظَعَهَا وأَهْوَلَهَا!

ثُمَّ زَادَ اللهُ في التَّهْويلِ والتَّرْوِيعِ؛ فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: وهذا اسْتِفْهَامٌ على جِهَةِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهَا! فَهِيَ تَقْرَعُ القُلُوْبَ بَعْدَقَرْعِ الأَسْمَاع!

قال Q: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾.

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ والهَوْلِ ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث﴾: أَيْكالجَرَادِ المُنْتَشِرِ المُتَفَرِّقِ، الَّذِي يَمُوْجُ بَعْضُهُ في بَعْض! قال القرطبي: (فَأَوَّلُ حَالِهِم كَالفَرَاشِ لا وَجْهَ لَهُ، يَتَحَيَّرُ في كُلِّ وَجْهٍ، ثُمَّ يَكُونُونَ كَالجَرَادِ؛ لِأَنَّ لَهَا وَجْهًا تَقْصِدُهُ).

والفَرَاشُ في الدنيا: حشراتٌ صغيرةٌ الحجم، تتساقطُ في النارِوتَقْصِدُها، وتَقْتَحِمُ على المصباحِ ونحوِه حتى تحترق! ومنهُ قولُه ﷺ: (مَثَلِي وَمَثَلُكُم: كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الجَنَادِبُ والفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، وأَنْتُم تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي). قال النووي: (ومَقْصُودُ الحَدِيثِ: أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ تَسَاقُطَ الجَاهِلِينَ والمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِم وشَهَوَاتِهِم في نارِ الآخرة، وحِرْصِهِم على الوُقُوعِ في ذلكَ، مَعَ مَنْعِهِ إِيَّاهُمْ، وقَبْضِهِ على مواضِعِ المَنْعِ مِنْهُم؛ بِتَسَاقُطِ الفَرَاشِ في نَارِ الدُّنْيَا؛ لِهَوَاهُ وضَعْفِ تَمْيِيزِهِ، وكِلَاهُمَا حَرِيصٌ على هَلَاكِ نَفْسِهِ، سَاعٍ في ذَلِكَ لِجَهْلِهِ!).

وشَبَّهَ اللهُ الخَلْقَ بِالفَرَاش؛ لِكَثْرَتِهِمْ وانْتِشَارِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، أَوْ لِتَسَاقُطِهِمْفي جَهَنَّم؛ كما يَتَسَاقَطُ الفَرَاشُ في المِصْبَاح! قال بعضُ العُلَمَاء: (النَّاسُ في أَوَّلِ قِيَامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَرَاشِ المَبْثُوث؛ لأَنَّهُم يَجِيْئُونَ ويَذْهَبُونَ على غَيرِ نِظَام، ثُمَّ يَدْعُوْهُم الدَّاعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى نَاحِيَةِ المَحْشَر؛ فَيَكُوْنُونَ حِيْنَئِذٍ كالجَرَادِالمُنْتَشِر؛ لِأَنَّ الجَرَادَ يَقْصِدُ إلى جِهَةٍ وَاحِدَة). قال ابنُ عُثَيْمِيْن: (لَوْتَصَوَّرْتَ هَذَا المَشْهَد؛ لَتَصَوَّرْتَ أَمْرًا عَظِيمًا لا نَظِيرَ لَه، هَؤُلَاءِالعَالَم: مِنْ آدَمَ إلى أَنْ تَقُومَ الساعَة؛ كُلُّهُم يَخْرُجُونَ في آنٍواحِد، في مَشَارِقِ الأَرْضِ ومَغَارِبِها!).

فهذِهِ حَالُ النَّاسِ يومَ القِيَامَة، وأَمَّا حَالُ الجِبَالِ الصُّمِّ الصِّلَاب؛فَتَكُونُ ﴿كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ﴾: أَيْ كَالصُّوفِ أو القُطْنِ المَنْفُوش، الَّذِي تَطِيرُ بِهِ أَدْنَى رَيِح!

قال ابنُ كثير: (تَكُونُ الْجِبالُ كَالصُّوفِ المَنْفُوشِ الَّذِي قَدْ شَرَعَ في الذَّهَابِ والتَّمَزُّقِ). وهو يتطايرُ هنا وهناك! ثم تكونُ الجبالُ كثيبًا مهيلًا (أَيْ: كَكُثْبَانِ الرَّمْلِ، بَعْدَمَا كَانَتْ حِجَارَةً صَمَّاءَ، شَامِخَةً طَوِيلَةً)، كما تكونُ هباءً منبثًا وغُبَارًا مُتَناثرًا؛ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾: أي تَكُونُهَبَاءً مَنْثُوْرًا، متفرقًا تذروهُ الرياحُ، فَتَضْمَحِلّ ولا يَبْقَى مِنْهَا شَيءٌ!

قال ابنُ عطية: (وكونُ الْجِبال ﴿كَالْعِهْنِ﴾ إنما هو وقت التفتيتِقبلَ النَّسْف). ثُمَّ تُنْسَفُ نَسْفًا فلا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا ذَهَبَ! قال ﷻ: ﴿ويسألونكَ عن الجبالِ فَقُلْ ينسفُهَا رَبِّي نسفًا فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا﴾.

وفي يومِ القيامة: تُنْصَبُ المَوَازِيْن، ويَنْقَسِمُ النَّاسُ إلى سُعَدَاءَوأَشْقِيَاء: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أَيْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سَيّئَاتِهِ؛ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: أي مَرَضِيَّةٍ يَرْضَاهَا صَاحِبُهُا؛وكيف لا يرضى بها وهي عِيْشَةٌ طَيّبَةٌ كَامِلَة، وحَالَةٌ دَائِمَةٌ مِنَ الصَّفَاءِواللَّذَّة، والنعيمِ والمتعة! ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم

* * * *

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة

الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه، وآلِهِ وَأَصْحَابِه وأَتْبَاعِه.

عِبَادَ الله: قال U: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: بأَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌتُقَاوِمُ سَيّئَاتِه؛ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: أَيْ مَسْكَنُهُ النَّار، الَّتِي مِنْ أَسْمَائِهَا الهَاوِيَة، وسَمَّاهَا اللهُ أُمًّا؛ لأَنَّ الكافرَ يَأْوِي إِلَيْهَا كما يَأْوِي الوَلَدُ إلى أُمِّهِ؛ فالأُمُّ هِيَ مَأْوَى الوَلَدِ ومَلَاذُه، ولَكِنَّ النارَ هِيَ الأُمُّ الَّتِي فِيْهَا هَلَاكُهُ وعَذَابُه! فبئستِ الأُم، وبئستِ المربيّة!

قال ابنُ كثير: (مَنْ خَفَّتْ موازِينُه: فالنارُ هِيَ أُمَّهُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا، ولَا مَأْوَى لَهُ غَيْرَهَا).

وَسُمِّيَتِ النَّارُ بالهَاوِيَة؛ لِأَنَّهُ يهوي فِيها على رأسه، ويُنْبَذُ في هاوِيَةٍبَعِيدَةِ!

قال ﷺ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ).

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ﴾ وهذا الاستِفْهَامُ لِلْتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ لِهَذِهِ النَّار،وبَيَانِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ؛ فلا تُحِيطُ بِهَا عُلُومُ البَشَرِ!

ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِه: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: أَيْ بَلَغَتِ النِّهَايَةَ والشِّدَّةَ في الحَرَارَة! وزَادَتْ على حَرَارَةِ نَارِ الدُّنْيَا سَبْعِيْنَ ضِعْفًا؛ قال ﷺ: (نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ؛ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ)، قَالُوا: (واللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يا رَسُولَ اللهِ!)، قال: (فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا).

************

* هذا وصَلُّوا وسَلِّموا على الرحمةِ المُهدَاة، والنعمةِ المُسداة: نبيِّكُم محمدٍ رسولِ الله؛ فقد أَمَرَكُمُ بذلك ربُّكُم في مُحكَمِ تنزيلِه، فقال -وهو الصادقُ في قِيْله-: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

* اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم، وزِدْ وبارِكْ على نبيِّكَ محمدٍ ﷺ، اللَّهُمَّ احْشُرْنافي زُمْرَتِه، وأَدْخِلْنَا في شفاعتِه، وأَحْيِنَا على سُنَّتِه، وتوفَّنَا على مِلَّتِه، وأَوْرِثْنَا عِلْمَه، وأَوْرِدْنَا حوضَه، وأَسْقِنَا بكأسِه شَرْبَةً لا نظمأُبعدَها أبدًا، وارْزُقْنَا مُرافَقتَهُ في الفردوسِ الأعلى.

* اللَّهُمَّ ارضَ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين: أَبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَلِيّ؛ وعن الصحابةِ والتابعِين، ومَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إلى يومِ الدِّين.

* اللَّهُمَّ لا تجعل الدنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مبلغَ عِلْمِنا، ولا إلى النارِمصيرَنا.

* اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وآمِنْ رَوْعَاتِنَا، واخْتِمْ بالصالحاتِ أَعْمَالَنَا.

* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ والمُسلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكِين، اللَّهُمَّ فَرِّجْهَمَّ المَهمُومِينَ، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبِين، واقْضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِين، واشْفِ مَرضَى المسلمين.

* اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطَانِنَا، وأصْلِحْ أئِمَّتَنَا ووُلَاةَ أُمُورِنَا، ووَفِّقْ (وَلِيَّ أَمرِنَا ووَلِيَّ عَهْدِهِ) لِمَا تُحِبُّ وتَرضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِما لِلبِرِّ والتَّقوَى.

* عِبَادَ الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

* فَاذكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُم، واشكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم ﴿ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

 

قناة الخُطَب الوَجِيْزَة

https://t.me/alkhutab
 
 

 

 

المشاهدات 345 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا