البركة ورمضان

صغير بن محمد الصغير

2026-02-13 - 1447/08/25 2026-02-19 - 1447/09/02
عناصر الخطبة
1/بركة أعمال المؤمن في رمضان 2/معنى البركة وأسباب حصولها 3/أعمال وأشياء مباركة 4/أسباب البركة 5/من بركات شهر رمضان.

اقتباس

وبركة السحور يقوي على الصيام ويُنشّط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر؛ فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى...

الخُطْبَة الأُولَى:

 

 الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ فاللهم صلِّ وسلم وبارك على مَن جعل البركة دعاءه وكانت نبوته هدى وبركة على الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه ومن تبعه.

 

ثم أمّا بعد: فاتقوا الله عباد الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الأحبة: ها قد مضى نصف شهر رمضان، وهو من أعمارنا قد استودعنا فيه ما كتب الله لنا من أعمال؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، والله المستعان. وثمة ارتباط عجيب بين المؤمن وبركة أعماله في رمضان. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»؛ فالكل منا ينشد البركة في أعماله وأقواله! فيا ترى ما معنى البركة وما هي أسباب حصولنا عليها؟

 

البركة في تراثنا اللغوي هي "النَّماء وَالزِّيَادَةُ"؛ ويقول الإمام الأصفهاني -رحمه الله-: "البَرَكَةُ: ثبوت الخير الإلهي في الشيء"؛ فالقرآن مبارك: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)[الأنبياء: 50].

 

الأنبياء مباركون قال الله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام- قال -تعالى-: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)[مريم: 31].

 

وصحابة نبينا -صلى الله عليه وسلم- مباركون، وخص الله منهم آل أبي بكر.. أخرج البخاري ومسلم -رحمهما الله- حديث لفضل أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه- في مشروعية التيمم، وقول أسيد بن حضير: "لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم".

 

وقد تكون البركة في زمان كشهر رمضان وليلة القدر على وجه الخصوص قال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)[الدخان: 3].

 

وقد تكون في مكان كالمساجد عمومًا والثلاثة خصوصًا كما في قوله -تعالى- عن المسجد الأقصى: قال -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الإسراء: 1]؛ قال الإمام البيضاوي -رحمه الله-: "ببركات الدين والدنيا؛ لأنه مهبط الوحي ومُتعبَّد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من لدن موسى -عليه الصلاة والسلام-، ومحفوف بالأنهار والأشجار".

 

وقد يكون الطعام والشراب مباركًا كما بارك الله ماء السماء، فقال -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ)[ق: 9]؛ لكثرة منافعه.

 

ومع الإيمان والتقوى يبارك الله في الأرزاق؛ قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الأعراف: 96].

 

يقول الإمام النيسابوري -رحمه الله-: (لفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)؛ "أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات. والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح".

 

وعن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا".

 

فتبارك مَن جعل البركة قد تكون في إنسان أو زمان أو مكان. تبارك خالق السماوات والأرض ومن فيهن.

 

أيها الأحبة: لما في البركة من خير وفير ورحمة وسعادة طلبها الأنبياء؛ فقد أمر الله -عز وجل- نبيه نوح -عليه السلام- بأن يطلبها في دعائه بعد نجاته ومَن آمَن معه من الطوفان، قال -تعالى-: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)[المؤمنون: 29]؛ قال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: "أُمِر أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة... والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول".

 

ولذا فما من صلاة يصليها المؤمن إلا ويدعو بالبركة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولآل بيته الكرام كما في الحديث: "وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".

 

ومن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء للمتزوج بالبركة؛ فعن أنس -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال: «ما هذا؟» قال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة»(رواه البخاري).

 

ودعا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبركة لأهل الشام واليمن؛ فعن ابن عمر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا»(رواه البخاري).

 

كما خص النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل المدينة المنورة بالدعاء لهم بالبركة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ، فَيَقُولُ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ»، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ"(رواه مسلم).

 

قال القاضي عياض -رحمه الله-: "يحتمل أن تكون هذه البركة دينية بما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله في الزكوات والكفارات..، وتكون دنيوية من تكثير المكيل، والقدر بهذه الأكيال حتى يجزئ منه، ويكفى ما لا يجزئ من غيره في غير المدينة ومكانتها، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها، أو إلى كثرة ما يُكال بها من غلاتهم وثمارهم، أو يكون للزيادة فيما يكال بها؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم، ووسع من فضله لهم...، حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه غير ذلك، فانتقلوا عن مقاديرهم في عيشهم المعلوم، من مد النبي -عليه السلام- إلى المد الهاشمي...، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، وقبولها".

 

وعلّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نستخيره -تبارك وتعالى- نسأل الله الخير وبركته؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يُعلّمنا السورة من القرآن، حتى علمنا أن نقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه».

 

وللبركة أسباب يجب تحصيلها منها:

الإيمان والتقوى: قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)[المائدة: 66]. يقول الإمام الطاهر بن عاشور: "ومعنى لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم تعميم جهات الرزق، أي لرزقوا من كل سبيل".

