إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله المتفرِّد بكمال الذات وجميل الصفات، أحمده وأشكره على سوابغِ نِعَمِه المتواتراتِ، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ شهادةً نرجو بها بلوغَ عالي الجنَّات، وأشهدُ أنَّ سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ رسولُه، الهادي إلى سُبُل الخيرات، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه مادامت الأرض والسموات... وبعد:

﴿ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ ﴾ ما أجمل هذه العبارة العظيمة المليئة بالمحبة والحنو والقرب والرأفة والرحمة ﴿ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ ﴾

بعد الأب والأم مباشرة يأتي حق الأخ والأخت، فما على وجه هذه الأرض أحد أحق ببرك ورعايتك وعنايتك -بعد والديك- من أخيك وأختك، ففي الحديث الصحيح عن طارق المحاربي رضي الله عنه أنه قال:

قدِمتُ المدينةَ، فإذا رسولُ اللَّهِ قائمٌ علَى المنبرِ يخطبُ النَّاسَ وَهوَ يقولُ: ( يدُ المعطي العُليا، وابدأ بمن تعولُ : أمَّكَ وأباكَ، فأختَكَ وأخاكَ، ثمَّ أدناكَ أدناكَ )

والأخ هو العون والسعد والساند والساعد، هذا موسى -عليه السلام- يطلب من الله -تعالى- معونة أخيه هارون فيقول: ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) وصدق القائل:

وما المرء إلا بإخوانه *** كما تقبض الكف بالمعصم

                    ولا خير في الكف مقطوعة *** ولا خير في الساعد الأجذم


ألم تسمعوا لقولِه الله : ( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) فبدأَ بالأخِ لأنَّه كانَ في الدُّنيا هو النَّصيرُ والعضيدُ، وهو الرُّكنُ الشَّديدِ، كما منَّ الله على موسى فقال:      )  سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ(                                                                                                                                                                          

لا يضيقُ ولا يغتمُّ من عندَه بعد ربه أخٌ كريمٌ.. ولا يحزنُ ولا يبتئسُ من عندَه أخٌ رحيمٌ  ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ..

انتهى البؤسُ بمجردِ لقائه بأخيهِ.. فهو الذي في الغربةِ بعد الله سيواسيه ويحميه.

الأخُ الذي إذا مدَدتَ إليه يدكَ بخيرٍ مدَّها.. وإن رأى منك حَسنةً عدَّها.. وإن رأى منكَ سيئةً سدَّها..
إذا سألتَه أعطاكَ.. وإن سكتَّ عنه ابْتَدَاكَ.. وإن نزلتَ بك نازلةٌ واساكَ.. أخوكَ الذي إذا قُلتَ صدَّقَ قولَكَ.. وإذا رأى منكَ عورةً نصحَكَ.. وإن تنازعتما في شيءٍ آثركَ.. يكونُ معكَ في النوائبِ.. ويؤثركَ في الرغائبِ..

إنَّ أخاكَ الحقَّ مَن كَانَ مَعَكَ  *** وَمَنْ يَضُرُّ نفسَهُ لِيَنفعَكْ

وَمَنْ إذا رَيبُ الزَّمانِ صَدَعَكَ *** شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمعَكْ

وغالبًا ما يكون قلب الأخت على أخيها كقلب الأم على ولدها، فهذه أخت نبي الله موسى -عليه السلام- تخرج في وسط القتل والذبح وتخترق جنود فرعون وهي تمشي خلف أخيها الرضيع: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ، ثم تتجاسر وتخاطر بنفسها فتدخل قصر فرعون مقترحة حلَّ الأزمة: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)

وإن الأخت وهي الأضعف، لترى في أخيها -بعد ربها ثم أبيها- الركن القوي الشديد الذي تستند عليه، فمع أنه لم تكن للنبي r أخوات من النسب، لكنه كان يحرص على إكرام أخته من الرضاعة؛ فحين أتته الشيماء بنت الحارث أخته r من الرضاعة بسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيَّرها قائلًا: "إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلتُ"، قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله r وردها إلى قومها...

 

ولقد علَّمنا نبينا r أن عناية الأخ بأخته ورعايتها يحمي فاعله من نار جهنم -والعياذ بالله-، فقال: "من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذواتي قرابة يحتسب النفقة عليهما حتى يكفيهما الله ويغنيهما من فضله كانتا له سترًا من النار"(رواه الطبراني في الكبير).

 بل وقد يكون ذلك طريقًا لمرافقته r في الجنة فهو القائل: "من عال ابنتين أو أختين أو ثلاثًا حتى يبن، أو يموت عنهن، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها"(رواه ابن حبان)

وإن وفقت لوصل أقرب الناس إليك فهذه بشارة رسول الله إليك في الحديث المتفق على صحته قال :  "من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه"

اللهم هيء لنا من أمرنا رشدا... ووفقنا لما تحب وترضى ....

