دعاء الفتية 15 شوال 1447هـ

عبدالله حمود الحبيشي
1447/10/14 - 2026/04/02 15:05PM
  دعاء الفتية* 15 شوال 1447هـ
 
الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الَّذي وسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، وأحاطَ علمُهُ بكلِّ شيءٍ، أحمدُهُ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا.
 
  أمّا بعدُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
 
  عباد الله: حين تشتدُّ الأزماتُ، وتضيقُ السبلُ، وتُغلَقُ الأبوابُ، يبقى بابٌ واحدٌ لا يُغلَقُ، إنَّه بابُ السماءِ.

هناك في كهفٍ صغيرٍ، وفي أحداثٍ مرعبةٍ تجلَّت عظمةُ التوكُّلِ وصدقُ الإنابةِ وبراعةُ الدعاءِ وحسنُ التفويضِ، إنَّها قصةُ أولئك الفتيةِ الذين آمنوا بربِّهم فزادَهُم هُدى، وجاء في بعضِ الآثارِ أنَّ هؤلاء الفتيةَ كانوا من أبناءِ الملوكِ والأكابرِ في مدينتِهم، آثروا الدينَ على زُخرفِ الدنيا، واختاروا طريقَ الإيمانِ، ولَمّا خافوا على إيمانِهم من الفتنةِ؛ فروا بدينِهم إلى كهفٍ ضيّقٍ على زينةِ الدنيا واتّساعِها، فكان الكهفُ جُنَّةً من الفتنِ، وملاذًا من الطغيانِ، وميدانًا لإظهارِ قدرةِ اللهِ.  
 
ففي مشهدٍ مهيبٍ من مشاهدِ القرآنِ، قصَّ اللهُ علينا خبرَ هؤلاءِ الفتيةِ إذ أوَوا إلى كهفِهم، فلم يذكر في القصّةِ إحداثيّاتِ المكانِ، ولا سجّلَ أسماءَ الوجوهِ، ولا رسمَ ملامحَ الحادثةِ بالتفصيلِ، لكنَّه أثبتَ جملةً واحدةً كانت هي سرَّ التحوّلِ الأعظمِ في مصيرِهم، هذه الجملةُ هي دعوتُهم الخالدةُ ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ لقد اختصرَ الوحيُ جوهرَ القصّةِ في دعوةٍ، لأنَّ الدعاءَ كان هو المِعْوَلَ الذي حَفرَ مجرى الأحداثِ، والمفتاحَ الذي غيّرَ مسارَ السُّننِ، والحصنَ الذي حفظَ أجسادَهم وأرواحَهم على مدى ثلاثِمئةِ سنةٍ وازدادوا تسعًا..
 
الدعاء ليس هامشًا في دفترِ الحياةِ، بل هو صميمُها، به يُستفتحُ الفجرُ، وبه يُختتمُ الليلُ، وهو الجسرُ الذي ينقلُ العبدَ من ضيقِ الأسبابِ إلى سَعَةِ مسببِها، ومن وهنِ القوى إلى مددِ السماءِ.  
 
نطقتْ قلوبُهم قبلَ ألسنتِهم بهذا الدعاءِ العظيمِ، الذي جمعَ لهم بين خيريِ الدنيا والآخرةِ، بين طلبِ الرحمةِ والهدايةِ والرشد، بين اللجوءِ إلى اللهِ والتسليمِ لأمرِه.  
 
هؤلاء الفتيةُ لَمّا خافوا على دينِهم من الفتنةِ، تركوا الأهلَ والمالَ والجاهَ، واختاروا طريقَ الإيمانِ، ولم يجدوا ملجأً إلّا الكهفَ، لكنَّهم عرفوا أين يكونُ المخرجُ ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ فاستجابَ اللهُ لهذا الدعاءِ العظيمِ، فجعلَ لهم الكهفَ مأوًى، وضربَ على آذانِهم سنينَ عددًا، وحفظَهم من أعينِ الناسِ، وجعلَهم آيةً على قدرتِه، فأصبحوا من فتيةٍ مستضعفينَ إلى آيةٍ عظيمةٍ تُتلى إلى يومِ الدينِ.  
 
من أعظمِ التوفيقِ أن يُلهمَكَ اللهُ الدعوةَ التي أنتَ محتاجٌ إليها، وبها صلاحُ حالِك، ولذا كان من توفيقِ اللهِ لهؤلاءِ الفتيةِ أن ألهمَهم هذه الدعوةَ الجامعةَ؛ فهم كانوا في حالةٍ من انقطاعٍ عن جميعِ الأسبابِ، وفي مكانٍ لا يعلمونَ ما سيصيرُ حالُهم فيه، وفي مضايقَ كثيرةٍ من الخوفِ من قومِهم، والبعدِ عن أهلِهم، والوحشةِ في كهفِهم بلا طعامٍ ولا شرابٍ ولا فِراشٍ ولا لحافٍ، مع كونِهم فتيةً في مقتبلِ أعمارِهم، لم تعركْهم التجاربُ وبلايا الحياةِ ومصاعبُها، وقد خرجوا في عجلةٍ من أمرِهم حتى لم يأخذوا زادًا يكفيهم ولو لبضعةِ أيامٍ، فلجؤوا إلى ربِّهم، وسألوه هذه الدعوةَ الجامعةَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ هذا الدعاءَ الجامعَ، قصيرٌ في مبناه، عظيمٌ في معناه، وكم نحتاجُ هذا الدعاءَ في كل زمانِ ومكان.  
 
