طرق الكسب والمنع من التسول

د. منصور الصقعوب

2026-02-02 - 1447/08/14
التصنيفات الفرعية: الفئات الخاصة
عناصر الخطبة
1/انشغال الناس بجمع المال وحرصهم على تنميته 2/اعتناء الإسلام بقضية الرزق 3/من أبرز مفاتيح الرزق 4/أعمال صالحة تفتح أبواب الرزق 5/المكاسب المضمونة والتجارة الرابحة 6/التحذير من المكاسب المحرمة والتسول.

اقتباس

وكم من أقوام وأممٍ تقلّبوا في الأرزاق، فتجبّروا وعصوا الخلّاق، فبُدِلِّت النِّعَمُ نِقَماً، والنعيمُ عذاباً، وما الدنيا إلا أيامٌ قلائل، وطعام دون طعام، ولباس دون لباس، حتى يفارق المرء هذه الدار. وليس عيباً أن يموت المرء فقيراً ويعيش فقيراً إذا عمل الأسباب، إنما الغبن كل الغبن، أن يعيش عن الله بعيداً ويموت فقيراً من العمل الصالح....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله....

 

حديث الناس في مجالسهم كثيرٌ عن الرزق وكيف يُكْسَب، والمالِ وكيف يُنمَّى، وهو حاضرٌ في همومهم وآمالهم، وله نصيبٌ كثير من أوقاتهم وأعمالهم.

 

وليس يُلام المرء في ذلك، بل هو أمر دعت له الشريعة وأقرته الفطرة، وسعى له الصالحون والمرسلون، لكن إنما يتفاوت الناس في طريق السلوك وقدر الاهتمام.

 

وشريعة الإسلام ما تركت باباً إلا وبينته، وجلّت معالمه، وما كان لأمرٍ كالكسب يحتاجُ له في كل يوم أن يُتْرَك هملاً بلا بيان، فكيف بيَّنَت الشريعة طرق نيل الكسب.

 

ومعرفة هذا أمرٌ شريف القدر، سيما مع توسع طرائق الكسب المشوبة، ومسارب الربح الموهومة، ومع العناية بالأسباب الظاهرة، والغفلة عن الأسباب المعنوية الباطنة.

 

ألا وإن التوبة والاستغفار من أبرز مفاتيح الرزق "أستغفر الله"؛ كلمة متى خرجت من القلب، أحلّ الله على صاحبها الخيرات، ولا عجب، فهي إنابة وتوبة، واعتراف بالذنب وتضرُّع للرب أن يغفر الحَوْب (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12]، وفي الحديث المُحَسَّن عند بعض أهل العلم: "مَن لزم الاستغفار جعَل الله له مِن كل همّ فرجًا، ومِن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".

 

عبد الله: وصلة الرحم دربُ تحصيل الرزق ومباركته، وفي ذلك يقول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أحب أن يُبْسَط له في رزقه ويُنْسَأ له في أثره فليصل رحمه"؛ فلا تنسَ الأقارب، ولا تنسَ الوالدين بالصلة والزيارة، والمعونة والمساعدة، فذلك طريق لمثراة المال وطول العمر. 

 

يا مُوفَّق: إذا ضاق عليك الرزق فتفقَّد نفسك في الصلاة؛ فالمحافظة عليها سبب من أسباب الرزق، وفي ذلك يقول الحق -عز وجل-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه: 132]، قال ابن كثير: "إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب"(المصباح المنير 858). 

 

 وفي الحديث عند الترمذي، أن الله -تعالى- يقول: "يا ابن آدم، تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك".

 

يا كرام: والصدق حين يتبايع البيِّعان سببٌ لزيادة الرزق والبركة فيه، وفي الصحيح؛ "فإن صدقا وبَيَّنَا؛ بورك لهما في بيعهما".

 

وتفقُّدُ الضعفة والإحسانُ إليهم طريق للرزق، وفي الحديث: "وإنما تُنْصَرُون وتُرْزَقُون بضعفائكم"؛ فلا تغفل عن الضعفة من صغار ومرضى وعمال وأيتام، تَلَمَّس حاجاتِهم وتلطَّف في إسعادهم وتَحَرَّ دعواتهم، فكم من عبدٍ فُتِحتْ له أبواب الرزق بيتيم يتعاهده، أو أرملة يقوم عليها.

 

 عباد الله: وتقوى الله أَوْلَى ما تقرَّب به العبد لمولاه، ومن جزاء الله لعبده حينها أن يرزقه المال؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق: 2- 3].

 

أوليس الرزق من الله فلْيَبشر إذن مَن اتقاه بالرزق يأتيه من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، ولئن كان الرزق يناله غير المتقي كذلك، فإن البركة لا تحلّ في مالٍ إلا إذا كان من وجه حلال، ولمن اتقى الله فيه. 

 

أيها المسلمون: والصدقةُ والإنفاقُ في وجوهِ الخير والإحسان، وإن كان ينقص ظاهراً إلا أنه يبارك المال وينميه، ويفتح للعبد أبواب رزقٍ، إنه وعد من الله لا يتخلف، وخطاب من الرزاق لا يُكْذَب؛ "يا ابن آدم: أنفق انفق عليك"؛ ومن أصدق مِن الله؟

 

فإلى مَن يريد الأرباح الباهرة، والمكاسب المضمونة والتجارة الرابحة، يقول الله -تعالى-: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[البقرة: 245].

 

وأعظم ما يُنَال به الرزق: دعاء الغَنِي أن يُغْنِي، والرزاق أن يَرْزُق، والفتاح أن يفتح، وفي الحديث القدسي "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم".

 

وها هم الأنبياء قد توجهوا إلى الله لنيل الرزق فعيسى قال: (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ)[المائدة: 114]، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا"؛ فأين أنت من الدعاء؟ فباب الكريم مفتوح، والرزاق الله قد وعد عباده الإجابة، وتكفل لهم بالأرزاق.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده....

 

يا كرام: وإذا كانت هذه أسباب نَيْل الرزق، فإن من الأسباب ما هو محرم، وإن أكسب رزقاً ظاهراً، فالسرقة والرشوة والربا والشفاعة بالمال وغير ذلك، طرائق ربما حصل بها المال لكنها قد حرّمها ذو العزة والجلال.

 

وإن امرأً أيقن بأن الله هو الرازق، وبأنه قد كتب له رزقه من يوم أن كان في بطن أمه، وأيقن أن الرزق يطلب صاحبه كما يطلبه أجله، وأنه لا يمكن لرزق قُدِّر له أن ينال غيره، حريّ بهذا أن يترفع ويبتعد عن كل ما حرم الله، وإن رأى فيه رزقاً، فرزقك آتيك، لربما استعجلته بسببٍ حرام فجاءك ممحوق البركة وأنت آثِم، ولو صبرت وسلكت ما أباح الله لجاءك رزقك، ولو اجتمع الخلق كلهم على منعه لم يقدروا.

 

عباد الله: وليس تسوُّل الناس بطريقٍ للكسب، بل هو أمر ذمَّته الشريعة إلا لمن اضطر له، وهو إن سأل وهو قادر على العمل والتكسب، أو سأل بلا حاجة، فإنما يفعل حراماً ويسأل جمراً، وفي الصحيح: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ".

 

وعلى المسلم التحرُّز في زكاته وصدقته، فيضعها في يد مَن اطمأن لحاجته، وعلم أو غلب على ظنه صدقه؛ إذ هذا الباب دخل فيه المحتاج الصادق، وكذا ولج فيه المتكثّر الذي عدّه مِهْنة، فحين تضع مالك زكاة فتَحَرَّ غاية التحرّي، وليس كل متسوّل يُتعاطف معه، وفي المجتمع مُتعفّفون كثر، وبحاجة شديدة، فابحث عنهم، أو استعن بمن يعرفهم من الجمعيات الخيرية، وفي الصحيح: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ  وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ  فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ".

 

ويقال لمن ألجأته الحاجة لسؤال الناس: الأرزاق عند الله، فكُفّ يدك عن سؤال الخلق، وابحث عن أي كسب ولو قلّ؛ فهو أبرك إذ هو من عمل يدك، وفي الصحيح: "لأن يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى".

 

وبعدُ، فلا تنسَ أن الله هو الغني، وخلائقه كلهم فقراء إليه، فإن كنت غنياً فإياك أن تطغى وأن تنسى إخوانك، وإن كانت الأخرى فسله فإن يمينه ملأى لا تغيضها نفقة، وإن كرمه دائم وعطاؤه مستمر، وصدق الله (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 96].

 

وإذا شُكر اللهُ زادَ في عطاءه، وإذا كُفِرت نِعمه عذّب وزال إحسانُه، وكم من أقوام وأممٍ تقلّبوا في الأرزاق، فتجبّروا وعصوا الخلّاق، فبُدِلِّت النِّعَمُ نِقَماً، والنعيمُ عذاباً، وما الدنيا إلا أيامٌ قلائل، وطعام دون طعام، ولباس دون لباس، حتى يفارق المرء هذه الدار. وليس عيباً أن يموت المرء فقيراً ويعيش فقيراً إذا عمل الأسباب، إنما الغبن كل الغبن، أن يعيش عن الله بعيداً ويموت فقيراً من العمل الصالح، فأولئك هم الفقراء حقاً. 

 

وصلوا وسلموا.....

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life