لسان الصدق، وأثره الباقي بين الناس
د أحمد بن حمد البوعلي
لسان الصدق، وأثره الباقي بين الناس
خطبة الجمعة: 20 / 3 / 1447 هـ جامع الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني حي المزروع د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله العظيم في ملكه، الحكيم في أمره، الذي جعل للإنسانحياتين، حياةً يعيشها بين الناس، وحياةً أخرى تظل ذكرا خالدا بعدموته. نحمده سبحانه على ما أولانا من نعمه، ونشهد أن لا إله إلا هووحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي رفعه اللهذكرا، وجعل له لسان صدق في العالمين.
أما بعد:
أيها المؤمنون، إن أعمار الناس قصيرة، وسنواتهم تمضي، والدنيا لاتبقي على أحد، غير أن الله بلطفه وعدله ورحمته جعل للعبد بابا ثالثامن الحياة، يبقى فيه ذكره، وتجري به حسناته، ويسطع به أثره وإنواراه التراب. ذلك هو الذكر الحسن ولسان الصدق، نعمة رفيعة، لاينالها إلا أصحاب الأعمال الصادقة، والقلوب المخلصة، والنفوسالعاملة بما يرضي الله.
ولسان الصدق ليس كلمة تقال، ولا مدحا يُلقى، بل هو أثر عظيميتفضل الله به على عباده الصالحين، فيجعل لهم محبة بين الناس،وثناء حسنا يتردد في الألسنة جيلا بعد جيل، وثقة وذكرا لا يُشترىبمال، ولا يُنال بحيلة، ولا يُكتسب بسمعة مصطنعة.
عباد الله، من طبيعة الإنسان أنه يحب الذكر الحسن، ويميل إلى المدحوالثناء، مع أنه مخلوق فقير، لم يكن شيئا مذكورا، كما قال الله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} (الإنسان: 1).
والكلمة الطيبة تبقى في النفس حلاوة، كما أن الكلمة السيئة تتركمرارة لا تنسى، ولا يكاد أحد من الناس يستغني عن الثناء، ولو بقي لهفي الدنيا يوم واحد لتمنى فيه كلمة تسعد قلبه.
يقول الله تعالى عن دعاء الخليل عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍفِي الآخِرِينَ} الشعراء 84. قال المفسرون: أي ثناء حسنا يبقى فيالأمم إلى يوم القيامة.
قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًامُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: 67)،
وقال عز وجل: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّوَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 68).
ومن أعظم الدلائل على رفعة مقامه أن ذكره يقترن بذكر نبينا صلى اللهعليه وسلم في الصلاة على النبي، وفي أعلى المقامات والمنابر.
وقد جعل الله للخليل وذريته لسان صدق، فقال تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِيالآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الصافات: 108-110).
والذكر الجميل للخليل وذريته هو من الحسنات التي أثابهم الله بها فيالدنيا، كما قال سبحانه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَالصَّالِحِينَ} (العنكبوت: 27).
ولم يسأل إبراهيم عليه السلام ذكرا ممتدا لمال أو جاه أو سلطان،وإنما سأله بدين الله، وإخلاص العبادة، وإقامة التوحيد. ولهذا أمر اللهنبيه باتباع ملة إبراهيم فقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَحَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل: 123).
وقد أفاض الله على ذريته من بعده الثناء الحسن، كما قال عز وجل:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّاأَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَالْأَخْيَارِ} (ص: 45-47).
فهذا يدل على أن بقاء الذكر الحسن عطية ربانية لا تنال إلا بطاعةالله، فجعل الله ذكره باقيا في الأمم، وهو دليل على أن الثناء الحسنثمرة صلاح واصطفاء.
وقال أيضا في القبول العام وأنه علامة رضاه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} مريم 96. فالقبول بين الناسليس صدفة، بل علامة على صلاح السريرة.
عباد الله: وقد بالغ بعض الشعراء في مدح الناس طلبا للأعطياتوالتقرب إلى أصحاب الجاه، حتى وضعوا منازل للناس بالكذب،ورفعوا أقواما بغير حقيقة، وربما خلعوا على البشر صفات لا تليق إلابرب العالمين. وكثير مما يمدح به الناس يندثر باندثار أهله لأنه بلاصدق ولا عمل.
أما الذكر الحسن الذي يبقى، فهو ما كان مبنيا على صدق العمل،وإخلاص النية، وبذل الخير، ولهذا سأل الخليل عليه السلام ربه بقلبمخلص فقال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} (الشعراء: 84).
ومن كمال هذه النعمة أن الله قال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} (مريم: 50)، فالثناء الجميل على الصالحين هو جزاء من الله لعبادهالصادقين.
ويتبقى لأتباع الرسل من لسان الصدق بقدر صدق إيمانهم، وإخلاصنياتهم، وخدمتهم لدين الله، والعمل بميراث الأنبياء من العلم والتعليم،فخدمة العلم وتعليمه من أعظم ما يبقي الذكر الطيب، ويحفظ أثرالإنسان بعد رحيله.
اللهم طهر قلوبنا، وأصلح أعمالنا، واجعل لنا لسان صدق فيالآخرين؛ إنك سميع مجيب.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أما بعد، أيها المسلمون، فإن من كمال عدل الله أنه يجزيالمحسن بإحسانه، ولو كان كافرا، فيعطيه من ثواب الدنيا ما يناسبإخلاصه فيما أحسن، وإن كان لا نصيب له في الآخرة.
وقد دل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُمُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُفَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْيَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (1)
ومن صور الجزاء الدنيوي للكافر، بقاء الذكر الطيب على بعضأعماله، كما بقي ذكر حاتم الطائي بكرمه، وابن جدعان بصلة رحمه،وكما بقي ذكر بعض العلماء والمخترعين لما قدموه للناس من نفع.
لكن المؤمن يعمل ابتغاء وجه الله، فإذا أثني عليه صدقا لم يضره ذلك. قال الإمام مالك رحمه الله: "لا بأس أن يحب الرجل أن يثنىعليه صالحا إذا قصد به وجه الله" (2)
وقد وعد الله المؤمنين بالقبول بينهم فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} (مريم: 96)، أي محبةفي قلوب عباده.
والذكر الحسن حياة ثانية، فكم من رجل مات وبقيت آثاره. والميزان فيذلك هو السريرة. قال ابن الجوزي رحمه الله: "رأيت من يكثرالعبادة، والقلوب تنبو عنه، ورأيت من ليس له كبير عمل،والقلوب تتهافت على محبته، فعلمت أن الأمر سريرة". (3)
فاللهم أصلح بواطننا، وتقبل أعمالنا، وبارك في علمنا وتعليمنا، واجعللنا ذكرا حسنا بعد موتنا. {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَانَاصِرٍ} (الطارق: 9-10).
الفهارس:
1- رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إذا هم العبد بحسنة، حديثرقم 2808، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
2- ذكره ابن عبد البر في التمهيد (21/263).
3- صيد الخاطر (ص 143).