النوم المحمود والمذموم
د أحمد بن حمد البوعلي
النوم المحمود والمذموم
خطبة الجمعة: 30 / 5 / 1447 هـ - جامع الشيخ علي بنعبد الله ال ثاني - حي المزروع - د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الليل سكنا والنهار معاشا، وجعل النوم راحةللأبدان ورحمة للإنسان، وابتلاء يميز به الغافل من اليقظان، نحمدهسبحانه على ما أنعم، ونشكره على ما أفاض، ونشهد أن لا إله إلا اللهوحده لا شريك له، جعل لكل شيء قدرا، ولكل عمل أجلا، ولكل نفس ماكسبت، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أصدق الناس قيلا وأحسنهمهديًا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلىيوم الدين.
أما بعد، فإن من أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في حياته نومه، فهوراحةٌ للبدن، وتجديدٌ للقوة، واستعادةٌ للنشاط، وقد امتن الله به علىعباده فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ النبأ الآية 9. أي راحةًللبدن، وسترا وسكونا، يهدأ فيه الإنسان ويستريح، وانقطاعا عنالحركة لأجل التجديد والإحياء.
أيها الناس، إن النوم ضرورة من ضرورات الحياة، ومن سنن اللهتعالى في خلقه، قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِوَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
الروم الآية 23
وقد أرشدت السنة المطهرة إلى الاعتدال في النوم، فالنوم عبادة إذااستُعين به على الطاعة، ويصبح مذموما إذا أضاع الفرائض أو عطّلالواجبات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صاحب أعدل الأحوال فينومه ويقظته، لا إفراط ولا تفريط، فقد كان يكره السهر بعد العشاء إلالمصلحة، وكان ينام أول الليل، ويقوم من آخره، وقد قال صلى الله عليهوسلم لعبد الله بن عمرو لما غلب عليه كثرة العبادة حتى قصر في النوم: "إن لنفسك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، فأعط كل ذي حقحقه". (1)
عباد الله: إن نوم المؤمن إذا نواه لله تعالى واحتسبه، كان عبادة يثابعليها، كما تكون يقظته عبادة إذا التزم فيها حدود الشرع وقام بحقوقالله وحقوق خلقه، فالأعمال إنما تزداد قدرا بالنيات، والنوم داخل فيذلك، إذ هو راحة يحتاجها الجسد ليستعين بها صاحبُه على أداءالفرائض والواجبات، وطلب العلم، وكسب المعاش، وسائر أعمال البر.
غير أنّ هذا النوم لا يكون محمودا إلا إذا وضع في موضعه، والتزمصاحبه العدل فيه، فلم يفرط حتى يضيع الصلوات والواجبات، ولميفرط حتى ينهك بدنه ويعجزه عن أداء حقوق ربه، وقد يكون النوممذموما إذا تجاوز حدّه المشروع، فصار سببا للكسل، أو الغفلة، أوالتفريط، أو ضياع الأوقات التي جُعلت للعمل والعبادة.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيتجزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسبقومتي". (2)
فالنوم عبادة إذا كان على هدي الاعتدال، وسبب للكسل إن جاوز حدالاعتدال، ومن تأمل سيرته أدرك أن النوم في الإسلام ليس غاية يتبعهاالمرء بلا ضابط، بل هو وسيلة تعينه على عبادة ربه، وعمارة دنياه،واستقامة سلوكه.
ومع أن النوم ضرورة، فإن منه نوعا مذموما، يذم صاحبه عليه شرعا،فمن ذلك أن ينام العبد عن الفرائض، فيضيع ما أمر الله به. قالتعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِفَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. مريم الآية 59
وفي حديث الرؤيا، قال الملكان للنبي صلى الله عليه وسلم عن الرجلالذي يثلغ رأسه بالحجر: "إنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عنالصلاة المكتوبة". (3)
وفيما يلي بيان الفرق بين النوم المحمود والمذموم.
أولاً: النوم المحمود
1. ما يحقق توازن الجسد
النوم بقدر معتدل حاجة فطرية. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِمَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الروم 23. فالآية تشير إلى أن النوم جزء مننظام الخلق.
