الوضوء شطر الإيمان

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، الجميل الجليل الرحمن الرحيم، يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وقائد الغرّ المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... وبعد:

عباد الله: هل سمعتم بعمل عظيم عَدّه رسول الله نصف الإيمان وهو صفة ملازمة للمؤمن لا يتركه قدر الإمكان، هو طهارة لبدنه ولقلبه ومن ذنوبه وراحة في باله وكذا هو حرز من الشيطان، وفوق ذلك هو صفة يحبها الرحمن، وهو العلامة التي يَعرف بها رسول الله أمته يوم القيامة، وهو العمل الذي لا يقبل الله صلاة إلا به..

ذلكم عباد الله هو العبادة العظيمة الوضوء الذي قال فيه رسول الطهر والعفاف :

  ))أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم)) فقال رجل: يا رسول كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟! قال)) :هم غر محجَّلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم))   رواه الإمام أحمد وأصله في الصحيحين.

غر: يعني وجوههم بيض بنور الوضوء يوم القيامة، ومحجلين: معناها بياض في أن أيديهم وأرجلهم من أثر الوضوء.

الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهو النور والإشراق.. فهو علامة الإيمان.. قال     " ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن " هذا المؤمن كلما أحدث وانتقض وضوؤه توضأ وأسبغ الوضوء سواء كان يريد الصلاة أو لا يريد وقد قال ربنا : ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )

 

الوضوء طهارة عظيمة من الذنوب والأدران واسمعوا لقوله :

"إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظافر رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة حتى يخرج نقياً من الذنوب".". (أخرجه النسائي وابن ماجه، ومسلم بنحوه، عن أبي هريرة)

 

وإضافة إلى حط الخطايا العظيمة من سائر الجسد تُفَتح له أبواب الجنة إذا أتى المؤمن بالشهادتين بعد وضوئه:  ورد هذا في بشارة من فم المصطفى - - يقول فيها:

 "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له أبواب الجنة  الثمانية يدخل من أيها شاء".

هذه حال المؤمن إذا أحدث يتوضأ حتى ولو لم يكن في صلاة ويتأكد الوضوء قبل النوم ولك من الأجر غير مغفرة الذنوب وفتح أبواب الجنة يحرسك الله بملك ينام معك ويدعو لك، روى الطبراني أن النبي  قال: "طهِّروا هذه الأجساد طهّركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه ملك في شعاره لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهراً" .

ما هذا الفضل العظيم؟! استغفار الملائكة للعبد كلما تقلب في فراشه طوال الليل، وما على العبد إلا أن يتوضأ قبل أن ينام حتى ينال هذا الفضل. فمَن يا ترى يحرم نفسه هذا الخير؟! فينام على غير طهارة؛ فإن قبضت روحه قبضت على غير طهارة، وإن أرسلت فاته فضل استغفار الملائكة.

عملٌ يسيرٌ وأجرٌ كبير، وفي آخر آية الوضوء يقول الله ( ...مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

وإن سألت عبد الله عن صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام فاسمع للصفة التي أجمع أهل الحديث على أنها أسبغ ما يُتَوضأ به إلى الصلاة، جاءت هذه الصفة في الحديث الصحيح عن عثمان رضي الله عنه

حيث دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك. ثم قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غُفرَ له ما تقدم من ذنبه".

فإذا أردت الوضوء التام يا عبد الله فاغسل كفيك ثلاثا ثم تمضمض وأَدِرِ الماء في فمك وأدخل الماء بيمينك في أنفك وأخرجه بشمالك ثلاثا كما كانت السنة، ثم عمّم وجهك بالماء من أعلى الجبهة إلى الذقن ومن أذنك اليمنى حتى الأذن اليسرى ثلاثا، ثم اغسل يديك مع المرفقين اليمنى ثم اليسرى ثلاثا ولا تنس غسل المرفقين والتأكد من ذلك، ثم امسح رأسك أقبل بيدك وأدبر، ثم اغسل أذنيك مرة واحدة، ثم اغسل رجلك اليمنى ثم اليسرى مع الكعبين ثلاثا ثم قل: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين

 

ومن فقهيات الوضوء يا عباد الله:

أنه ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً؛ وثبت عنه أيضاً أنه خالف بين أعضائه في عدد الغسلات، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ورجليه مرة.. وهكذا والأمر في ذلك ولله الحمد واسع.

ومن الخطأ الكبير الذي يُخشى على صاحبه من الإثم وربما النار عياذا بالله عدم إسباغ الوضوء والتأكد من وصول الماء إلى ما أمر المسلم بغسله..

قال البخاري: "وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ".

من شدة حرصهم على إيصال الماء إلى كل عضو أمرنا بغسله

 

 

قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو:

رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّؤوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ).

فليتق الله أناس لا يبالون كيف توضؤوا، ولا يهتمون بإسباغ الوضوء كما أمر الله -تعالى-.

هذا فريق المقصِّرين، يقابله فريق الموسوسين في الوضوء، المعذِّبين لأنفسهم، المسرفين في صب الماء، وإهداره بغير حق، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يغتسل غُسلا كاملاً من الجنابة بصاع أي ما يساوي ثلاثة ليترات تقريبا، ويُوضئه المد وهو ستمائة لتر فقط...

انظروا إلى هديه صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس هديا

وكان إمام أهل السنة الأمام أحمد بن حنبل يقول "من فِقْه الرجل قلةُ ولوعه بالماء". وقال تلميذه المروزي: "وضَّأتُ أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل فسترته من الناس؛ لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء، لقلةِ صب الماء، وكان -رحمه الله- يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى".

اللهم ارزقنا اتباع هدي رسولنا واقتفاء سنة حبينا صلى الله عليه وسلم

 

المرفقات

1775492222_الوضوء شطر الإيمان.docx

المشاهدات 158 | التعليقات 0