ظَاهِرَةُ التَّفَكُّكِ الأُسْرِيِّ
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
1447/11/13 - 2026/04/30 23:02PM
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ
ظَاهِرَةُ التَّفَكُّكِ الأُسْرِيِّ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ البُيُوتَ سَكَنًا، وَجَعَلَ الأُسْرَةَ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، وَجَعَلَ القُرْبَى حَقًّا، وَالبِرَّ بِالوَالِدَيْنِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ النَّاسِ لِأَهْلِهِ، وَأَرْحَمُهُمْ بِبَيْتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَبِالتَّقْوَى تُصْلَحُ القُلُوبُ، وَتُعْمَرُ البُيُوتُ، وَتَبْقَى الأُسْرَةُ سَكَنًا لَا سَاحَةَ صِرَاعٍ.
عِبَادَ اللهِ:
الأُسْرَةُ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الأُسْرَةُ؟
هِيَ أَوَّلُ وَطَنٍ.
وَأَقْرَبُ مَأْوًى.
وَأَصْدَقُ مَلْجَأٍ.
وَأَعْظَمُ ذُخْرٍ بَعْدَ اللهِ.
وَلَكِنَّ السُّؤَالَ المُؤْلِمَ:
مَاذَا أَصَابَ بُيُوتَنَا؟
مَا سِرُّ ذَهَابِ السَّكِينَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ البُيُوتِ؟
أَيُعْقَلُ أَنْ يَسْكُنَ أَهْلُ البَيْتِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ قُلُوبِهِمْ مَسَافَاتٌ شَاسِعَةٌ؟
أَيُعْقَلُ أَنْ تَجْمَعَهُمُ الجُدْرَانُ، وَتُفَرِّقَهُمُ القُلُوبُ؟
أَيُعْقَلُ أَنْ يَجْلِسَ الأَبُ وَالأُمُّ وَالأَبْنَاءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي عَالَمٍ آخَرَ؟
هَذَا مَعَ هَاتِفِهِ.
وَهَذَا مَعَ شَاشَتِهِ.
وَهَذَا مَعَ صَمْتِهِ.
وَهَذَا مَعَ هَمِّهِ.
اجْتَمَعَتِ الأَجْسَادُ، وَتَفَرَّقَتِ القُلُوبُ.
قَرُبَتِ المَقَاعِدُ، وَبَعُدَتِ المَشَاعِرُ.
هَذَا هُوَ التَّفَكُّكُ الأُسْرِيُّ.
لَيْسَ التَّفَكُّكُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فَقَطْ.
وَلَيْسَ التَّفَكُّكُ أَنْ يَغِيبَ أَحَدُ الوَالِدَيْنِ فَقَطْ.
بَلْ مِنْ أَخْطَرِ التَّفَكُّكِ:
أَنْ تَكُونَ الأُسْرَةُ مَوْجُودَةً فِي الصُّورَةِ، مَفْقُودَةً فِي المَعْنَى.
بَيْتٌ وَاحِدٌ.
وَطَعَامٌ وَاحِدٌ.
وَنَسَبٌ وَاحِدٌ.
لَكِنْ لَا حِوَارَ.
لَا رَحْمَةَ.
لَا سُؤَالَ.
لَا احْتِوَاءَ.
لَا صَبْرَ.
لَا عَفْوَ.
لَا صِلَةَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
تَأَمَّلُوا قَوْلَهُ:
﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
لَيْسَ السَّكَنُ جُدْرَانًا.
وَلَيْسَ السَّكَنُ أَثَاثًا.
السَّكَنُ طُمَأْنِينَةٌ.
السَّكَنُ أُنْسٌ.
السَّكَنُ قَلْبٌ يَجِدُ قَلْبًا.
زَوْجٌ يَرْحَمُ.
وَزَوْجَةٌ تُعِينُ.
وَأَبٌ يَحْتَوِي.
وَأُمٌّ تُدَاوِي.
وَأَخٌ يَسْنُدُ.
وَأُخْتٌ تُوَاسِي.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
لَقَدْ دَبَّ فِي بَعْضِ البُيُوتِ دَاءُ الأَنَانِيَّةِ.
كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: أَنَا.
مَصْلَحَتِي.
رَاحَتِي.
وَقْتِي.
مِزَاجِي.
وَلَا يَسْأَلُ: مَاذَا تَحْتَاجُ أُمِّي؟
مَا الَّذِي يُتْعِبُ أَبِي؟
مَا وَجَعُ أَخِي؟
مَا الَّذِي كَسَرَ قَلْبَ أُخْتِي؟
مَا حَاجَةُ زَوْجَتِي؟
مَا خَوْفُ ابْنِي؟
مَا الَّذِي يَنْقُصُ ابْنَتِي؟
وَهَذِهِ لَيْسَتْ رُوحَ الإِسْلَامِ.
الإِسْلَامُ دِينُ الرَّحْمَةِ.
دِينُ الصِّلَةِ.
دِينُ البِرِّ.
دِينُ الإِحْسَانِ.
قَالَ اللهُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ».
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ لِلتَّفَكُّكِ الأُسْرِيِّ صُوَرًا كَثِيرَةً:
مِنْهَا عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ.
وَمِنْهَا قَطِيعَةُ الرَّحِمِ.
وَمِنْهَا إِهْمَالُ الأَبْنَاءِ.
وَمِنْهَا سُوءُ العِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وَمِنْهَا الغِيَابُ العَاطِفِيُّ دَاخِلَ البَيْتِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَحَوَّلَ البَيْتُ إِلَى فُنْدُقٍ:
دُخُولٌ وَخُرُوجٌ،
وَأَكْلٌ وَنَوْمٌ،
وَلَا رُوحَ،
وَلَا رِسَالَةَ،
وَلَا تَرْبِيَةَ.
وَمِنْ أَخْطَرِ صُوَرِهِ:
أَنْ يَكْبَرَ الأَبُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ غَرِيبًا.
وَأَنْ تَكْبَرَ الأُمُّ وَهِيَ تَنْتَظِرُ سُؤَالًا لَا يَأْتِي.
وَأَنْ يَمْرَضَ أَحَدُ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ فَلَا يَجِدَ إِلَّا رَسَائِلَ بَارِدَةً.
وَأَنْ يَحْزَنَ الأَخُ فَلَا يَجِدَ أَخَاهُ.
وَأَنْ تَحْتَاجَ الأُخْتُ فَلَا تَجِدَ مِنْ أَهْلِهَا سَنَدًا.
عِبَادَ اللهِ:
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ حَقِّ الوَالِدَيْنِ؟
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ بِرِّهِمَا؟
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ دَمْعَةِ أُمٍّ تَنْتَظِرُ وَلَدَهَا؟
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ أَبٍ أَفْنَى عُمْرَهُ ثُمَّ كَافَأْنَاهُ بِالجَفَاءِ؟
كَمْ أَبٍ يَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ:
غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَعُلْتُكَ يَافِعًا
تَعُلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ
إِذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ
لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالغَايَةَ الَّتِي
إِلَيْهَا مَدَى مَا كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً
كَأَنَّكَ أَنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي
فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المُجَاوِرُ يَفْعَلُ
يَا اللهُ!
أُمٌّ حَمَلَتْ.
وَأَرْضَعَتْ.
وَسَهِرَتْ.
وَخَافَتْ.
وَدَعَتْ.
ثُمَّ إِذَا كَبِرَتْ نُسِيَتْ.
وَأَبٌ تَعِبَ.
وَأَنْفَقَ.
وَحَمَلَ الهَمَّ.
وَكَتَمَ الأَلَمَ.
ثُمَّ إِذَا ضَعُفَ ثَقُلَ عَلَى أَبْنَائِهِ.
أَيُّ تَفَكُّكٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟
وَأَيُّ قَسْوَةٍ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ؟
وَأَيُّ بَيْتٍ تُرْجَى مِنْهُ السَّكِينَةُ إِذَا ضَاعَ فِيهِ حَقُّ الوَالِدَيْنِ؟
أَيُّهَا الأَبْنَاءُ:
لَا تَنْتَظِرُوا مَوْتَ آبَائِكُمْ لِتَبْكُوا.
لَا تَنْتَظِرُوا فَقْدَ أُمَّهَاتِكُمْ لِتَنْدَمُوا.
لَا تَنْتَظِرُوا القَبْرَ لِيَجْمَعَكُمْ.
فَمُؤْلِمٌ أَنْ تَجْتَمِعَ الأُسْرَةُ عَلَى قَبْرِ أَحَدِهَا،
بَعْدَ أَنْ عَجَزَتْ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمُؤْلِمٌ أَنْ تَلِينَ القُلُوبُ فِي العَزَاءِ،
وَقَدْ قَسَتْ فِي الحَيَاةِ.
وَمُؤْلِمٌ أَنْ نَقُولَ بَعْدَ الفَقْدِ: لَيْتَنَا…
وَلَيْسَتْ «لَيْتَنَا» تُعِيدُ غَائِبًا، وَلَا تُحْيِي مَيِّتًا.
عِبَادَ اللهِ:
وَمِنَ التَّفَكُّكِ الأُسْرِيِّ قَطِيعَةُ الأَرْحَامِ.
أَخٌ لَا يَزُورُ أَخَاهُ.
أُخْتٌ لَا تُسْأَلُ.
عَمٌّ لَا يُعْرَفُ.
خَالٌ لَا يُوصَلُ.
خِلَافٌ صَغِيرٌ يَكْبَرُ.
كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ تَتَحَوَّلُ إِلَى هَجْرٍ.
مَوْقِفٌ قَدِيمٌ يَدْفِنُ المَحَبَّةَ سَنَوَاتٍ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ».
أَيْ: قَاطِعُ رَحِمٍ.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
فَصِلَةُ الرَّحِمِ لَيْسَتْ تَرَفًا اجْتِمَاعِيًّا.
بَلْ عِبَادَةٌ.
وَقُرْبَةٌ.
وَسَبَبُ بَرَكَةٍ.
وَدَلِيلُ إِيمَانٍ.
وَحَارِسٌ مِنَ التَّفَكُّكِ.
عِبَادَ اللهِ:
وَمِنْ جَمَالِ الأُسْرَةِ، وَمِنْ دَلَائِلِ تَمَاسُكِهَا، وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ المَوَدَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا: الاِحْتِرَامُ.
نَعَمْ… الاِحْتِرَامُ.
اِحْتِرَامُ الصَّغِيرِ لِلكَبِيرِ.
وَتَوْقِيرُ الأَخِ لِأَخِيهِ الأَكْبَرِ.
وَمَعْرِفَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مَقَامَ الآخَرِ.
مَا أَجْمَلَ أَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الأُسَرِ:
لَا يَسْبِقُ الأَخُ أَخَاهُ الأَكْبَرَ.
وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي الكَلَامِ.
وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِ.
بَلْ تَرَى الصَّغِيرَ يَقُومُ لِلكَبِيرِ،
وَيُقَبِّلُ رَأْسَهُ،
وَرُبَّمَا قَبَّلَ يَدَهُ،
لَا لِأَنَّهُ وَالِدُهُ، بَلْ لِأَنَّهُ أَخُوهُ…
وَلَكِنَّهُ يَعْرِفُ لَهُ قَدْرَهُ.
هَذِهِ صُورَةٌ جَمِيلَةٌ،
وَهَذَا خُلُقٌ رَفِيعٌ،
وَهَذِهِ تَرْبِيَةٌ عَظِيمَةٌ،
تُرَبِّي فِي القُلُوبِ التَّوَاضُعَ، وَتُزْهِرُ فِيهَا المَحَبَّةَ، وَتَزْرَعُ فِيهَا الهَيْبَةَ بِغَيْرِ قَسْوَةٍ.
وَمِنَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ:
فَإِنَّنَا نَرَى نَمَاذِجَ جَمِيلَةً فِي بِلَادِنَا – وَلِلَّهِ الحَمْدُ – مِنْ تَوْقِيرِ الصَّغِيرِ لِلكَبِيرِ، وَاحْتِرَامِهِ لَهُ، وَتَقْبِيلِ رَأْسِهِ وَيَدِهِ،
وَنَرَى ذَلِكَ فِي أُسَرٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْهَا مَا نُشَاهِدُهُ فِي تَرْبِيَةِ مُؤَسِّسِ هَذِهِ البِلَادِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ، فَأَنْتَ تُشَاهِدُ بَيْنَ أَبْنَائِهِ وَأَبْنَائِهِمْ تِلْكَ الصُّوَرَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَوْقِيرِ الكَبِيرِ، وَحُسْنِ الأَدَبِ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ فِي تَقْدِيمِ الأَكْبَرِ فَالأَكْبَرِ..
فَالِاحْتِرَامُ وَتَوْقِيرُ الكَبِيرِ وَالرَّحْمَةُ بِالصَّغِيرِ مِنْ خَيْرِ مَا يَحْفَظُ بُيُوتَنَا مِنَ التَّفَكُّكِ،
وَيَزْرَعُ فِيهَا المَحَبَّةَ وَالوِئَامَ.
فَاحْفَظُوا هَذِهِ القِيَمَ فِي بُيُوتِكُمْ،
وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَيْهَا،
فَإِنَّ الأُسْرَةَ لَا تَقُومُ بِالحُبِّ فَقَطْ…
بَلْ تَقُومُ بِالحُبِّ وَالاِحْتِرَامِ مَعًا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ أُسَرَنَا مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّفَكُّكِ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا الأُلْفَةَ وَالمَحَبَّةَ وَالِاسْتِقْرَارَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ إِصْلَاحَ الأُسْرَةِ إِصْلَاحٌ لِلمُجْتَمَعِ، وَأَنَّ فَسَادَ الأُسْرَةِ بِدَايَةُ فَسَادٍ طَوِيلٍ.
إِذَا تَفَكَّكَتِ الأُسْرَةُ، ضَاعَ الطِّفْلُ.
وَإِذَا ضَاعَ الطِّفْلُ، اضْطَرَبَ المُجْتَمَعُ.
وَإِذَا غَابَتِ الرَّحْمَةُ مِنَ البَيْتِ، حَضَرَتِ القَسْوَةُ فِي الشَّارِعِ.
وَإِذَا غَابَتِ التَّرْبِيَةُ، حَضَرَتِ الاِنْحِرَافَاتُ.
وَإِذَا انْكَسَرَ الأَبْنَاءُ فِي بُيُوتِهِمْ، بَحَثُوا عَنِ الجَبْرِ فِي أَمَاكِنَ لَا تَرْحَمُهُمْ.
التَّفَكُّكُ الأُسْرِيُّ لَيْسَ خِلَافًا عَابِرًا.
إِنَّهُ شَرَارَةٌ.
قَدْ تُحْرِقُ السَّكِينَةَ.
وَتُؤْذِي الأَبْنَاءَ.
وَتَكْسِرُ الأُمَّهَاتِ.
وَتُضْعِفُ الآبَاءَ.
وَتُمَزِّقُ الأَرْحَامَ.
وَتُورِثُ القَلَقَ وَالِاكْتِئَابَ وَالِانْحِرَافَ وَالجَفَاءَ.
وَمِنْ أَخْطَرِ آثَارِهِ: الطَّلَاقُ.
وَالطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَ الحَاجَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لُعْبَةً، وَلَا نُزْهَةً، وَلَا كَلِمَةً تُقَالُ عِنْدَ الغَضَبِ.
كَمْ مِنْ بَيْتٍ تَهَدَّمَ بِكَلِمَةٍ!
وَكَمْ مِنْ أَبْنَاءٍ تَشَتَّتُوا بِسَاعَةِ غَضَبٍ!
وَكَمْ مِنْ زَوْجَيْنِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا العِنَادُ، لَا عَدَمُ الحُبِّ!
وَكَمْ مِنْ أُسْرَةٍ ضَاعَتْ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ أَصَرَّ أَنْ يَنْتَصِرَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَحْفَظَ بَيْتَهُ!
وَلِذَلِكَ كَانَ الشَّيْطَانُ حَرِيصًا عَلَى تَفْكِيكِ الأُسْرَةِ.
حَرِيصًا عَلَى الفُرْقَةِ.
حَرِيصًا عَلَى الطَّلَاقِ.
حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ كَلِمَةً تَهْدِمُ، وَأَنْ تَقُولَ الزَّوْجَةُ كَلِمَةً تُشْعِلُ، وَأَنْ يَدْخُلَ العِنَادُ بَيْنَهُمَا، فَيَخْرُجَ السَّكَنُ مِنْ بَيْتِهِمَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ».
سُبْحَانَ اللهِ!
مَا أَخْطَرَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ!
حَتَّى صَارَ مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ عِنْدَهُ.
لِمَاذَا؟
لِأَنَّ بِفَسَادِ الزَّوْجَيْنِ يَفْسُدُ البَيْتُ.
وَبِفَسَادِ البَيْتِ يَتَأَثَّرُ الأَبْنَاءُ.
وَبِتَأَثُّرِ الأَبْنَاءِ يَضْعُفُ المُجْتَمَعُ.
فَالشَّيْطَانُ لَا يُرِيدُ مُجَرَّدَ خِلَافٍ، بَلْ يُرِيدُ بَيْتًا مَهْدُومًا، وَقُلُوبًا مَكْسُورَةً، وَأَبْنَاءً مُشَتَّتِينَ.
فَاحْذَرُوا يَا عِبَادَ اللهِ.
احْذَرُوا كَلِمَةَ الغَضَبِ.
احْذَرُوا تَضْخِيمَ الزَّلَّةِ.
احْذَرُوا دُخُولَ الأَطْرَافِ المُفْسِدَةِ.
احْذَرُوا نَقْلَ الكَلَامِ.
احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا لِلشَّيْطَانِ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
العِلَاجُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا.
لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ صِدْقًا.
يَحْتَاجُ رُجُوعًا إِلَى اللهِ.
يَحْتَاجُ أَنْ نَتَنَازَلَ قَلِيلًا.
أَنْ نَرْحَمَ كَثِيرًا.
أَنْ نَصِلَ مَنْ قَطَعَنَا.
أَنْ نَسْأَلَ عَمَّنْ غَابَ.
أَنْ نُطْفِئَ الجَوَّالَاتِ سَاعَةً، وَنَفْتَحَ القُلُوبَ.
أَنْ نَجْلِسَ مَجْلِسًا عَائِلِيًّا صَادِقًا.
أَنْ نَقُولَ: أَخْطَأْتُ.
أَنْ نَقُولَ: سَامِحْنِي.
أَنْ نَقُولَ: أَنْتَ غَالٍ عِنْدِي.
أَنْ نَقُولَ لِلأُمِّ: تَعَبُكِ لَا يُنْسَى.
وَلِلأَبِ: فَضْلُكَ عَلَى رُؤُوسِنَا.
وَلِلأَخِ: أَنْتَ سَنَدِي.
وَلِلأُخْتِ: أَنْتِ قَرِيبَةٌ مِنَ القَلْبِ.
ابْدَؤُوا مِنَ اليَوْمِ.
صِلْ وَالِدَيْكَ إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ.
قَبِّلْ رَأْسَهُمَا.
وَإِنْ كُنْتَ فَقَدْتَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا،
فَلَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِالدُّعَاءِ لَهُمَا.
رَاسِلْ أَخَاكَ.
اسْأَلْ عَنْ أُخْتِكَ.
زُرْ رَحِمَكَ.
اجْمَعْ أَبْنَاءَكَ.
أَصْلِحْ.
كُنْ مِفْتَاحَ خَيْرٍ فِي أُسْرَتِكَ.
لَا تَكُنْ مِعْوَلَ هَدْمٍ.
لَا تَنْقُلِ الكَلَامَ.
لَا تُشْعِلِ الخِلَافَ.
لَا تَفْرَحْ بِالقَطِيعَةِ.
لَا تَجْعَلِ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ لِسَانِكَ إِلَى بَيْتِكَ.
تَذَكَّرُوا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
فَيَا أَيُّهَا الأَبُ: أَنْتَ رَاعٍ.
وَيَا أَيَّتُهَا الأُمُّ: أَنْتِ رَاعِيَةٌ.
وَيَا أَيُّهَا الاِبْنُ: بِرُّكَ مَسْؤُولِيَّةٌ.
وَرَحْمَتُكَ بِوَالِدَيْكَ عِبَادَةٌ.
وَيَا أَيُّهَا الأَخُ: أَخُوكَ لَيْسَ غَرِيبًا.
وَأَهْلُكَ لَيْسُوا أَرْقَامًا فِي الهَاتِفِ فَقَطْ.
بَلْ قُلُوبٌ تَنْتَظِرُ سُؤَالَكَ، وَتَفْرَحُ بِقُرْبِكَ.
فَلَا تَجْعَلْهُمْ فِي القَائِمَةِ… وَتَنْسَاهُمْ فِي الحَيَاةِ.
صِلْهُمْ قَبْلَ الفَقْدِ،
وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ: لَيْتَنِي.
عِبَادَ اللهِ:
وَإِنَّ أَعْظَمَ مَنْ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَضَرَبَ لِلأُمَّةِ أَرْوَعَ مَثَلٍ فِي حُسْنِ العِشْرَةِ، وَالرِّفْقِ بِالأَهْلِ، وَإِكْرَامِ البَنَاتِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ؛ هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
كَانَ ﷺ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ؛ تَكْرِيمًا لَهَا، وَرَحْمَةً بِهَا، وَتَعْلِيمًا لِلأُمَّةِ أَنَّ البَيْتَ يُبْنَى بِالحُبِّ وَالتَّقْدِيرِ، لَا بِالجَفَاءِ وَالتَّقْصِيرِ.
فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ رَحْمَةً، وَمَعَ أَهْلِهِ مَوَدَّةً، وَلِرَحِمِهِ وَاصِلًا، وَلِأُمَّتِهِ نَاصِحًا؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بُيُوتَنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا بُيُوتَ إِيمَانٍ وَسَكِينَةٍ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَامِرَةً بِالمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ.
اللَّهُمَّ اهْدِ الأَبْنَاءَ وَالبَنَاتِ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ عَاقًّا فَاهْدِهِ لِلْبِرِّ.
وَمَنْ كَانَ قَاطِعًا فَاهْدِهِ لِلصِّلَةِ.
وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ فَأَبْدِلْهَا رَحْمَةً.
وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ خِلَافٌ فَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا نَعْرِفُ قِيمَةَ أَهْلِنَا بَعْدَ فَقْدِهِمْ فَقَطْ، بَلِ اجْعَلْنَا نَعْرِفُهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا بِرَّ وَالِدِينَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.
اللَّهُمَّ اجْمَعْ شَمْلَ الأُسَرِ المُتَفَرِّقَةِ.
اللَّهُمَّ دَاوِ البُيُوتَ المَجْرُوحَةَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ خَيْرٍ، مَغَالِيقَ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، وَأَدِمْ عَلَيْنَا الأَمْنَ وَالإِيمَانَ، وَالسَّلَامَةَ وَالإِسْلَامَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المرفقات
1777612768_ظَاهِرَةُ التَّفَكُّكِ الأُسْرِيِّ.pdf