نربية النفس على الخير

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ..

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُصْلِحُ الْعَبْدَ هُوَ تَرْبِيَةُ نَفْسِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. إِنَّ النَّفْسَ بَشَرِيَّتُهَا تَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، وَتَرْكَنُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَتَكْسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَرْبِيَةٍ وَمُجَاهَدَةٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[ وَمِنْ أَعْظَمِ أُسُسِ تَرْبِيَةِ النَّفْسِ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ، وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ.

وَقَدْ ضَرَبَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، فَمِنْ ذٰلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: (لَا تَغْضَبْ) فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: (لَا تَغْضَبْ) فَهَذَا تَرْبِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى كَبْحِ جِمَاحِهَا، وَضَبْطِ غَضَبِهَا، فَإِنَّ الْغَضَبَ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ.

وَمِنْ قِصَصِهِ ﷺ فِي تَرْبِيَةِ النَّفْسِ: أَنَّ شَابًّا جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فِي الزِّنَا! فَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، بَلْ قَالَ لَهُ: (أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يَرْضَوْنَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ) فَرَبَّى النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ أُمَّتِهِ عَلَى الْعِفَّةِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

لَقَدِ اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى التَّمَيُّزِ، وَاسْتِخْدَامِ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَعَدَمِ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى، وَعَدَمِ اتِّبَاعِ كُلِّ نَاعِقٍ، أَوِ السَّيْرِ خَلْفَ النَّاسِ دُونَ رَوِيَّةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) وَالْإِمَّعَةُ هُوَ: الشَّخْصُ الَّذِي يُقَلِّدُ النَّاسَ بِدُونِ وَعْيٍ وَلَا رَأْيٍ. فَفِي الْحَدِيثِ: إِشْعَارٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ الْمُجَرَّدِ فِي الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَضْلًا عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.. وَفِي سِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ، فَهٰذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t، كَانَ يَقُولُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا. وَكَانَ t إِذَا أَخْطَأَ ضَرَبَ قَدَمَهُ وَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اتَّقِ اللَّهَ. تِلْكَ نَفْسٌ تُرَبِّي نَفْسَهَا، لَا تَنْتَظِرُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا غَيْرُهَا.

وَهٰذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُهَا لِلَّهِ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ.. إِنَّ تَرْبِيَةَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَلَامًا يُقَالُ، بَلْ هِيَ مُجَاهَدَةٌ وَصَبْرٌ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ، شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى ]قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ نُفُوسَنَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.

أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

أَمَّا بَعْدُ..

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَعَادَتَكُمْ فِي إِصْلَاحِ أَنْفُسِكُمْ، وَأَنَّ أَشَدَّ الْجِهَادِ هُوَ جِهَادُ النَّفْسِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَاهَدْتُ نَفْسِي أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى اسْتَقَامَتْ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِكْمَةِ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ. فَلَا تَيْأَسُوا، وَلَا تَسْتَسْلِمُوا، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ أَعَانَهُ. فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، اقْتِدَاءً بِنَبِيِّكُمْ ﷺ، فَقَدْ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: (اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا).

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ،
اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَزَكِّ نُفُوسَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الصَّالِحِينَ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَاهْدِ بِنَا، وَاجْعَلْنَا سَبَبًا لِمَنِ اهْتَدَى، وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا وَنُفُوسَنَا.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ.

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

المرفقات

1775874384_تربية النفس على الخير.pdf

1775874404_تربية النفس على الخير.docx

المشاهدات 505 | التعليقات 0