2. نوم الليل:
أجمع الأطباء والفقهاء على أن نوم الليل أصل في صحة البدن. وهوأيضاً من سنن الكون التي فطر الله الناس عليها.
قال ابن القيم: "النوم بالليل أنفع لبدن الإنسان وأقوى على إصلاحهمن نوم النهار" (4)
3. القيلولة:
القيلولة نوم قصير في منتصف النهار. ورد في الحديث: "قيلوا فإنالشياطين لا تقيل" (5)
وكان النبي يفعله لما فيه من تجديد القدرة على قيام الليل والعبادة.
4. النوم المبكر
ثبت أن النبي كان يكره السهر بعد العشاء لغير حاجة. جاء في حديثابن مسعود: "كان رسول الله يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها" (6)
5. النوم على هيئة صحيحة
كان النبي ينام على شقه الأيمن كما في حديث البراء بن عازب: "إذاأتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن"(7)
ورأى الأطباء أن هذه الوضعية تعين على صحة الجهاز التنفسيوالهضمي.
ثانياً: النوم المذموم
1. الإفراط وكثرة النوم
الإكثار من النوم يورث الكسل، ويضيع العمر، ويضعف الإرادة. قالالحسن البصري: "كثرة النوم تميت القلب" (8)
2. النوم عن صلاة الفجر
فإنه وقت بركة وسعي، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالبركةفي البكور، وكان التجار والعلماء والصالحون يعدون النوم في هذاالوقت حرمانا. وقد ذكر ابن القيم أن هذا الوقت هو وقت نزول الأرزاقوحلول البركة، وأنه مفتاح النهار. وهذا من أكثر صور النوم المذمومشيوعاً. قال النبي: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نامثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليكم ليل طويل فارقدوا، فإن استيقظفذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدهكلها" (9). والحديث يبين أثر النوم الزائد في التكاسل عن الطاعة.
ومن كان دأبه تضييع الصلاة والنوم عنها فهذا من علامات النفاق،لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس صلاة أثقل على المنافقين منالفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا". (10)
وروى ابن مسعود أن رجلا نام حتى أصبح، فقال النبي صلى الله عليهوسلم: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". (11)
3. النوم في أوقات مكروهة طبياً وشرعياً
ذكر الأطباء أن النوم بعد العصر قد يورث الأرق، وذكر بعض السلفكراهة نومه إلا عند الحاجة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من تركصلاة العصر فقد حبط عمله". (12)
4. النوم في وقت الدرس أو العبادة
عد العلماء النوم الذي يؤدي إلى ترك واجب أو إهمال علم أو تفويتعبادة من النوم المذموم.
5. السهر الطويل ونوم النهار
طول السهر يسبب اضطراباً في الهرمونات ويضعف التركيز، وقد وردعن عمر بن الخطاب أنه كان يضرب على السهر بغير فائدة (13)
ومن النوم المذموم أن ينام المرء عن القيام والوتر والاستغفار وقتالسحر، وهو وقت شريف مدحه الله في كتابه، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَاللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. الذاريات الآية 17.
وقد نقل السلف في هذا أقوالا وآثارا عظيمة، تبين علو همتهم وخوفهممن طول الرقاد، وكيف كانوا يستحيون أن يناموا وقت نزول الرحمةوالاستغفار.
ثالثاً: توجيهات عملية للتوازن في النوم
1- ضبط عدد ساعات النوم بما يناسب الجسد، وغالب الناسيحتاجون سبع ساعات تقريباً.
2- تجنب استعمال الأجهزة قبل النوم لأنها تعطل إفراز الميلاتونين.
3- النوم مبكراً والاستيقاظ عند الفجر.
4- تخصيص قيلولة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة.
5- تجنب النوم بعد الأكل مباشرة.
6- الحفاظ على أذكار النوم الثابتة في السنة، لما فيها من الطمأنينةوالنفع.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يقوم الليل ويعرف قدر السحر، وممن يحفظالفرائض ولا يضيع الواجبات. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا يليق بجلاله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، لهالحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلموبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىكُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. البقرة الآية 281.
وختاما: النوم نعمة عظيمة إذا استعملها الإنسان فيما يحفظ صحتهوعقله وأعماله، وقد أرشد الشرع إلى الاعتدال في كل شيء، والنوم منأعظم ما يحتاج إلى توازن كما تقدم، فمن التزم سنن النوم ومواقيتهانتفع بجسده وروحه، ومن أسرف أو فرط وجد أثر ذلك على بدنهوعبادته.
قال وهب بن منبه: "ليس من بني آدم أحب إلى شيطانه من الأكولالنوام". (14)
وقال الحسن البصري: "توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام".(15)
وقال الغزالي: "كثرة النوم ضياع للعمر، وفوت للتهجد، وبلادةللطبع". (16)
وذكر ابن القيم: "أن كثرة النوم تميت القلب، وتثقل البدن، وتضيعالوقت، وأن أنفع النوم نوم أول الليل، وأن نوم النهار لا يغني عن نومالليل". (17)
ومما يؤثر في النفوس أن ندرك أن أول أبواب البركة يبدأ من فجريومك. من قام لصلاة الفجر، شعر أن يومه يبدأ بإشراقة رضا من الله،وامتلأ وقته سعة، وعاش بركة لا يشعر بها من يثقل بجفنه دون سبب.
الفجر ليس مجرد صلاة، بل هو إعلان بداية يوم جديد، وفرصة جديدة،ونور يبدد كل تقصير، فلنجعل نومنا عبادة بالنية، وراحة بالاعتدال،وعونا على الطاعة، ولنتجنب النوم الذي يقطعنا عن واجباتنا ويجعلناأسرى للكسل.
فينبغي للمؤمن أيضا أن يتخفف من الطعام، وأن يترك السهر بغيرحاجة، وأن يعطي للنوم قدرا لا يزيد عليه، وأن يجعل له نصيبا من قيامالليل الذي يحيي القلب وينشر النور في الصدر.
ومن أحسن ما نختم به أن نسأل الله أن يجعل نومنا راحة لا غفلة، وأنيبارك في أوقاتنا، ويعيننا على ذكره وطاعته في ليلنا ونهارنا.
ونسأله سبحانه أن يوقظ قلوبنا قبل أجسادنا، وأن يجعل حياتنا كلهافي طاعته، وأن يباعد بيننا وبين كل نوم يضر ديننا ودنيانا.
اللهم أصلح قلوبنا، ونور أبصارنا وبصائرنا، واجعلنا ممن يستمعونالقول فيتبعون أحسنه.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش:
(1) رواه البخاري (رقم 1968)، ومسلم (رقم 1159).
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2-127)
(3) رواه البخاري (رقم 7047).
(4) مدارج السالكين (2-369)، وزاد المعاد (4-264).
(5) رواه الطبراني في الأوسط (رقم 6026)، وفيه ضعف، لكن له شواهد يرتقي بها إلى الحسن بمجموع الطرق، وقد حسنه السيوطي في الجامع الصغير (رقم 6212).
(6) رواه البخاري (رقم 568)، ومسلم (رقم 647).
(7) رواه البخاري (رقم 6311)، ومسلم (رقم 2710).
(8) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الملاهي" وكتاب "محاسبة النفس" (ص 57)، وإسناده جيد.
(9) رواه البخاري (رقم 1142)، ومسلم (رقم 776).
(10) رواه البخاري (رقم 657)، ومسلم (رقم 651).
(11) رواه البخاري (رقم 1144)، ومسلم (رقم 774).
(12) رواه البخاري (رقم 553)، وهو على التحذير من التفريط.
(13) أخرجه ابن أبي الدنيا في "قيام الليل" (ص 145)، وإسناده صحيح.
(14) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم النوم" (ص 34).
(15) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (ص 120).
(16) إحياء علوم الدين (1-255).
(17) زاد المعاد (4-264)، ومدارج السالكين (2-370).