الإيمان بالقضاء والقدر

الشيخ ياسر الدوسري

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-18 - 1447/11/01
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان 2/بعض فضائل الإيمان بالقضاء والقدر 3/مراتب الإيمان بالقضاء والقدر 4/بعض ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر 5/في الإيمان بالقضاء والقدر تثبيت للمؤمنين

اقتباس

إنَّ الإيمانَ بالقضاءِ والقَدَرِ، خيرِهِ وشرِّهِ، ركنٌ مِنْ أركانِ الإيمان، وأصلٌ مِنْ أصولِهِ العِظام، كما أخبرَ بذلكَ سيدُ الأنامِ عليه الصلاةُ والسلام، بهِ يظفرُ العبدُ برضا الرحمن، ويفوزُ بدخولِ الجِنان، ويَسلمُ مِنَ النيران...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله الذي خَلَقَ كلَّ شيءٍ فقدَّرَهُ تقديرًا، وجَرَتِ الأمورُ على ما يشاءُ حِكْمَةً وتدبيرًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وكفى بهِ وليًا ونصيرًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ إلى الثقلينِ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنهِ وسِراجًا منيرًا، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَكَ عليه وعلى آلهِ وصحبهِ ومَنْ تبعهُمْ بإحسانٍ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ: فأوصيكُمْ -أيُّها الناسُ ونفسي- بتقوى الله، فقدْ فازَ المتقون، وتوكَّلوا على ربكُمْ في كلِّ ما بهِ تتصرفُون، واعلمُوا أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءِ مَنْ يقولُ للشيءِ كنْ فيكون.

 

معاشرَ المسلمينَ: إنَّ الإيمانَ بالقضاءِ والقَدَرِ، خيرِهِ وشرِّهِ، ركنٌ مِنْ أركانِ الإيمان، وأصلٌ مِنْ أصولِهِ العِظام، كما أخبرَ بذلكَ سيدُ الأنامِ عليه الصلاةُ والسلام، بهِ يظفرُ العبدُ برضا الرحمن، ويفوزُ بدخولِ الجِنان، ويَسلمُ مِنَ النيران، فعِنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضيَ اللهُ عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَقُولُ: "لَو كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأن مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ"(رواه ابن ماجه).

 

فإذا وَقَرَ هذا الاعتقادُ في القلوبِ حفَّزَ العاملينَ في أعمالِهِم، ورقَّاهُمْ إلى مَدارجِ الكمالِ في كلِّ أحوالِهِم.

 

أيُّها الناسُ: القَدَرُ سِرُّ اللهِ في خلقِه؛ وكلَّ مَقدورٍ قضاهُ اللهُ واقعٌ بحكمتِه، قالَ جلَّ في قدرتِهِ: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[الْقَمَرِ: 49]، وقال: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)[الْفُرْقَانِ: 2]؛ فهو الذي أَوْجَدَ وأَفْنَى، وأَفْقَرَ وَأَغْنَى، وأَمَاتَ وَأَحْيَا، وأَضَلَّ وَهَدَى، فما كشفهُ لنَا ربُّنا آمَنَّا به وقَبِلْناه، وما استأثرَ بعلمِه وخَفِيَتْ علينا حِكمتُهُ وغايتُهُ سلَّمْنَا لَهُ ورضِينَاهُ، مؤمنينَ بِكمالِ حكمةِ اللهِ وعظمةِ تقديره، ونفاذِ مشيئته في ملكوته وحُسنِ تدبيرِهِ، فإنَّهُ -سبحانَه- الحكيمُ العليمُ الذي لا يُسْألُ عمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ، وهو المحمودُ والمستحِقُّ للحمدِ على كلِّ حالٍ، لا إله إلَّا هو.

 

فمَنْ آمنَ باللهِ حقَّ الإيمان، وعَلِمَ أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ مِنَ الحكيمِ الرحمنِ؛ وصَدَقَ إيمانُه فقامَ بلوازمِهِ مِنَ الأقوالِ والأفعالِ، ثبَّتَ اللهُ قلبَهُ بالرِّضى، وهدَاهُ للتسليمِ والإذعان، قالَ -تعالى-: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[التَّغَابُنِ: 11].

 

ومَنِ استعانَ باللهِ مُعتمِدًا بقلبِهِ عليهِ أعانَهُ، ومَنْ لجأَ إليهِ واحتمَى بجَنابِهِ عصمَهُ وصانَهُ، ومَنْ تحمَّلَ في سبيلِهِ الأثقالَ والمشاقَّ سهَّلَهَا عليه وهوَّنَهَا، ومَنْ قصدَهُ صادقًا كفَاهُ وزيَّنَ لهُ مسالكَ الخيرِ وحسَّنَهَا؛ فكيفَ يخافُ الخلقَ مَنْ يعلمُ أنَّ الأجلَ محتومٌ، وكيف يخشى الفقرَ مَنْ تيقَّنَ أنَّ الرزقَ مقسومٌ، وكيف يتسخطُ مِنَ المصائبِ والمكارهِ مَن يعلمُ أنَّ اللهَ هو الذي قدَّرَهَا؟ وكيف لا يحتسبُ ثوابَهَا ويرجو ذُخرَهَا مَنْ يعلمُ أنَّ اللهَ هو الذي أجراهَا ودَبَّرهَا؟

 

فإذا آمَنَ العبدُ بذلكَ سهّلَ اللهُ عليه المُلِمَّاتِ والمصاعبَ، ورزقَهُ الثباتَ عندَ وُرودِ المصائبِ، قالَ -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[إِبْرَاهِيمَ: 27].

 

بلْ ويحصلُ لهُ بذلكَ الثوابُ العظيمُ، والأجرُ الجزيلُ؛ كما قالَ الحكيم العليم: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزُّمَرِ: 10]، وهذا مِنْ أفضل ما يُجازي اللهُ بهِ أهلَ الإيمان.

 

واعلموا -رحمكم الله- أنَّ للإيمان بالقضاءِ والقدرِ أربعَ مراتبَ:

أولُها: مرتبةُ العلم: وهي الإيمانُ بعلمِ اللهِ المحيطِ بكلِّ شيءٍ، فيعلمُ جلَّ في علاه ما كانَ، وما هو كائنٌ، وما سيكون، وما لم يكنْ لو كانَ كيفَ سيكون، قالَ -تعالى-: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[يُونُسَ: 61].

 

وثانيها: مرتبةُ الكتابةِ: وهي الإيمانُ بأنَّ اللهَ -تعالى- كتبَ مقاديرَ جميعِ الخلائقِ في اللوحِ المحفوظِ؛ فَقَدْ كتبَ الأعمارَ والآجالَ، والشقاءَ والسعادةَ، والأرزاقَ والأعمالَ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"(رواه مسلم).

 

وثالثُها: مرتبةُ الإرادةِ والمشيئة: وهي الإيمانُ بأنَّ كلَّ ما يجرِي في هذا الكونِ هو بمشيئةِ اللهِ -تعالى- النافذةِ؛ فلا يَخرجُ عنْ مشيئتِهِ وإرادتِهِ شاذَّةٌ ولا فاذَّةٌ؛ فمَا شاءَ الله كانَ، وما لم يشأ لم يكنْ، كما قالَ -تعالى-: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الْكَهْفِ: 23-24].

 

واعلموا -رحمكم الله- أنَّه ليسَ مِن معنى الإيمانِ بِالقدَرِ أن يظنَّ العبدُ نفسَه مُجبَرًا على أفعالِه، بلْ قدْ أعطى اللهُ العبادَ مشيئةً واختيارًا، لكنَّ مشيئتَهم لا تخرجُ عن مشيئةِ اللهِ -تعالى-، كما قالَ -سبحانه-: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)[الْإِنْسَانِ: 30]، والمؤمنُ بالقَدَرِ لا يفتُـرُ عن الأخذِ بالأسبابِ المشروعة، لِعلمِه أنَّ سُنَّةَ اللهِ الماضيةَ تقديرُ الأمورِ بأسبابِها.

 

ورابعُ مراتبِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ: مرتبةُ الخَلْقِ: وهي الإيمانُ بأنَّ اللهَ -تعالى- خالقُ كلِّ شيءٍ، لا خالقَ غيرُه، ولا رَبَّ سواه، قالَ اللهُ جلَّ في علاه: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)[الزُّمَرِ: 62].

 

عبادَ اللهِ: باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ والسُّنةِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيهما منَ الآياتِ والحكمةِ، أقولُ ما سمعتُمْ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ السميعِ العليمِ، العزيزِ الحكيمِ، قضى قضاءَهُ وجرَى قدرُهُ قبلَ عملِ العاملينَ، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ إلهُ الأولينَ والآخرينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ إمامُ الغُرِّ المُحجَّلينَ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ والتابعين، ومَنْ تبعهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.

 

أما بعد، أيُّها المؤمنون: إنَّ للإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ ثمارًا عظيمةً لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وآثارًا حميدةً لا تُحدُّ ولا تُستقصى، ومنها:

راحةُ النفسِ وطُمأنينةُ القلبِ، وعدمُ الحزنِ على ما فاتَ وسُلِبَ؛ فالمؤمنُ لا يحزنُ بفواتِ محبوبٍ، ولا بحدوثِ مرغوبٍ؛ قالَ الله -تعالى-: (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)[الْحَدِيدِ: 23].

 

فمَنْ عَلِمَ أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقَدَرٍ؛ خفَّ عليهِ تحمُّلُ المشقاتِ، ووطَّنَ نفسَهُ على الصبرِ على المصيبات، ولا يفعلُ ولا يقولُ إلَّا ما يُرضي رب َّالبريات، قالَ -تعالى-: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[الْبَقَرَةِ: 156].

 

ومِنْ ثمراتِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ الانقيادُ والتسليمُ لأمرِ اللهِ، وأنْ يعلمَ العبدُ أنَّ الخيرةَ فيما اختارَهُ مولاهُ؛ قالَ جلَّ في علاه: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 216].

 

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحْتُ عَلَى مَا أُحِبُّ أَوْ عَلَى مَا أَكْرَهُ، لِأَنِّي لَا أَدْرِي، الْخَيْرُ فِيمَا أُحِبُّ أَوْ فِيمَا أَكْرَهُ؟".

 

ومِنْ ثمراتِ ذلكَ الإيمانِ: القناعةُ والرِّضا بأقدارِ اللهِ -تعالى-، معَ الأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضيَ اللهُ عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ"(رواه الترمذي).

 

ومِنْ تلكَ الثمراتِ: تطهيرُ القلبِ مِنَ الحسدِ والغلِّ والضغينةِ؛ لأنَّها أمراضٌ قلبيةٌ ذميمةٌ، تَصِلُ بصاحبِهَا للاعتراضِ على أقدارِ اللهِ -تعالى-؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضيَ اللهُ عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ"(رواه مسلم).

 

ومن تلك الثمرات: الصبرُ عندَ الابتلاءِ، والشكرُ على النعماءِ؛ فعَنْ صُهَيْبٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(رواه مسلم).

 

وعَنْ عطاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي، فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ"، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. (مُتفَق عليه).

 

إخوةَ الإيمانِ: إنَّ ما مضَى منَ المعاني لَمِنْ أعظم ما يُثبِّتُ أهلَ الإيمانِ عندَ اشتدادِ الكروب، وتعاظُمِ الخُطوب، قال علَّام الغيوب: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[التَّوْبَةِ: 51].

 

فاتقوا الله -عباد الله- وكونوا ممَّنْ إذا ابتُلِي صبرَ، وإذا أُنعمَ عليه شكرَ، وإذا أَذنبَ استغفرَ؛ تنالوا في الدارين السعادةَ والنجاةَ والظفرَ.

 

هذا وصَلُّوا وسلِّمُوا على صَفْوَةِ الْخَلْقِ أجمعينَ، وسَيِّدِ الأَنبياءِ والمُرسَلِينَ، فقدْ قالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

فاللهمَّ صلِّ وسلِّم وباركَ على الرسولِ الأمين، وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجِهِ أمهاتِ المؤمنين، وارضَ اللهمَّ عنِ الخلفاءِ الأربعةِ الراشدين، وعنِ الصحابة أجمعين، والتابعين، ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وعنَّا معهم بعفوكَ وجُودِك وإحسانِكَ يا أكرمَ الأكرمين.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حَوزة الدِّين، وانصرْ دينَكَ وكتابَكَ وسُنَّةَ نبيِّكَ وعبادَكَ المؤمنين، وأَدِمْ نعمةَ الأمنِ والأمانِ على بلادِنَا المملكةِ العربيَّة السعوديةِ، وعلى سائرِ بلادِ المسلمين، واحفظْنَا وإيَّاهُم مِنْ كلِّ سُوءٍ وبلاءٍ، وشدةٍ ولأواءٍ، وجنِّبْنَا وإيَّاهُمُ الحروبَ والفتنَ، والشرورَ والمِحنَ، ما ظهرَ منهَا وما بطَنَ.

 

اللهمَّ أَيِّدْ بالحقِّ والتوفيقِ والتسديدِ إمامَنَا ووليَّ أمرِنَا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ ووليَّ عهدِهِ الأمينِ، ووفقْهُم وأعوانَهُم لكلِّ مَا تُحبُّ وتَرضَى، ولكلِّ مَا فيهِ خيرٌ وعزٌّ للبلادِ والعبادِ، ونصرٌ وتمكينٌ للإسلام والمسلمينَ.

 

اللهمَّ احفظْ وانصرْ رجالَ أمنِنَا ودفاعِنَا، وجنودَنَا على ثغورِنَا، وكنْ لهمْ عونًا ونصيرًا، ومؤيِّدًا وظهيرًا.

 

اللهمَّ فرِّجْ هَمَّ المهمومينَ، ونفِّسْ كَرْبَ المكروبينَ، واقضِ الدَّينَ عنِ المدينين، واشفِ مَرضانَا ومرضَى المسلمينَ، وارحمِ اللهمَّ موتانَا وموتى المسلمين.

 

وانصرِ المستضعفينَ مِنَ المسلمينَ في فلسطين، وفي كلِّ مكان، واجعلْ لهمْ مِنْ كلِّ هَمٍّ فَرجًا، ومنْ كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومنْ كلِّ بلاءٍ عافيةً.

 

ربَّنَا تقبلْ مِنَّا إنكَ أنتَ السميعُ العليمُ، واغفرْ لنَا إنكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمِ، وتُبْ علينَا إنكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ.

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

المرفقات

الإيمان بالقضاء والقدر.doc

الإيمان بالقضاء والقدر.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات