فيوض المنان.. في غرر رمضان

الشيخ محمد الوجيه
1447/09/03 - 2026/02/20 02:07AM
الخطبة الأولى
 
 الحمد لله الذي جعل الصيام جُنة، ورفع قدر الصائمين وأعلى لهم المنة، أحمده سبحانه جعل العمل الصالح وسيلة للقربات، وضاعف الأجور والدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرّد بالبقاء والقهر، وخصّ الصيام بعظيم الأجر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى والإيمان، وسلم تسليماً كثيراً.
 
 
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل 
 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، 
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
 
أما بعد: أيها المؤمنون:
فاتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في أوانٍ شريف، وزمانٍ منيف، تجارةُ الأرباح فيه قائمة، وسوقُ الآخرة فيه عاصمة. واعلموا -رحمكم الله- أن الله قد جعل لكل عملٍ حساباً ومعياراً، إلا الصيام، فقد أخفاه لنفسه إجلالاً وإكباراً.
 
​روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ".
​تأملوا -يا رعاكم الله- هذا الاستثناء العظيم! فبينما تقف الأجور عند حدود السبعمائة ضعف، ينطلق أجر الصائم إلى فضاء كرم الله الذي لا يحده حد، ولا يحصره عد.
 
 وإنما نال الصوم هذه المزية لأنه عبادة "السر" التي لا يطلع عليها إلا الرقيب، ولأنه مدرسة "الصبر" التي قال الله في أهلها: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ).
 
​عباد الله:
لقد كان سلفكم الصالح يدركون أن هذا التشريف الإلهي للصوم يقتضي منهم أدباً رفيعاً، فصانوا صيامهم عن اللغو والرفث، وعمروه بالذكر والقرآن. 
 
فإذا كان الله قد قال: "فإنه لي"، فاجعلوا صيامكم خالصاً لوجهه، مطهراً من حظوظ النفس والرياء. اجعلوا صيامكم صيام جوارحٍ عن الآثام، لا مجرد إمساكٍ عن الطعام.
أيها المؤمنون:
إن قوله سبحانه في الحديث القدسي: "يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" هو ميزان الإخلاص. فالمؤمن يترك محبوباته الطبيعية من أجل محبوبه الأعلى سبحانه، وفي ذلك تربية للنفس على الانقياد لأمر الله في كل شأن.
 
​واعلموا أن للصائم عطايا عاجلة قبل الآجلة، فقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ". فأما فرحة فطره فبتمام النعمة والقدرة على الطاعة، وأما فرحة لقاء ربه فبما يراه من جزاء "إلا الصوم" الذي خبأه الله له في يومٍ يفتقر فيه العبد إلى مثقال ذرة من حسنة.
 
​فيا حسرة المفرطين الذين ضيعوا نهارهم في الغفلة ولياليهم في المعصية! ويا سعادة المخبتين الذين عرفوا قدر الشهر، فصامت قلوبهم عن الغل، وألسنتهم عن الزلل، وأيديهم عن الخلل.
 
اقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه الغفور الرحيم. 
 
الخطبة الثانية:
 
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
 
​أما بعد: عباد الله : ها نحن في بواكير هذا الشهر العظيم، في أيامه الغُرّ ولياليه الزهر، والقلوب لا تزال غضة طرية ببرد الطاعة. اعلموا -رعاكم الله- أن الخسارة الكبرى ليست فيمن أدركه الموت قبل رمضان، بل فيمن أدركه رمضان وهو حيٌّ ثم لم يُغفر له!
 
​إننا اليوم في أول المضمار، والهمم في ذروتها، فإياكم وفتور البدايات؛ فإن العبرة ليست بمن انطلق، بل بمن ثبت واستقام. لا تقل 'رمضان في أوله والوقت متسع'، فوالله ما هي إلا غفوة غافل حتى يُقال 'رمضان قد شدّ رحاله'. استقبلوا أيامكم هذه بدمعة تائب، وعزمة صادق، واجعلوا من بيوتكم محاريب للذكر، ومن خلواتكم مناجاة للغفور الشكور.
 
يا عباد الله، إن رمضان هو شهر القرآن قبل أن يكون شهر الصيام، وإن قلباً لا يرتوي من آيات الله في هذه الأيام هو قلبٌ أضاع ربيعه. انظروا إلى حال سلفكم الصالح؛ كيف كانت المصاحف أنيس خلواتهم، ونور ليلهم، وحياة نهارهم. كانوا إذا دخل رمضان أقبلوا على القرآن كإقبال العطشان على الماء الزلال، يرتلون آياته، ويتدبرون وعيده ووعده، حتى تخضلَّ لحاهم بالدموع.
 
​فيا باغي الجنان، اجعل لمصحفك في صدر يومك النصيب الأوفر، ولا تجعله مهجوراً يعلوه الغبار بينما تغرق في لغو الحديث. إن الحرف بعشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء، والصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول القرآن: 'منعتُه النوم بالليل فشفعني فيه'.
​فأروا الله من أنفسكم خيراً في تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته، ولا يطيب رمضان إلا بالعيش في ظلال كلامه سبحانه. استفتحوا شهركم بختماتٍ ترفع درجاتكم، وتجلي صدأ قلوبكم، وتكون لكم نوراً في القبور وضياءً يوم النشور."
 
يا عبد الله، إن الله قد اختارك من بين الملايين لتشهد هذه اللحظات، فماذا أعددت لربك في أول ضيافته؟ اجعل لسانك رطباً بذكر الله، وعينك باكية من خشية الله، ووقتك عزيزاً لا يسرقه لهوٌ ولا لغو. إنها 'أيامٌ معدودات'؛ فاجعلها في ميزانك 'أجوراً مضاعفات'، وسابق قبل أن يُغلق الباب، وبادر قبل أن يفوت الأوان، فالسعيد من تعرّض لنفحات ربه في أول أوانها، والشقي من حُرم خيرها وبركتها." 
 
اللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان، ولك الحمد أن جعلتنا من أهل الصيام والقيام. اللهم كما بلغتنا أوله، فبلغنا تمامه، وأعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
​اللهم اجعلنا فيه من المقبولين، ولا تجعلنا من المحرومين. اللهم يا حي يا قيوم، ارزقنا في هذا الشهر صدق الإقبال عليك، وحلاوة المناجاة بين يديك. اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.
 
​اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم اجعلنا ممن يقال لهم يوم القيامة: (اقرأ وارقَ ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا).
​اللهم سلمنا لرمضان وسلّمه لنا، وتسلمه منا متقبلاً. اللهم لا تخرجنا من هذا الشهر إلا وقد غفرت ذنوبنا، وسترت عيوبنا، وأصلحت أحوالنا، وكتبتنا من عتقائك من النار، وآباءنا وأمهاتنا وجميع المسلمين.
 
​اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وانصر جنودنا المرابطين، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه.
​(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان... وأقم الصلاة."
 
 
المرفقات

1771542460_DOC-20260220-WA0019..pdf

1771542471_فيوض المنان^. في غرر رمضان.docx

المشاهدات 167 | التعليقات 0