 

ومن أسباب البركة: الشكر على النعم قال -تعالى-: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)[إبراهيم: 7]. يقول القاسمي -رحمه الله-: "لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعم الله بصرفها إلى ما خُلقت له. كالعقل إلى تصحيح الاعتقاد فيه واستعمال سائر النعم بمقتضاه لزادكم الله من النعم".

 

ومن أسباب البركة: تحرّي وقت البكور وأخبرنا النبي بأن وقت البكور تحلّ به البركة: عن صخرِ الغامديِّ، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "اللهم بارِك لأُمتي في بُكورِها"، وكان إذا بعثَ سَريَّةً، أو جيشًا بعثهم من أولِ النهار. وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعثُ تجارتَه من أولِ النهار فأَثْرى وكثُر مالُه"؛ فأول النهار سبب للبركة في الرزق.

 

• والاستغفار: قال نوح -عليه السلام- لقومه: قال -تعالى-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10- 11]؛ قال القرطبي -رحمه الله-: "هذه الآية دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يُسْتَنْزَلُ بِهِ الرِّزْقُ وَالْأَمْطَارُ".

 

الصدق في المعاملة من أسباب الرزق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما".

 

وصلة الرحم من أسباب البركة في العمر والرزق؛ فعن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»(رواه مسلم).

 

فالإحسان إلى الوالدين خاصة وإلى الناس عامة يجلب البركة، كما قال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)[الرحمن: 60].

 

وتفريج كربات الناس سبب لبركة الحياة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربة، فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة"(رواه مسلم).

 

والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب يجلب البركة في الرزق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:

«لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ ‌تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»(صحيح الترمذي).

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم....

 

 

الخطبة الثانية:

 

إنّ الحمد لله...

 

أما بعد: بارك الله لنا ولكم في شهر رمضان.. خص هذا الشهر ببركات نسأل الله أن تحل بنا جميعًا؛ فشهر رمضان هو شهر البركة، تُضاعَف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الجنة. ومن بركات الشهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر سماها الله -تبارك وتعالى- بليلة مباركة يقول الإمام السعدي: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)؛ أي: كثيرة الخير والبركة، وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام لينذر به قومًا عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره ويقتبسوا من هداه ويسيروا وراءه فيحصل لهم الخير الدنيوي والخير الأخروي".

 

والصيام من الأمور التي تجلب البركة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ"، ومعنى جنّة يقول ابن حجر  -رحمه الله-: "الْوِقَايَةُ وَالسَّتْرُ مِنَ النَّارِ،...ووقاية لصَاحِبَهُ ممَا يُؤْذِيهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ،...، وجُنَّةٌ أَيْ سُتْرَةٌ يَعْنِي بِحَسَبِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُفْسِدُهُ وَيَنْقُصُ ثَوَابَهُ،... وسُتْرَةٌ بِحَسَبِ فَائِدَتِهِ وَهُوَ إِضْعَافُ شَهَوَاتِ النَّفْسِ، وسُتْرَةٌ بِحَسَبِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الثَّوَابِ وَتَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ، وسُتْرَةٌ مِنَ الْآثَامِ أَوِ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ،... فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنَ النار في الْآخِرَةِ".

 

والسحور من بركات هذا الشهر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تسحروا فإن في السحور بركة»(صحيح البخاري).

 

وبركة السحور بيَّنها الإمام النووي -رحمه الله- فقال: "وأما البركة التي فيه فظاهرة لأنه يقوي على الصيام ويُنشّط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر؛ فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة أو التأهب لها حتى يطلع الفجر".

 

وتلاوة القرآن من بركات هذا الشهر وغيره من أيام الله؛ فالقرآن كتاب مبارك، قال -تعالى-: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الأنعام: 155]؛ يقول الإمام الفخر الرازي -رحمه الله-: "لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه ثابت لا يتطرق إليه تحريف كما في الكتب السابقة وأنه كثير الخير والنفع".

 

فمن قرأه بتدبر حصل على البركة في حياته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، أنه سمع رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ،....، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».

 

ومن نعم الله علينا أن الله -تعالى- يبارك لنا في أموالنا إذا أدّينا حق الله فيها؛ فالصدقة من أسباب البركة في المال، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»، "فلمّا كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحسّ، وعلى وجه لا يُحصَى ولا يُحصَر قيل لكلّ ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مُبَارَكٌ، وفيه بركة".

 

عباد الله: هذا وعد من الله أن تتنزل البركة على المتصدق، كما قال -تعالى-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)[البقرة: 276]؛ قال الإمام الخازن: "يُرْبِي الصَّدَقاتِ أي يزيدها ويثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف أجرها في الآخرة". وهذا ما رواه أبو هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله»(رواه مسلم).

 

عباد الله: قال الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: علمني رسول -صلى الله عليه وسلم- كلمات أقولهن في الوتر؛ «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت"(صحيح أبي داود).

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

البركة ورمضان.doc

البركة ورمضان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات