أشهر الحج والأشهر الحرم

الشيخ د علي بن عبدالعزيز بن علي الشبل

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-20 - 1447/11/03
عناصر الخطبة
1/أهمية أشهر الحج 2/تعظيم الأشهر الحرم 3/تحريم الظلم في الأشهر الحرم وغيرها 4/خطورة تأخير الحج مع القدرة 5/شروط وجوب الحج.

اقتباس

وإن أعظم ما يتناوله المؤمن في هذه الأزمان: سعيه لأداء فرض الله عليه، فكم واحد منَّا اجتمعت له شروط الحج، واجتمعت له أسبابه، ثم فرَّط في إتيانه وفي أدائه تسويفًا وتأجيلًا وتأخيرًا وانشغالًا بالدنيا، وهذه كبيرةٌ من كبائر الذنوب في حد ذاتها، فقد همَّ عمر وعلي -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما- أن...

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله؛ نحمده وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أن نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عبده المصطفى ونبيُّه المجتبى، فالعبد لا يُعبَد كما الرسول لا يُكذَّب، فاللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المرسلين، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم وأحبَّهم وذبَّ عنهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

 

أما بعد: عباد الله: فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بعروته الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].

 

 أيها المؤمنون: إنكم في زمنٍ شريف، زمنٍ فاضل؛ فضَّله الله -جَلَّ وَعَلَا- على غيره من الأزمان، اجتمع لكم فيه أشهر الحج وأول الأشهر الحُرُم.

 

 فأما أشهر الحج، فهي التي نوَّه الله عنها بقوله من آيات الحج في سورة البقرة: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)[البقرة:197].

 

 أشهر الحج يا عباد الله: هي: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة.

وها هي هِمَم المسلمين متعلقةٌ ببيت الله العتيق ينوون حجَّه طاعةً لله وأداءً لفرضه، فلتبادر لذلك -أيها المؤمن- باستعدادك في نفسك أولًا، وفي حالك وفي ذهابك واستعدادك للسفر للحج ثانيًا.

 

 والأشهر الحرم وهي ثلاثةٌ متواليات، وواحدٌ فردٌ مستقلٌ عنها.

 فأما المتواليات فأولها ذو القعدة وأنتم في غُرته، وذو الحجة، وثالثها شهر الله المحرَّم.

 

 وأما المنفرد فهو رجب؛ رجب مضر الكائن بين جمادى وشعبان، وهي المنوَّه عنها في قول الله -جَلَّ وَعَلَا- في سورة براءة: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة:36].

 

 والأشهر الحرم -يا عباد الله- هي هذه الأشهر الثلاث المتوالية، ورابعها رجب بين جمادى وشعبان، حرَّم الله فيه كما حرَّم في غيره ظلم النفس بأنواعه الثلاثة:

 ظلم العبد نفسه بالمعاصي والموبقات، وترك الفرائض والواجبات.

 وظلم العبد غيره بتعديهم على حقوقهم ماليًّا أو عِرضيًّا أو ما يتعلق بدينهم.

 وظلم العبد ربَّه بإشراكه وكفره به معه غيره.

 

 وهذه الأشهر الحرم زمانٌ فاضل لا يختص إلا بما خصَّه الله -جَلَّ وَعَلَا- به من هذا التعظيم، زادت ذو القعدة مع ذي الحجة وهي أشهر الحج على ما سمعتم في أول الكلام.

 

 ثم اعلموا عباد الله: أن الأشهر الحُرم لا يعني أنه لا يصح الصيد فيها أو لا يصح أن تقام فيها الحدود، هذا مما تزيَّد به الناس مما لا أصل به في الشريعة، وإنما هي أشهرٌ يُزاد فيها في تعظيم الله، كان ذلك في دين إبراهيم الخليل، فجاء ديننا متمِّمًا له مُبطلًا ما كان عند الجاهلية من المحدثات والبدع والزيادات.

 

 وإن أعظم ما يتناوله المؤمن في هذه الأزمان: سعيه لأداء فرض الله عليه، فكم واحد منَّا اجتمعت له شروط الحج، واجتمعت له أسبابه، ثم فرَّط في إتيانه وفي أدائه تسويفًا وتأجيلًا وتأخيرًا وانشغالًا بالدنيا، وهذه كبيرةٌ من كبائر الذنوب في حد ذاتها، فقد همَّ عمر وعلي -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما- أن يكتُبا إلى عُمّالهم أن ينظروا مَن وجد سعةً من المال، ثم لم يحجوا هذا البيت أن يضربوا عليهم الجزية؛ تعزيرًا لهم، وتفخيمًا لهذا الأمر في قلوبهم.

 

 فاتقوا الله عباد الله: واسعوا إلى فرائض الله فبادروا إليها، وأدُّوها كما أمركم بها ربكم -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وهو القائل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آل عمران:97].

 

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله الذي أعاد مواسم الخيرات على عباده تترى، فلا ينقضي موسمٌ إلا ويعقبه آخر مرةً بعد أخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها النجاة والفلاح في هذه الدنيا وفي تلكم الدار الأخرى.

 

أما بعد: عباد الله: فإن شرائط الحج في وجوبه:

 أولها: الإسلام، فلا يصح الحج من كافرٍ أو مشرك، ومنهم كذلك مَن لا يصلي أو يدعو أو يذبح أو يستغيث بغير الله -جَلَّ وَعَلَا-.

 

 وثانيها: التكليف بالعقل، والتكليف بالبلوغ، وإنما يصح الحج من الصغير، وكذلك من المجنون إذا لم يؤذِ، وكذلك من الرقيق حتى يعتق، يصحَّان منهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام.

 

 الشرط الثالث: الحرية، فلا يجب الحج على العبد، وإنما يصح منه ولا يغنيه إذا عتق إلا أن يحج حجة الإسلام، كما قال ابن عباسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُما-: "إن الصغير إذا بلغ، والعبد إذا عتق وجب عليهما أن يحجا حجةً أخرى".

 

 الشرط الرابع: الاستطاعة المنوَّه عنه في قول الله -جَلَّ وَعَلَا- لمن استطاع إليه سبيلًا.

 

 وهي استطاعةٌ أولًا: في بدنك، في قدرتك للذهاب إلى مكة وأداء المناسك، ثم الرجوع إلى بلدك.

 وثانيًا: استطاعةٌ في مالك بأن تجد نفقةً زائدةً عن حوائجك الأصلية، ومنها ديونك المتعلقة بذمتك، فإذا وجدت شيئًا زائدًا يبلغ بك الحج، ويعيدك إلى بلدك فأنت مستطيع، وهو المنوَّه عند العلماء بمُلك الزاد والراحلة.

 

 الثالث: من الاستطاعة أمن الطريق في ذهابه وإيابه، ويدخل في أمن الطريق ما يتعلق بتصاريح الحج وفِيَزه وأذوناته.

 

 الشرط الرابع والاستطاعة الرابعة: تتعلق بالمرأة التي يحتاج حجُّها إلى سفر أنها لا يجب عليها، حتى يتيسر لها ذو محرٍم يحج بها؛ لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ إلا ومعها ذو محرم»؛ فقام رجلٌ فقال: يا رسول إني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي خرجت حاجَّة، قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ» أخرجاه في الصحيحين.

 

المرفقات

أشهر الحج والأشهر الحرم.doc

أشهر الحج والأشهر الحرم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات