تَنْبِيهَاتٌ وَأَخْطَاءٌ فِي صَلاةِ الْجُمُعَةِ.

أ.د عبدالله الطيار
1447/09/18 - 2026/03/07 10:52AM

 

الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، شَرَعَ لِعِبَادِهِ الْجُمَعَ وَالْجَمَاعَاتِ، وَجَعَلَهَا رِفْعَةً لِلْحَسَنَاتِ وكَفَّارَةً للذُّنُوبِ والسَّيِّئَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْعِظَامِ، جَعَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدَ الأَيَّامِ، واخْتَصَّنَا بِهِ مِنْ بَينِ الأنَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، الملكُ العَلامُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قُدْوَةُ الأَنَامِ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أمَّــا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) الحشر: [18].

أيُّهَا المؤْمِنُونَ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا، جَلِيلُ الْقَدْرِ، عَظِيمُ الشَّأْنِ، ضلَّتْ عنهُ المِلَلُ السَّابِقَةُ، وَهَدَاكُمُ اللهُ إِلَيْهِ، قَالَ ﷺ: (أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَومِ الجُمُعَةِ) أخرجه مسلم (856).

عِبَادَ اللهِ: وَصَلاةُ الْجُمُعَةِ عِبَادَةٌ وَشَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ تَعَالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: [32] وَمِنْ تَعْظِيمِ هَذِه الشَّعِيرَةِ: لُزُومُ السُّنَّةِ فِي أَدَائِهَا، وَالْحَذَرُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الَّتِي تَقَعُ عَنْ جَهْلٍ، أَوْ تَقْصِيرٍ، وَمِنْ أَهَمِّهَا مَا يَلِي:

أَوَّلًا: التَّفْرِيطُ في النَّظَافَةِ وَالتَّطَيُّبِ، وَتَرْكُ الاغْتِسَالِ قَبْلَ الْحُضُورِ لِلْجُمُعَةِ، قَالَ تَعَالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الأعراف: [31] وَقَالَ ﷺ: (: (الغُسْلُ يَومَ الجُمُعَةِ واجِبٌ علَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وأَنْ يَسْتَنَّ، وأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إنْ وجَدَ) أخرجه البخاري (880)، ومسلم (846).

ثَانِيًا: التَّفْرِيطُ في التَّبْكِيرِ لِلصَّلاةِ، وَالْحُضُورُ بَعْدَ الإِمَامِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْحِرْمَانِ، قَالَ ﷺ: (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثمَّ بَكَّرَ وابْتَكرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكبْ وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) أخرجه أبو داود (345) وصححه الألباني.
ثَالِثًا: مَنْ يَأْتُونَ لِلْمَسْجِدِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُونَ، وَهَذَا خَطَأ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ المسْجِدَ وَالإمَامُ يَخطُبُ؛ فَلْيرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَالَ ﷺ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِما) أخرجه البخاري (930) ومسلم (875). ومن جاء والمؤذن يؤذن؛ فليركع ركعتين خفيفتين؛ ليتمكن من استماع الخطبة؛ لأن استماعها واجب، ومتابعة المؤذن سنة.

رَابِعًا: وَمِنَ الأَخْطَاءِ: التَّشْوِيشُ عَلَى المُصَلِّينَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِقُرَاءَةِ اْلُقْرَآِن، وَعَدَمِ إِغْلاقِ الْجَوَّالاتِ، أَوِ اْصِطَحابِ الأَطْفَالِ وَتَرْكِهِمْ يَلْعَبُونَ؛ فَهَذَا سَبَبٌ لِذهَابِ الْخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ. خَامِسًا: وَمِنَ الأَخْطَاءِ تَخَطِّي الرِّقَابِ، وَشَقِّ الصُّفُوفِ، وَإِيذَاءِ الْجُلُوسِ، وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يومَ الجمعةِ والنَّبيُّ ﷺ يخطبُ، فقالَ لَهُ: (اجلس فقد آذيتَ) أخرجه أبو داود (1118) وصححه الألباني.

سَادِسًا: وَمِنَ الأَخْطَاءِ: اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ، أَو اللَّغْوُ أَو تَفَقُّدُ الْجَوَّالِ أَو غَيرُ ذَلِكَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالسَّكِينَةِ ويُنَافِي الْخُشُوعَ، قَالَ ﷺ: (مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا) أخرجه مسلم (857)

وَصَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجمعة: [9].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا أجُوُرًا وَفَضَائِلَ، وَكُنُوزًا وَغَنَائِمَ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ، وَاظْفَرُوا بِالطَّاعَاتِ،  قَالَ ﷺ: (لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ ويَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطاعَ مِن طُهْرٍ ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذا تَكَلَّمَ الإمامُ، إلّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرى) أخرجه البخاري (883). وَاعْلَمُوا -وَفَّقَكُمُ اللهُ- أَنَّ مِنْ غَنَائِمِ يَوْمِكُمْ هَذَا: الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَائِل: (إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ قُبِضَ وفيهِ النَّفخةُ وفيهِ الصَّعقةُ فأكْثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ فإنَّ صلاتَكُم معروضةٌ عليَّ) أخرجه أبو داود (1531) وصححه الألباني. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْه وَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى كُلِّ خَيرٍ، وَاصْرِفْ عَنْهُمَا كُلَّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، واحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لآَبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَارْحَمْهُمْ كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا، اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. 

الجمعة 11/ 8/ 1447هـ

المشاهدات 79 | التعليقات 0