مكانة المساجد ورعايتها

صغير بن محمد الصغير

2026-04-23 - 1447/11/06
عناصر الخطبة
1/فضائل المساجد ومكانتها 2/عمارة المساجد حسيًّا ومعنويًّا 3/أهمية صلاة الجماعة في المسجد 4/التحذير من هَجْر الذكر وقراءة القرآن في المساجد 5/وجوب حفظ وصيانة المساجد.

اقتباس

يا ألله يصلون جماعة! وهم في حال الخوف، فكيف بمن جدار بيته قريب من جدار المسجد وهو آمنٌ مطمئن، ثم لا يَحضُر الجماعة؟! قال ابن المنذر: "ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف دليلٌ على أن ذلك في حال الأمن أوجب"...

الخُطْبَة الأُولَى:

 

 الحمد لله، نَحمَده ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فيا أيها المسلمون، أُوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

وكأنَّ المساجد تتحدَّث عن عهودٍ مضت حينما كان جيرانها يتزاحمون عند أبوابها، ويتسابقون على صفوفها الأول، يتسابقون الفضل في رعايتها وتطهيرها وتنظيفها، تَضِجّ من داخلها كخلايا النحل نشاطًا وحيويةً؛ فهذا يقرأ، وهنا حلقة، وذاك درسُ عِلْمٍ، مصابيحها لا تنطفئ، يَسعدُون بتفريغ الهموم وانشراح الصدور فيها، والخلوة بين جنَباتها، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)[الجن: 18- 19].

 

هي أحب الأماكن إلى الله -تعالى-، وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإلى المؤمنين الصالحين؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا"(أخرجه مسلم)، بل إن المسجدَ بيتُ كلِّ مؤمنٍ وتقي؛ فيُرْوَى عن أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المسجد بيت كلِّ تقي"، وفي سنده ضعف.

 

المؤمن يهتم بعمارتها الحسيَّة والمعنوية؛ فالحسيّة البنيان وحاجاته المتعلقة فيه، والمعنوية نشاطاتها ودروسها وارتيادها؛ قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التوبة: 18]؛ قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "(فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، و«عسى» من اللّه واجبة، وأمَّا مَن لَم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية لله، فهذا ليس من عمار مساجد الله، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادَّعاه".

 

وليحذَر مَن يخاف الله أن يشتعل من حول المساجد بالبيع والشراء والركض على الدنيا وقت إقامة الصلاة فيها، والله -تعالى- يقول: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَومًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[النور: 37- 38].

 

عن ابن مسعود أنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، تركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبدالله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، بل لم تكن الأسواق تفتح في المدينة في عهده -صلى الله عليه وسلم- بعد الأذان تعظيمًا لهذه الشعيرة، كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- وغيره: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة أَلْقَوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد، فصَلُّوا.

 

وكان هديه -عليه الصلاة والسلام- تنبيهَ الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة؛ كما روي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: "خرجت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حرَّكه برجله"(رواه أبو داود).

 

وكان عمل الصحابة -رضي الله عنهم- عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه والذهاب إلى المساجد، فروى أحمد عن زيد بن خالد الجهني قال: "كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- المغرب، ثم ننصرف إلى السوق"؛ يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصرًا بدخول وقت المغرب، ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى، وهكذا درج المسلمون على هذا الأمر حتى ظهرت نوابتُ متفيقهةٌ تقلِّل من أهمية الصلاة في المساجد، وتطالب بعدم إغلاقها وقت الصلاة.

 

وليحذَر المسلم أن يقصِّر في صلاة الجماعة في المساجد، والله -تعالى- يقول: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)[النساء: 102].

 

يا ألله يصلون جماعة! وهم في حال الخوف، فكيف بمن جدار بيته قريب من جدار المسجد وهو آمنٌ مطمئن، ثم لا يَحضُر الجماعة؟! قال ابن المنذر: "ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف دليلٌ على أن ذلك في حال الأمن أوجب".

 

ثم لنُصْغِ إلى هذا الحديث الصحيح الذي تُذَّكرنا به جدران المساجد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ، فيحتطب ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أُخالف إلى رجال، فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مِرْمَاتين حسنتين لشهد العشاء"(رواه البخاري)، والعرْق: العظم، مرماتين: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، والظِّلف: الظُّفر.

 

وفي حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأَتَوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمُر بالصلاة، فتُقام ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار"(رواه مسلم).

 

قال ابن المنذر -رحمه الله-: "وفي اهتمامه بأن يُحرِّق على قوم تخلَّفوا عن الصلاة بيوتهم أبينُ البيان على وجوب فرض الجماعة؛ إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مَن تخلَّف عن ندب، وعما ليس بفرض".

 

أنَّ المسجد وبكى، فإلى الله المشتكى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

ولنحذر -أحبَّتي- من هِجران الذكر وقراءة القرآن في المساجد، واستبدالها بكلام دنيوي صرف كبيع وشراء، ويَعظُم الإثم عندما يكون الكلام فيه محرمًا كغيبة ونميمة، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك"(رواه الترمذي وصححه الألباني)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار"(رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما).

 

ويجب تنبيهُ الصبيان والسفهاء من العبث بمحتويات المساجد أو الكتابة على جدرانها، والله -تعالى- يقول: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32]، ولو كان بيتٌ لأحدهم لما تجرَّأ على رمي ورقة بيضاء!

 

ليست هذه سوى طرف من حقوق المساجد، فكن عبدَ الله من عُمَّار المساجد وروَّادها والمحافظين عليها؛ فإنها أطهر البقاع، عسى الله أن يُظلك في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ فمنهم رجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من بنى مسجدًا لله كمِفحص قَطاةٍ أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة"(رواه ابن ماجه وابن خزيمة، وصححه الألباني).

 

عباد الله؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life