 

الخطبة الثانية:

معاشرَ المسلمينَ: الأُخُوَّة نعمة تصان بالرعاية، وتحاط بالعناية، وتُحفَظ عن المُكَدِّرات، وتُحرَس عن المنغِّصات.

فاستعيذوا بالله من إِخْوةٍ بينَهم شحناءُ، وعداوةٌ وبغضاءُ، وغلظةٌ وجفاءُ، قطيعةٌ شنيعةٌ، وفُرقةٌ فظيعةٌ، خيرُهم مصروفٌ للناس، وشرُّهم مجموعٌ للإخوانِ، البعيدُ أنيسُهم، والقريبُ مُوحِشُهم، الوجوهُ بينَهم عابسةٌ، وقلوبُهم فيما بينَهم قاسيةٌ، صدورُهم ضيقةٌ، لَعِبَتْ بهم الأهواءُ، وفرَّقَهم وسخُ الدنيا، وعَبَثَ فيهم الطمعُ، عميت أبصارهم، وصمت آذانهم، فقطَّعوا أرحامَهم، وما عرفوا للأخوة لذة وسعادة ووسوس لهم الشيطان وزين أعمالهم وزرع الغل والحقد وسوء الظن بينهم..

كدّر صفوَ أخوتهم مطامعُ الدنيا: مالٌ، وميراثٌ، وأراضٍ وعَقَارات..

 

كم من إخوة تقاطَعُوا أعوامًا، وربما تَرافَعُوا أمامَ المحاكم تداعيًا وخِصامًا، وإخوة نَهَبُوا حقوقَ إخوانِهم وأخواتِهم ظُلمًا وعُدوانًا، وكم منهم من بَكَوْا دمًا، كما يَبكُوا دموعًا بعدَ فراق إخوانهم متمنينَ لو اصطلحوا قبلَ الفراقِ، وتَراضَوْا قبلَ يوم الحساب...

ومهما يكن يا عبد الله من جفاء وظلم فو الله ما يبلغ ظلمهم وجفاؤهم معشار ما جرى لنبي الله يوسف الذي يقول الله في آخر قصته ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ﴾

ظلموه ثم تآمروا عليه وأرادوا قتله وألقوه في بئر موحشة مقفرة مظلمة في صحراء مهلكة، وأُنقذ ثم اسْترق وهو ابن الأكرمين، وحَرموا والده رؤيته حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم، ثم سجن وعذِّب سبع سنين حتى أعزه الله رب العالمين، وبعد فراق دام أربعين سنة لقي إخوانه، وهم في ذلة وجوع ومهانة وهو في سؤدد وعلو مكانه، فقال لهم في القول الذي تحفظون:

﴿ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *  قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

غالب عداوات الإخوة و ربما الأخوات كلها والله لا تستحق الهجر ولا القطيعة،  كلها دنيا فانية زائلة دنيئة، وما عند الله للمتقين خير وأبقى، وخير الناس من يبدأ إخوانه بالسلام، ومن وصل رحمه وصبر وعفا وصفح فليبشر بموعود الله حين قال رسول الله:
( إنَّ الرَّحِمَ شَجْنةٌ متمسِّكةٌ بالعَرْشِ، تتكلَّم بلسان ذَلْقٍ: يعني لسان فصيح فتقول: اللهم صِلْ مَن وصَلَني، واقطَعْ مَن قطَعَني. فيقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى: أنا الرحمنُ الرحيمُ، وإنِّي شقَقْتُ للرَّحِمِ مِن اسمي، فمَن وصَلَها وصَلتُه، ومَن بتَكَها بتَكتُه يعني من قطعها قطعه الله عياذا بالله.

قطيعة الرحم من كبائر الذنوب ومن العقوبات المعجلة وفي الحديث قال:

( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم )

فاتقوا الله عباد الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا، تجاوزوا عن أخطاء إخوانكم، وأحسنوا فيهم الظن، وابدؤوهم بالوصل والسلام والصفح والعناق الوئام، تكاتبوا وأشهدوا إن خشيتم الفرقة، ولا تظلموا أختاً فتأخذوا حقها بسيف الحياء والله الله في التجاوز عن المسيء فهو والله من أحب الأعمال وأزكاها عند الله...

 

سامِحْ أخاكَ إذا خَلَطْ *** مِنْهُ الإصابةَ والغَلَطْ

وتَجَافَ عن تعنيفهِ *** إن زاغَ يوماً أو قَسَطْ

واعلمْ بأنَّك إِنْ طَلَبْتَ *** مُهَذَّبَاً رُمْتَ الشَّطَطْ

مَنْ ذا الذي ما سَاء قَطْ *** ومَنْ ذا لَه الحُسنى فَقَطْ

 

ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا

 اللهم اسلل سخائم قلوبنا وأصلح اللهم ذات بيننا وانفعنا بما قلنا وبما سمعنا

 

المرفقات

1775492825_إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ.docx

المشاهدات 409 | التعليقات 0