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ رحمةٌ من عندِكَ، لا بعملِنا، ولا بأسبابِنا، ولا بزكائِنا أو ذكائِنا، بل بمحضِ فضلٍ منك يا ربّ، نريدُ رحمةً خاصّةً.  
 
كُلُنا بحاجةٍ إلى رحمةٍ من عندِ اللهِ، رحمةٍ تهدي القلوبَ، وتفتحُ أبوابَ الفرجِ، وتخرجُنا من الظلماتِ إلى النورِ، ومن اليأسِ إلى الأملِ.. وهذه الرحمةُ لا يَنالُها إلّا من صدقَ في اللجوءِ إلى اللهِ، وأحسنَ الافتقارَ بين يديه.  
 
رحمةُ الله أوسعُ أبوابِ الخيرِ، فإذا نزلتِ انفرجتِ الكروبُ، واندفعتِ الشرورُ، واطمأنّتِ النفوسُ، وتيسّرتِ السبلُ.. بها يُغفرُ الذنبُ، وينزلُ الأمنُ، ويُرفعُ البلاءُ.. هي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يحتاجُه العبدُ من نصرٍ وتمكينٍ ومغفرةٍ وهدايةٍ وتوفيقٍ وحمايةٍ من الفتنِ وتثبيتٍ على الحقِّ، فلا تزالُ الرحمةُ مع العبدِ حتى يدخلَ بها أعاليَ الجنانِ، وينجوَ بها من النارِ، فهي أعظمُ مطلوبٍ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لنْ يدخُلَ الجنَّةَ أحَدٌ إلَّا برحمةِ اللهِ، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ برحمتِهِ».  
 
نسأل الله أن يرحمنا برحمة منه ويرزقنا الجنة ووالدينا، وجميع المسلمين، أقول قولي..  
 
الخطبة الثانية..
 
  الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سيد المرسلين نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.  
 
أَمَّا بَعْدُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ كمالِ التفويضِ والتسليمِ وغايةِ الافتقارِ، أي نريدُكَ أنتَ يا ربَّنا تتولّى تهيئتَنا، فلم يرسموا خارطةَ الفرجِ لربِّهم، ولم يقترحوا الخياراتِ، بل تفويضٌ تامٌّ لربِّ العالمينَ.  
 
ويدخلُ في هذه الكلمةِ على قِصَرِ حروفِها سؤالُ اللهِ الإعدادَ والتيسيرَ وتولّي الأمرِ كلِّه.. ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ جميعُ أمرِنا في دينِنا ودنيانا، في ثباتِنا وهدايتِنا، في خوفِنا وجوعِنا، وتفاصيلِ قصّتِنا.. فأجابَ اللهُ سؤالَهم بإعدادٍ ربّانيٍّ عجيبٍ، تكاملتْ فيه أسبابُ السمواتِ والأرضِ والشمسِ والزمانِ والمكانِ، حتى مشهدِ الكلبِ وبسطِ يديه.. وأجسادُهم التي أسلموا تهيئتَها لربِّهم هيّأها أعظمَ تهيئةٍ وأكملَها وأنامَها وقلَبَها، وانتظمتْ كلُّها في هيئةٍ ربّانيةٍ لتجيبَ دعوةَ الفتيةِ..  
 
ولَمّا كانت دعوتُهم أن يُهيّئَ لهم، وصفَ اللهُ الهيئةَ وأفاضَ القرآنُ العظيمُ في تفاصيلِها ووصفِها وإحكامِها، ونبّهَ إلى النظرِ إليها ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَّزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.  
 
﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ وبعد أن سألَ الفتيةُ ربَّهم الرحمةَ، سألوه الرشدَ، ويا لهُ من سؤالٍ جليلٍ، يدلُّ على فقهٍ عظيمٍ. فهم بأمسِّ الحاجةِ إلى الرشدِ، لأنَّ الرشدَ هو جماعُ الخيرِ كلِّه، به يُهتدى للقولِ السديدِ والفعلِ الرشيدِ.
 
الرشدُ هو الهدايةُ التامّةُ، وإصابةُ وجهِ الحقيقةِ.   الرشدُ هو السدادُ، وحُسنُ التصرّفِ.  
 
وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكثِرُ من سؤالِ اللهِ الرشدَ، فكانَ من دعائِه «اللَّهُمَّ إنّي أسألكَ الثَّباتَ في الأمرِ والعزيمةَ على الرُّشدِ»   هذا هو دعاء الفتية وهو دعاء كل مسلمٍ يريد الخير لنفسه ويريد الهداية والرشاد، فأكثِروا من هذا الدعاءِ واحرصوا عليه.  
 
نسأل الله أن يهب لنا من لدنه رحمة ويهيئ لنا من أمرنا رشدا  
 
 
*مأخوذة من خطبة للشيخ د طلال بن فواز الحسان بعنوان رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا رابط خطبة الشيخ https://khutabaa.net/ar/discussions/%D8%B1%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D8%A2%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D9%84%D8%AF%D9%86%D9%83-%D8%B1%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A%D8%A6-%D9%84%D9%86%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D8%B1%D8%B4%D8%AF%D8%A7
المرفقات

1775131495_دعاء الفتية.docx

1775131495_دعاء الفتية.pdf

المشاهدات 569 | التعليقات 0